top of page

حمود الصاهود: كيف صنع حضورًا أدبيًا لافتًا على منصات التواصل الاجتماعي؟

10 أكتوبر
12 دقيقة قراءة

تاريخ التحديث: 10 أكتوبر



تشهد الساحة الثقافية والفكرية في العالم العربي تحولات عميقة وجذرية في آليات إنتاج وتصدير المعرفة، حيث تراجعت الأنماط التقليدية للتلقي المعتمدة حصرياً على الكتاب المطبوع والمحاضرة الأكاديمية الصارمة، لصالح قوالب رقمية مبتكرة تتسم بالمرونة والتفاعلية والقدرة على الوصول إلى جماهير واسعة ومتنوعة. وفي خضم هذه الثورة الرقمية، التي أعادت تشكيل الوعي الجمعي ورسمت ملامح جديدة للثقافة العربية، يبرز البودكاست (المدونات الصوتية والمرئية) كأحد أهم الروافد الثقافية الحديثة. ضمن هذا السياق التاريخي والمعرفي، يبرز اسم الأديب والباحث السعودي حمود الصاهود كحالة دراسية استثنائية، وكمنظّر وممارس أسهم بشكل جلي في إعادة صياغة العلاقة بين الإنسان العربي المعاصر وتراثه الأدبي العريق.


وقبل الخوض في تفاصيل مسيرته، تجدر الإشارة إلى تعريف موجز به، هو حمود محمد الصاهود، من مواليد عام 1989، حاصل على بكالوريوس اللغة العربية من جامعة القصيم، وماجستير في الأدب والنقد من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية. عمل أستاذًا للغة العربية لعشر سنوات قبل أن يتفرغ لنشاطه الثقافي والأدبي، وهو حاليًا مؤسس ومدير شركة مفازة للإنتاج الإعلامي. وقبل أن يتحول هذا الشغف إلى محتوى إعلامي، كان اهتمام الصاهود بالأدب والثقافة والموروث الشعبي أمرًا شخصيًا بحتًا؛ فقد نشأ محبًا للمجالس الأدبية يستمع فيها ويقرأ ويحفظ، بدافع الحب لا الظهور. ولمّا قرر لاحقًا تقديم هذا المحتوى للناس، حرص على أن يقرّب الأدب والثقافة من الجمهور الواسع دون أن يفرّط في رصانة المعلومة أو يقع في تسطيح المعرفة.


إن تجربة حمود الصاهود لا يمكن اختزالها في مجرد كونه "صانع محتوى"، بل هي تجربة معرفية متكاملة تضرب بجذورها في أعماق التراث الشفهي والمجالس الأدبية القديمة، وتصعد بثبات نحو مأسسة العمل الثقافي من خلال تأسيس كيان إعلامي وهو شركة "مفازة" للإنتاج الإعلامي. وقد نال الصاهود جائزة صناعة المحتوى لعام ٢٠٢٦ المقدمة من إمارة منطقة القصيم، وعبّر عن شكره وتقديره لسمو أمير المنطقة على دعمه وتحفيزه لصناع المحتوى الهادف، قائلاً: «أتشرف وزملائي الفائزين بنيل جائزة صناعة المحتوى في نسختها الخامسة، وهي وسام نعتز به، ودافعٌ لمواصلة تقديم محتوى أصيل يعبّر عن تاريخنا وهويتنا، ويخدم وطننا بقيمه وثوابته، ويعزز الوعي والمعرفة في المجتمع.»


تكريم الصاهود من قبل أمير منطقة القصيم صاحب السمو الملكي الدكتور فيصل بن مشعل بن سعود بن عبدالعزيز آل سعود
تكريم الصاهود من قبل أمير منطقة القصيم صاحب السمو الملكي الدكتور فيصل بن مشعل بن سعود بن عبدالعزيز آل سعود

يهدف هذا التقرير البحثي المعمق والمطول لرصد وتحليل وتفكيك مسيرة حمود الصاهود، بدءاً من نشأته وبداياته وتكوينه المعرفي، مروراً بتجربته المحورية في بودكاست "أسمار"، وتحليلاً لظهوره الإعلامي كضيف في برامج بارزة، ووصولاً إلى ذروة نضجه المهني والمؤسسي في تأسيس شبكته الخاصة وما رافقها من شراكات استراتيجية ضخمة أحدثت صدى واسعاً في اقتصاديات الثقافة.


الجذور والتكوين الفكري: جدلية المجلس التقليدي والنسق الأكاديمي


لفهم البنية المعرفية التي يستند إليها الخطاب الأدبي لدى حمود الصاهود، يجب الرجوع إلى المنابع الأولى التي شكلت وجدانه وصقلت موهبته. لم تكن علاقة الصاهود بالأدب والشعر وليدة صدفة طارئة، أو نتاج قراءة مدرسية بحتة، بل كانت ثمرة بيئة حاضنة تفاعلت فيها الكلمة المنطوقة مع الذاكرة الحية.


نشأ حمود الصاهود في بيئة اجتماعية تُعلي من شأن الكلمة الموزونة وتحتفي بالشعر باعتباره ديواناً للعرب وسجلاً لمفاخرهم وقيمهم. لقد كانت "المجالس" التي ارتادها منذ نعومة أظافره، والتي تعتبر امتداداً تاريخياً واجتماعياً للمربد وعكاظ والمجالس الأندلسية، هي المدرسة الأولى التي تشرب منها حب اللغة. في هذه المجالس، لا يُقدم الشعر كنص مكتوب صامت، بل كحدث تفاعلي حي، يمتزج فيه الإلقاء بلغة الجسد، وتتفاعل فيه ردود أفعال الحاضرين مع القوافي. هذا التعرض المبكر والمكثف للتراث الشفهي، بشقيه الفصيح والنبطي، منح الصاهود ميزة استراتيجية في مسيرته اللاحقة، وهي إدراك "إيقاع" الكلمة، وفهم الوظيفة الاجتماعية للأدب. إن احتكاكه المباشر بالمجالس جعله يدرك أن الشعر ليس مجرد ترف فكري، بل هو وسيلة تواصل، وأداة لترسيخ القيم، وسلاح في معارك الحياة، وهو ما سيتجلى بوضوح في قدرته الفائقة على أسر مستمعي برامجه لاحقاً من خلال طريقة إلقائه التي تحمل دفء المجلس وحيويته. وإدراكاً منه لأهمية الصقل العلمي للموهبة الفطرية، اتخذ الصاهود قراراً استراتيجياً في مساره التعليمي باختيار التخصص الأكاديمي في علوم اللغة العربية، ولم يكن هذا الاختيار إلا حبًّا باللغة والأدب العربي على وجه أخص، فجاء تخصصاً "لأجل الأدب". هذا الجمع بين ثقافة "المجلس" العفوية والانضباط الأكاديمي أنتج شخصية قادرة على تذوق النص بقلب الشاعر وعين البدوي، وفي الوقت ذاته تمتلك الأدوات المنهجية لتفكيكه وشرح غريبه والوقوف على صوره البلاغية بدقة.


الانحياز الوجداني: مركزية الشعر الغزلي وأثر العباس بن الأحنف

في إطار تشكيل هويته الأدبية كمتذوق وناقد، كانت بوابة دخول الصاهود نحو الإعلام من خلال حلقة غزلية برز فيها اسم الشاعر العباسي العباس بن الأحنف كأحد أهم المؤثرات في ذائقة الصاهود. يُعد العباس بن الأحنف ظاهرة فريدة في الشعر العربي، فهو لم يتكسب بشعره، ولم يمدح الخلفاء طمعاً في العطايا، ولم يهاجِ أحداً، بل أوقف ديوانه كاملاً على الغزل الرقيق، وهو يمثل امتداداً راقياً لتيار الغزل العذري في العصر العباسي، حيث اتسم شعره بالرقة المتناهية، والعاطفة الصادقة، والابتعاد عن الإسفاف. إن إعجاب الصاهود بالعباس بن الأحنف وسر حبه له يعكس انحيازه للأدب الخالص، الأدب الذي ينبع من المعاناة الوجدانية الصادقة، والذي يلامس شغاف القلوب. هذا الميل إلى الرقة والعاطفة انسحب على طريقته في تقديم البرامج، حيث يختار النصوص التي تستفز عاطفة المستمع وتوقظ إنسانيته. قبل أسمار، كانت الانطلاقة الحقيقية لحمود الصاهود في بودكاست "جولان"، في حلقة تناولت سيرة الشاعر العباس بن الأحنف. حققت الحلقة انتشارًا واسعًا، وتصدّرت مقاطع منها منصة تيك توك بمشاهدات مليونية، وقدّمت الصاهود للجمهور كأديب جاد يمزج بين البحث والنقد والتحليل والمتعة. من رحم هذا النجاح وُلدت فكرة الانضمام لاحقًا إلى بودكاست "أسمار".


الانطلاقة الكبرى: بودكاست "أسمار" وإعادة إحياء ثقافة السمر العربي

لم تكن الانطلاقة الإعلامية الجماهيرية لحمود الصاهود حدثاً عابراً، بل تمثلت في مشروع معرفي ضخم أخذ اسم بودكاست "أسمار". استلهم البرنامج اسمه من كلمة "السمر"، وهو الحديث في ليالي الصحراء، وهي عادة عربية متأصلة ترتبط بالهدوء والتفكر وتداول الأشعار والقصص. كان بودكاست "أسمار" بمثابة المختبر الذي اختبر فيه الصاهود قدراته على المحاورة والسرد واستدامة الانتباه. قُدم البرنامج بجهود مشتركة مع نخبة من الزملاء والمحاورين، حيث ظهر الصاهود إلى جانب عبدالله العنزي وفيصل الشهراني، في تقديم حلقات اتسمت بالعمق والطول. بلغت تجربة الصاهود وزملائه في "أسمار" حجماً إنتاجياً لافتاً، حيث تم تسجيل ما يقارب 30 حلقة طويلة. هذا بخلاف المشاريع الأخرى التي ترافقت مع البرنامج. إن قدرة المحاور والمقدم على الاحتفاظ بانتباه المستمع لمدة ساعتين في قضايا تتعلق بالأدب القديم والتاريخ تعتبر إنجازاً سيكولوجياً وإعلامياً غير مسبوق في المشهد الرقمي المعاصر. تنوعت الحلقات لتشمل مسحاً بانورامياً للتراث العربي، ومن أبرز الحلقات والموضوعات التي تصدى لها البودكاست في هذه المرحلة:

  1. القصائد اليتيمة: خصص البرنامج وقفة مطولة مع ما يُعرف بـ "القصائد اليتيمة"، وهي تلك القصائد الخالدة التي صمدت في وجه الزمان وعبرت العصور رغم أن قائليها مغمورون أو لم يُعرف لهم شعر غيرها. بحثت الحلقة في أسرار شهرة هذه القصائد، وتتبع أخبار شعرائها، مستخرجين الشعر المكتنز بين طياتها، في محاولة لفهم جينوم الخلود الأدبي.

  2. الرقائق والمناجاة والابتهالات: لإثبات شمولية المشروع الثقافي، فتحت "أسمار" كتب التاريخ للبحث عن أجمل ما قيل في الرقائق، المناجاة، الزهد، والابتهالات. في هذه الحلقات، تخفف البرنامج من كل ما هو مادي ودنيوي، ليدخل بالمستمعين في أجواء روحانية عالية، تعكس التوق الإنساني للاتصال بالخالق، وتبرز كيف وظف العرب لغتهم العالية في التضرع والدعاء.

  3. الأدب الوطني والارتباط بالأرض: تجلى الحس الوطني العميق للصاهود وزملائه في قدرته على استحضار الشعر المعاصر الذي يتغنى بالوطن، مؤكدين الواجب الأخلاقي والوطني لكل من يعتز بوطنه بأن يفرح به ويدافع عنه بالقول والفعل.

  4. التفاعل مع الجمهور: إيمانًا بضرورة كسر الحاجز بين المثقف والجمهور، تم تخصيص حلقات حملت عنوان "أسمار سؤال وجواب"، حيث جلس الصاهود وزملاؤه لمسامرة الجمهور والإجابة عن أسئلتهم، مما عزز من ولاء المتابعين وخلق مجتمعاً ثقافياً متماسكاً.


نقطة التحول: الخروج من "أسمار" والمشروع الأكاديمي الحلم

في ذروة نجاح بودكاست "أسمار" وتألقه، اتخذ حمود الصاهود قرارًا مفاجئًا بالخروج من البرنامج؛ ما أثار آنذاك كثيرًا من التساؤلات في الأوساط الثقافية وبين المتابعين، وفتح باب الافتراضات حول وجود خلافات مهنية، إلا أن الصاهود نفى ذلك بشكل قاطع. أكد الصاهود في تصريحات لاحقة عدم وجود أي خلاف بينه وبين زملائه، واصفًا إياهم بقوله: "الشباب أخوياي"، ومبينًا أن علاقاتهم ما تزال قائمة في أبهى صورها بعيدًا عن أروقة العمل؛ إذ يتزاورون ويلتقون في مدن مختلفة، ومنها جدة، وتسود بينهم أجواء من الود والسماحة. وأوضح أن خروجه لم يكن رد فعل على موقف مفاجئ، بل جاء بعدما أحسّ أن تجربة أسمار قد "آتت أُكُلها" واستوفت غايتها. مع انتهاء هذه المرحلة، تفرغ الصاهود لمشاريعه الخاصة، من برامج ودراسات وتأسيس شركة "مفازة"، وصولًا إلى حلم أكبر يراوده منذ فترة: شرح "المعلقات" (السبع أو العشر) في قالب أكاديمي رصين، يراجعه متخصصون في الأدب القديم؛ ليكون مرجعًا موثّقًا يُقدّم للعالم، ويخدم الأجيال القادمة والمهتمين بحفظ هذا الإرث وفهم سياقاته.


الصاهود في عيون الأدباء

بعد أن أسس لنفسه مكانة كباحث ومقدم برامج، تحول حمود الصاهود نفسه إلى مادة للبحث والدراسة الاستقصائية الثقافية، حيث تلاقت أقلام عدد من المثقفين والأدباء على قراءة تجربة الصاهود من زوايا متقاربة، فلو بحثت بإسم حمود الصاهود في مواقع التواصل لايكاد يمر يوم إلا وهناك تدوينة عنه او مقطعاً أو إشارة لحضوره المتجدد. فقد رأى الإعلامي تركي الدخيل في حضوره صناعةً للمعروف، إذ يقدّم الشعر والأدب والقيم حضورًا ممتعًا في زمن السرعة والاختصار، ووثّق ما لقيه من تفاعل الجمهور، ومنه أمسيته في الجوف مطلع نوفمبر 2025 التي ازدحمت بالحاضرين. وتوقّف الكاتب صالح زمانان عند رفعة ما يختاره من محتوى وسموّ رسالته، وعند دماثة خُلُقه وحيائه وبُعده عن الصدام وكل ما يجرح، وعند نجاحه في مدّ جسر أنيق بين جيل اليوم وتراثه العربي. أما الكاتب علي المسعودي فقرأ انتشاره دليلًا على أن مكانة الشعر في النفوس باقية رغم موجات المحتوى الاستهلاكي، ورأى أن البودكاست كسر احتكار الإعلام التقليدي وأتاح لمشروع كهذا أن يصل إلى جمهوره مباشرة، وأشاد بحفظه للشعر العربي بعموده وعصوره الأولى وتمسّكه بلغة القرآن. وتتقاطع هذه الشهادات في أن حضور الصاهود أعاد للشعر والأدب مكانتهما عند جمهور اليوم.

صالح زمانان، علي المسعودي، تركي الدخيل


وفي مارس 2025، حل الصاهود ضيفاً على بودكاست "ذا قال" التابع لشبكة "ثمانية" ذائعة الصيت، والذي يقدمه الإعلامي خالد عون. لم يكن هذا اللقاء تقليدياً في استوديوهات مغلقة، بل اتسم بالحميمية والعمق، حيث شد فريق العمل رحاله إلى "مجلس الشاعر وديرته"، وتحديداً من وسط "مكتبة الصاهود" الشخصية. كانت الحلقة بعنوان "حمود الصاهود قبل الشهرة"، ومثلت وثيقة بيوغرافية لبداياته، حيث تحدث الصاهود بشفافية عن طفولته، وتأثير المجالس، وتفاصيل تخصصه. إن استضافة الصاهود في برنامج "ذا قال" تحمل دلالة رمزية كبيرة تؤكد أن الساحة الثقافية تنظر إليه "أيقونة" ثقافية بحد ذاتها، تصنع الحدث وتستحق التوثيق والتأريخ.




المأسسة وصناعة الثقافة: تأسيس شركة "مفازة" للإنتاج الإعلامي

بعد رحلة طويلة من صقل الذات، وتقديم البرامج ضمن منصات مختلفة، وامتلاك قاعدة جماهيرية صلبة، أدرك حمود الصاهود أن العمل الفردي المبعثر لا يمكن أن يحقق الاستدامة الاستراتيجية. من هذا المنطلق، قرر الانتقال من مربع "المثقف المستقل" إلى مربع "رائد الأعمال الثقافي"، وتُوّج هذا الانتقال بتأسيس شركة "مفازة" للإنتاج الإعلامي المرئي والمسموع، ليتولى الصاهود منصب المدير العام للشركة. عُرّفت "مفازة" بأنها شركة سعودية متخصصة في الإنتاج الإعلامي، تتخذ من الثقافة العربية منطلقاً لاختياراتها التحريرية، ومن التاريخ والموروث الشعبي فضاءً رحباً لإبداعها. إن اختيار اسم "مفازة"، الذي يحمل في جذوره اللغوية معنى الفوز والنجاة (وأيضاً يُطلق على الصحراء من باب التفاؤل بالنجاة منها)، يعكس ارتباط الشركة العميق بالبيئة العربية واللغة الفصحى. لم تمر انطلاقة "مفازة" دون أن تُحدث حراكاً في سوق الاستثمار الرأسمالي. فقد أثبتت الشركة أن المحتوى الثقافي الرصين، الذي يلامس العقول والوجدان، قادر على جذب رؤوس الأموال الضخمة.



تمثل هذا النجاح الاقتصادي في توقيع اتفاقية رعاية إعلامية استراتيجية مع شركة دار الماجد العقارية "الماجدية". شهد مقر شركة الماجدية في العاصمة الرياض مراسم توقيع هذه الاتفاقية بين الأستاذ معاذ عبد العزيز الخريف (مدير عام الأعمال التجارية في الماجدية) والأستاذ حمود الصاهود (المدير العام لشركة مفازة). وتتجاوز هذه الاتفاقية كونها مجرد دعم مالي، لتعكس تحولاً استراتيجياً في فهم الشركات الوطنية لمسؤوليتها الاجتماعية، وذلك لعدة أسباب:

  1. الاستثمار في الإنسان: صرح معاذ الخريف أن هذه الرعاية تجسد فلسفة الماجدية "حياة ملهمة"، وأن النظر للمشاريع العقارية كبيئات محفزة للإلهام يتكامل مع الاستثمار في العقل البشري والجوانب الفكرية والروحية للمجتمع.

  2. التوافق مع رؤية 2030: تأتي الشراكة ضمن مستهدفات رؤية المملكة 2030 الرامية إلى خلق أثر مجتمعي مستدام، ودعم المحتوى الرقمي الهادف الذي يعزز تلاحم المجتمع، والارتقاء بنمط الحياة اليومي، مما يرفع من مستوى الرفاهية العامة.

  3. ضخامة الإنتاج المشترك: بموجب الاتفاق، أصبحت الماجدية الراعي الرسمي لأربعة برامج بودكاست نوعية ، وهو رقم يعكس حجم الالتزام التشغيلي الضخم والثقة العميقة في قدرة "مفازة" على الإنجاز.

  4. رعاية محمصة شفل: وإلى جانب الماجدية كراعٍ رئيسي، نجحت مفازة في استقطاب رعاية تجارية من محمصة شفل Shovel، مما يؤكد اهتمام الشركات الراعية بجودة المحتوى ورؤيته، وتغلغل البودكاست الثقافي في نمط الحياة اليومي لجمهوره.


أثمرت الشراكات الاستراتيجية والجهد المؤسسي عن إطلاق شبكة برامجية متكاملة تحت مظلة "مفازة"، تغطي كافة جوانب التراث والأدب والفكر. اعتمد الصاهود في هذه الشبكة على رفيق دربه المحاور محمد الموينع ليشاركه في تقديم وبناء الحوارات. تتلخص الباقة البرامجية الحالية في:

  1. سُرى: يمثل البرنامج الرئيسي للأستاذ حمود الصاهود والموينع. جلسة ثقافية تجمع عمق التراث وذكاء الذائقة الحديثة، تنطلق من أسئلة الأدب الكبرى للتفتيش في النوادر والسرديات وصياغة تجربة وجدانية فريدة. .

  2. شبّة: يصحب المستمع إلى ميادين الفرسان ومواقف الرجال في التراث العربي والشعبي، مسلطاً الضوء على القيم الأصيلة.


تهدف «مفازة» كذلك إلى إنتاج برامج ثقافية تُجدّد في طرح الأدب وتقدّمه بمنظور مختلف، يقرّبه من جمهور اليوم دون أن يفرّط في رصانته. وتسعى إلى فتح المجال أمام أسماء جديدة تُثري الساحة الثقافية بأصواتها وتجاربها، وإلى دعم صنّاع المحتوى الأدبي، بما يمنح الأدب حضورًا أوسع ويصنع جيلًا جديدًا من المبدعين والمهتمين به. وبهذا لا تقتصر الشركة على تقديم محتوى أدبي، بل تعمل على بناء بيئة تتجدد فيها الأفكار ويتسع فيها الحضور الثقافي.


التحليل السردي والجمالي: كيف يقرأ حمود الصاهود التراث؟

تنبع جاذبية الصاهود في تقديم التراث من قدرته على تجاوز القراءة الجامدة للنصوص التاريخية والشعرية، والتعامل معها باعتبارها تجارب إنسانية نابضة بالمشاعر والمواقف. فهو لا يكتفي بسرد النص أو شرحه، إنما يعيد بناء مشاهده وتفاصيله، مستعينًا بلغة الجسد وتلوين النبرة والإيقاع؛ ليقرّب الحدث من المتلقي ويجعله أقرب إلى معايشته من مجرد الاستماع إليه. وتقوم طريقته في جوهرها على "مسرحة النص"، إذ ينقله من صفحات التراث إلى مشهد حي يصل الماضي بالحاضر.


1. الاستحضار النفسي والسيكولوجي لشخوص التاريخ

من الأمثلة الشاهدة على ذلك، سرده لقصة العفو التاريخية التي جرت بين الأمير الأموي إبراهيم بن سليمان بن عبدالملك، وهو هاربٌ في زمن الاضطرابات، وبين شابٍّ آواه في منزله وأكرمه دون أن يسأله عن اسمه. لاحظ إبراهيم أن مضيفه يخرج كل يوم ولا يعود إلا عند الظهيرة، فسأله عن السبب، فأخبره أنه يبحث عن قاتل أبيه. سأله إبراهيم عن اسمه واسم أبيه، فأدرك عندها أنه هو ذاته قاتل والد مضيفه. فصارحه بالحقيقة قائلاً: أنا بغيتك. يصف الصاهود ببراعة مسرحية كيف تغير لون الشاب واحمرّت عيناه من شدة الغضب والصدمة، وهو يجد نفسه محاصراً بين حقه المشروع في الثأر وبين مروءة الضيافة التي منحها لرجل لا يعرف حقيقته. لكنه، رغم ذلك، اختار العفو، وقال له: إني لست آمن عليك من نفسي، فابعد عني. إن هذه الطريقة في السرد تحيل النص التاريخي المكتوب إلى دراما أخلاقية تتفجر بالقيم، وتدفع المستمع للتأمل في قيمة العفو عند المقدرة حتى في أحلك اللحظات.


2. التقاط المفارقات البلاغية واللحظات العابرة

يمتلك الصاهود عدسة نقدية مكبرة تلتقط ألطف الصور البديعية في الشعر العباسي وغيرها من العصور. ففي إحدى قراءاته، يتوقف مطولاً عند قصة انكسار الكأس في حضرة أحد الأمراء بسبب صوت الرعد القوي. يصف الصاهود المشهد: أحضرت جارية حسناء قدحاً، وفجأة أبرقت السماء ولمع البرق ودوى الرعد، فارتعبت الجارية وسقطت الكأس من يدها وانكسرت، فتولاها الرعب من عقاب الأمير. هنا يتدخل الشاعر المعتمد بن عباد الحاضر في المجلس لإنقاذ الموقف ببديهة حاضرة وبلاغة مذهلة، فيرتجل أبياتاً يقول فيها: "رَوّعَها البَرْقُ وفي كفّها بَرْقٌ من القهوةِ لمّاعُ.. عجبتُ لها وهي شمسُ الضحى كيف من الأنوارِ ترتاعُ". يُشرح الصاهود للمستمعين كيف استطاع الشاعر ببراعة تامة "ترقيع الموقف" وتجميله؛ إذ وازن بلاغياً بين البرق السماوي المخيف، وبين البرق (اللمعان) المنبعث من الخمر (القهوة)، ثم أردف بتعجب بلاغي: كيف لهذه الجارية التي تشرق كشمس الضحى في جمالها، أن ترتاع وتخاف من النور (البرق)؟ إن هذا التحليل يكشف عن قدرة الصاهود على ربط الحدث الاجتماعي والمأزق النفسي (خوف الجارية) بالإبداع اللغوي اللحظي، مما يضفي متعة عقلية وجمالية على المستمع. كما أورد في سياق مقارب قصة الجارية التي ظللت الأمير من الشمس لتنقذه من أذى الأشعة أثناء القراءة، وكيف استلهم الشاعر ذلك قائلاً: "ظلّت تُظللني من الشمس.. نفسٌ أعزّ عليّ من نفسي.. وعجباً ومن عجبٍ شمسٌ تظللني من الشمسِ".


3. التوظيف الوجداني: من المديح النبوي إلى حب الأوطان

يتسم الخطاب الأدبي للصاهود بالتنوع، فهو لا يقف عند الغزل وقصص الأمراء، بل يتعداه إلى النصوص ذات الحمولات الروحانية والوطنية. فقد قدّم حلقات في الرقائق والزهديات والمدائح النبوية، وحلقات أخرى تناولت حب الوطن والانتماء إليه، كما شارك في برنامج خاص على MBC بمناسبة اليوم الوطني تحدث فيه عن الملك عبدالعزيز وصفاته، رابطًا إياها بصفات العرب الأصيلة وشعرهم.


استشراف الأثر: دور "مفازة" والصاهود في إعادة هندسة الوعي العربي

بناءً على التتبع الدقيق لمسيرة حمود الصاهود، من طفولته المترددة على المجالس وحتى وقوفه على قمة هرم الإدارة في "مفازة"، يمكن الخلوص إلى مجموعة من الاستنتاجات العميقة حول الأثر الاستراتيجي لهذا المشروع:


أولاً: دمقرطة المعرفة وتفكيك احتكار النخبة: ساهم الصاهود من خلال استخدامه للبودكاست في كسر الحواجز الأكاديمية الصارمة التي كانت تحيط بالتراث العربي. لقد تحولت علوم البديع، وشروح المعلقات الجاهلية، والقصائد اليتيمة، من مواد معقدة تُدرس في أروقة كليات الآداب فقط، إلى مادة حية وشائقة يستمع إليها الشباب أثناء قيادة سياراتهم أو في أوقات فراغهم. هذه "الدمقرطة" للمعرفة الأدبية تُعد إنجازاً سوسيولوجياً أعاد ربط الجيل الجديد بجذوره دون إشعاره بالتعالي أو التكلف.


ثانياً: التأسيس لـ "المجلس الرقمي": أثبتت تجارب برامج مثل "أسمار" و"سُرى" و"شبّة" أن العقلية العربية لا تزال مجبولة على حب التلقي السمعي، والميل إلى حكايات المجالس. لقد نجحت "مفازة" في خلق "مجلس رقمي" افتراضي متكامل، تتوفر فيه كل عناصر السمر القديم من هدوء، وحكمة، وشعر، لكن بأدوات القرن الحادي والعشرين البصرية والصوتية الاحترافية.


ثانياً: خلق اقتصاديات ثقافية مستدامة: يمثل نجاح اتفاقية "الماجدية" و"مفازة" نقطة انعطاف في اقتصاد الثقافة العربية. لعقود طويلة، عانى المثقف العربي من شح التمويل والاعتماد على المنح الحكومية المحدودة. اليوم، يثبت نموذج أعمال الصاهود أن المحتوى الأصيل والجذاب يمكن أن يكون منتجاً اقتصادياً مدراً للربح، وجاذباً للرعايات الاستراتيجية لشركات كبرى ترغب في ربط علاماتها التجارية بـ "الرقي الفكري" و"جودة الحياة" وصناعة الإنسان.


رابعاً: توظيف الأدب كحائط صد استراتيجي: في ظل العولمة الكاسحة وتلاشي الهويات، يقف مشروع الصاهود الثقافي (كما صرح في ندوة الشارقة) كحائط صد يعتمد على تعزيز المناعة الذاتية للمجتمع، وتشكيل هويته الفكرية. إن التركيز على قيم الوفاء بالعهد، ورباطة الجأش في "يوم الملاقى"، والتسامح عند المقدرة، هي محاولة جادة لإعادة تصدير المنظومة الأخلاقية العربية للمتلقي المعاصر ليتسلح بها في مواجهة عواصف الحياة التي لا تهدأ على مر العصور.


خاتمة التقرير

إن قراءة السيرة الفكرية والمهنية للأديب حمود الصاهود تمثل نافذة بانورامية نطل من خلالها على مستقبل الإعلام الثقافي في العالم العربي. لقد بدأ الصاهود رحلته كفتى يتشرب الشعر النبطي والفصيح في مجالس آبائه، ثم صقل هذه الموهبة بدراسة أكاديمية جادة، ليدخل في معركة نفسية بين قريحة المبدع وصرامة الناقد. حسم الصاهود هذه المعركة لصالحه عندما قرر أن يكون جسراً يعبر عليه التراث العربي العظيم نحو الأجيال الجديدة. من خلال بودكاست "أسمار"، أثبت قدرته على شد الانتباه لساعات طوال في زمن السرعة، ومن خلال استضافته في بودكاست "ذا قال"، أكد أنه أصبح رقماً صعباً يستحق الدراسة. وبمشاركته الفاعلة في المنصات الإقليمية الخليجية، أثبت أن خطابه يتجاوز الجغرافيا. غير أن التتويج الحقيقي لهذه المسيرة تجسد في انتقاله من العمل الفردي إلى الريادة المؤسسية بتأسيس شركة "مفازة" للإنتاج الإعلامي، وما واكبها من رعاية استراتيجية ضخمة من شركة "الماجدية" لتشغيل برامج نوعية تلبي مختلف الأذواق الفكرية والتراثية. لم يقم حمود الصاهود بإنشاء شركة إنتاج فحسب، بل أسس لمدرسة إعلامية جديدة تثبت أن الأصالة، إن قُدمت بأدوات العصر وبشغف حقيقي وتخطيط استراتيجي، قادرة على احتلال الصدارة في المشهد الرقمي، وقادرة على إعادة تشكيل الوجدان العربي وربطه بجذوره، لتظل تلك الجذور حية، ولتظل أرض الثقافة العربية ولّادة تُستعذب على كل حالة.



 
 
 

تعليقات


bottom of page