روايات من حائل
- فريق التحرير
- 30 نوفمبر 2025
- 24 دقيقة قراءة
حين تُروى المدن في الأدب، لا تعود كما كانت؛ تتحول من جغرافيا صامتة إلى كائن حي ينبض بالحكايات، تتجاوز طرقاتها وحدودها لتتسلل إلى الوجدان، وتُصبح رمزًا وذاكرة وهوية. في الخريطة الأدبية، لا نبحث عن الأماكن في النصوص بوصفها مسارح للأحداث فقط، بل نقرأها بوصفها شخوصًا تشارك في التكوين السردي، وتُؤثر في مصائر الأبطال كما لو كانت جزءًا من أقدارهم. تهدف هذه التقارير إلى تتبّع تمثيلات المدن والمناطق السعودية في الأدب، واستكشاف كيفية تجسيدها في الرواية، الشعر، القصة القصيرة، وأدب الرحلات. مع التركيز على الرواية بكونها ”ابنة المدينة“ كما وصفها النقاد بحكم أنها هي الجنس الأدبي الأقدر على تصوير المدن بكل تعقيداتها، بعكس الأجناس الأدبية الأخرى التي تكتفي غالبًا بالانطباع أو الرمز أو التجريد. فالرواية تمتلك من السعة الزمنية والامتداد المكاني ما يسمح بتفكيك تفاصيل المدينة، والتغلغل في شوارعها، وأحيائها، وتحولاتها الاجتماعية والاقتصادية والنفسية. ومن خلال شخصياتها المتعددة، ولسانها السردي الطويل، تستطيع الرواية أن ترصد التوترات بين القديم والحديث، بين المركز والهامش، بين ما يُقال وما يُخفى.
في كل تقرير، سنستعرض الأعمال الأدبية التي دارت في مدينة أو منطقة محددة، ونرصد أبرز سماتها من خلال الثيمات السردية، الخط الزمني، والتحولات الاجتماعية التي تعكسها، مع قراءة صورة المكان داخل النصوص. كما نسلّط الضوء على كتّاب تلك المدن، ممن استطاعوا أن ينقلوا تفاصيلها الثقافية والإنسانية إلى المشهد الأدبي السعودي والعربي. يوثق هذا التقرير:
45 إجمالي الروايات التي تناولت المكان الحائلي أو كتبها روائيون ينتمون إلى منطقة حائل.
12 رواية إحترافية صوّرت المكان والشخصية الحائلية بوضوح وعمق.
9 روايات كُتبت بين عامي 1980 - 2000 م وتعتبر تجارب مبكرة للرواية في حائل.
7 روايات أصدرها عبدالحفيظ الشمري اختلق فيها عوالم متخيلة ومدن رمزية.
3 عدد التجارب الروائية النسائية في حائل.
14 روايات أخرى لكّتاب من حائل تناولت مواضيع روائية مختلفة.
في هذه السلسلة، نبدأ من مدينة حائل، ليس فقط لأنها مدينة حاضرة بقوة في الوجدان السعودي، بل لأنها المدينة التي بادرت إلى إطلاق أول جائزة سعودية متخصصة في الرواية، عبر ناديها الأدبي الذي أعلن عن ”جائزة حائل للرواية السعودية“، في عام ٢٠١٠ ثم تحول إسمها إلى جائزة الأمير سعود بن عبدالمحسن للرواية بعد رعايته لها، وقد جاءت هذه الجائزة لتؤكد أن حائل ليست مجرد مدينة تُكتب، بل مدينة تُكرّم الرواية وتحتضنها، وتُراهن على السرد كمسار ثقافي مستقبلي أثبت روائيوها بعد ١٥ سنة من إطلاق الجائزة على تفوقهم وتميزهم وحصولهم على أعلى الجوائز. هذا التقرير تفاعلي، وقابل للتحديث المستمر، وسيتم إضافة أي تعديلات أو أعمال مستقبلية في "الملحق الإضافي" المخصص لذلك، لضمان توثيق جميع الملاحظات والمستجدات المرتبطة بروايات حائل ومبدعيها.
الأدب الحديث في حائل
شهدت حائل منذ بداياتها وعيًا مبكرًا بالأدب والمعرفة، مدعومًا بانتشار الكتاتيب والمكتبات الخاصة، والتي تجاوز عددها العشرين مكتبة في فترة ما قبل التعليم النظامي. أسهمت هذه الحواضن الثقافية في تشكيل جيل من العلماء والأدباء الذين اعتنوا بالمخطوطات ونسخ الكتب ووقفها، كما احتضنت المدينة نوادر المخطوطات، وبرز فيها وعي مبكر بحفظ التراث، ما مهّد لنشأة أدبية متينة. أحتضنت حائل أبرز أعلام الأدب والفكر والثقافة، مثل المؤرخ والأديب فهد المارك الذي عُرف بكتابه الشهير "من شيم العرب"، وفهد العلي العريفي الذي لُقّب بـ"الجبل الثالث" وشكّل رمزاً ثقافياً بكتاباته وعضويته في عدد من المؤسسات الأدبية. كما كان للأديب سعد العفنان دورٌ كبير في تأريخ المكان من خلال مؤلفه "حائل وعبقرية المكان" وأول من كتب الرواية في حائل، وبرز إلى جانبه عبدالرحمن السويداء وعبدالله البكر وغيرهم من الأسماء التي أضاءت المشهد المعرفي الحائلي. مع نهاية السبعينات وبداية الثمانينات، بدأت الحركة السردية في حائل تأخذ طابعها الواضح، فظهر جيل من الكتّاب في القصة والرواية سنتطرق لبعضهم في هذا التقرير، ولعبت المؤسسات الثقافية دورًا محوريًا في تنشيط الحراك الأدبي، مثل الجمعية العربية السعودية للثقافة والفنون بحائل التي تأسست عام 1412هـ، ونادي حائل الأدبي الذي تأسس عام 1415هـ، كما سجلت المرأة الحائلية حضوراً فاعلاً في المشهد الثقافي منذ البداية. ختامًا، فإن الأدب في حائل ليس نتاج أفراد فحسب، بل هو ثمرة منظومة ثقافية تكاملت فيها المؤسسات، والرموز، والجهود الفردية، لتجعل من حائل محطة أدبية ذات ثقل في الخريطة الثقافية السعودية.
روايات المكان الحائلي

رواية المزهاف - ٢٠٢٤
في روايته ”المزهاف“، يرسم الكاتب خليف الغالب ملامح قصة تدور في صحراء حائل عام 1921، حيث تتقاطع الذاكرة البدوية مع صراعات داخلية حادة بين الإنسان والمجتمع، بين الرغبة في النجاة والخوف من الانفصال. لا تطرح الرواية نفسها كحكاية مغامرة أو قصة حب تقليدية، بل كرحلة نفسية في أعماق الصحراء والذات. بطلا الرواية هما ”زبن“ و ”عُشبة“، أخ وأخت يعيشان على هامش الحياة، في ”قطين“ بدوي قرب الآبار، حيث تحكمهم العادات، ويطاردهم الخوف من ماضٍ مجهول. زبن شابٌ تضجّ روحه بالتمرد والانفتاح، لكنه يرزح تحت سلطة القبيلة والذاكرة، أما عشبة فتمثّل الصراع الصامت، بين واقعٍ لا يمنح النساء فرصة، وبين أحلام صغيرة تُقمع قبل أن تنطق. حائل في ”المزهاف“ ليست مجرد خلفية، بل “روحٌ تتنفس عبرالرمل”، حيث تُصوّر الرواية تفاصيل الحياة البدوية بكل ما فيها من صمتٍ وشجن: بيت الشعر، صوت الهِجيني، طقوس القهوة،ريح النفود، والنار التي لا تنطفئ. المكان هنا لا يؤثث الرواية فحسب، بل يصوغ مصير شخصياتها. الكاتب يوظف لغة شعرية واقعية في آن واحد، ينقل بها صوت الصحراء، ويجعل القارئ يشعر بخشونة الرمل تحت قدميه. ”المزهاف“ ليست مجرد اسم، بل حالة تقلّب البدو بين الاستقرار والترحال، بين الجذر والريح، بين الانتماء والهرب. تعتبر المزهاف من الروايات التي اضافت عمقًا أدبيًا إلى سرديات حائل.
رواية ج - ٢٠٢٤
”ج“ عمل روائي يلتقط تفاصيل الطفولة والذاكرة الجمعية في قرية صغيرة تشابه قرى حائل بالوصف والحوارات خلال فترة السبعينيات والثمانينيات تقريبًا. يقدّم عبدالله الزماي نصًا مدهشًا يعتمد على السرد التناوبي بين أخوين (محمد وعبدالله)، يرويان ذكرياتهما بلغة مشحونة بالنوستالجيا والصدق الطفولي. تحضر شخصية أبو فهد لاحقًا كشاهد ثالث يحاول لملمة الذكريات وترتيبها من منظور الناضج المتأمل. الرواية تنتمي إلى أدب الذاكرة الطفولية، وهي استبطان حميم لحياة القرى السعودية قبل الحداثة والانفتاح الكامل. تدور أحداث الرواية في قرية خيالية تسمى جيم، التي تمثل نموذجًا مصغرًا لحياة القرى الشمالية في السعودية. الثيمة المحورية هي الذاكرة والهوية. الرواية تستعرض كيف تُبنى الذكريات الشخصية داخل الطفولة الجمعية، وكيف تتشابك الذكريات الفردية مع تاريخ الجماعة الصغيرة. تطرح الرواية أيضًا فكرة أن الذكريات نفسها قد تكون خادعة أو مختلقة مع مرور الزمن، وتناقش علاقتها بالمستقبل: كيف يعيد الإنسان تشكيل ماضيه حسب مسار حياته اللاحق؟ ثيمات فرعية تشمل: الطفولة، الأخوة، الألعاب البسيطة، سلطة المجتمع، الخوف من الفقد، بناء الشخصية تحت أنظار القرية المحافظة. الرواية تستلهم في روحها مقولات أدب الذاكرة العالمي (مثل ماركيز وطه حسين)، لكنها تقدم خصوصية محلية جدًا في الموضوع والأسلوب.
رواية دموع الرمل - ٢٠٢٣
تُعد رواية ”دموع الرمل“ للكاتب السعودي شتيوي الغيثي من أجمل الأعمال السردية التي تناولت منطقة حائل في مطلع القرن العشرين وتحديدًا في عام ١٩٠٧ م. تجمع الرواية بين العمق التاريخي والبُعد الإنساني، مستحضرةً ملامح الحياة البدوية بكل ما تحمله من قسوة وجمال، من خلال شخصية “نويّر” التي تمثل ذاكرة الصحراء، وصوت الحكاية، ومرآة الفقد. بأسلوب سردي شعري يمزج بين الواقعية والرمزية، تسلط الرواية الضوء على التحولات السياسية والاجتماعية التي مرّت بها الجزيرة العربية آنذاك، كما تعكس التوتر القائم بين التقاليد الصارمة وحسّ الفرد الوجودي. وتأتي منطقة حائل في الرواية ليس كمجرد خلفية مكانية، بل كحاضنة روحية وزمنية، يتشكّل فيها وعي الشخصيات، وتُكتب على رمالها تفاصيل مصيرهم. حازت الرواية في عام ٢٠٢٥ على جائزة القلم الذهبي لأفضل رواية تاريخية، لما تتمتع به من قوة في المعالجة، وصدق في التصوير، وجمال في اللغة. وقد اعتُبرت من قبل كثير من النقاد عملاً نوعيًا في الأدب السعودي الحديث، وواحدة من أبرز الروايات التي أعادت رسم صورة حائل التاريخية بأسلوب أدبي رفيع. تفردت الرواية بتقديم صحراء حائل لا كأرض هامدة، بل ككائن حي يشارك في صنع المصير الإنساني. كما قدمت الرواية شخصية "نوير" نفسها بالهوية الحائلية – المرأة الصحراوية القوية، العنيفة الحنون في آنٍ معًا.
رواية أول القرى - ٢٠٢٣
في روايته ”أول القرى“، يعود الكاتب جبير المليحان إلى الشمال، لا بوصفه جغرافيا فحسب، بل بوصفه ذاكرة حيّة تتقاطع فيها الحكايات والأساطير والمعارك وأصوات الزعماء. وفي قلب هذا السرد، يقف بشير، الراوي، لا ليحكي فقط، بل ليفسّر، ويشهد، ويستحضر أرواح المكان في مشاهد تتنقل بين الواقعي والمتخيل، بين الماضي الذي لا يموت والحاضر الذي يتشكل من رماده. بشير ليس راوياً محايدًا. إنه من أهل القرية، ابن من أبنائها، رجل حفر في الذاكرة الجمعية، وعاد لينسجها على شكل حكاية ممتدة،تفيض بالأحداث والرموز والتأملات. في مقاطع كثيرة، يبدو كما لو أنه يسرد سيرة المكان أكثر من سيرة الأشخاص. الزمن الروائي يمتد لأكثر من قرنين من الزمان، تبدأ فيه الأحداث في قرية شمالية متخيلة تقع في بيئة تشبه حائل في بدايات القرن التاسع عشر تقريبًا، وتتابع تحولات القرية عبر الأجيال، مرورًا بصراعات النفوذ، وتغير البنية الاجتماعية، وتحولات الزعامة، وموت القيم التقليدية، وصولًا إلى نهايات القرن العشرين. على الرغم من أن الرواية لا تذكر ”حائل“ بالاسم، إلا أن المكان واضح، نابض، ومتجذر في الثقافة الشفهية والبيئة البدوية والزراعية التي ينتمي إليها الكاتب جبير المليحان.
رواية عقدة الحدار - ٢٠١٩
رواية ”عقدة الحدار“ عمل سردي يتوغّل في روح البادية وقيمها الخالدة، كاشفًا عن شغف الإنسان البدوي بالترحال والمغامرة. يعتمد خليف الغالب على تقنية السرد داخل السرد؛ إذ يجد الراوي الحديث مخطوطة قديمة تحكي سيرة الشاب البدوي "مطلق"، ليعود بنا النص إلى عام ١٧٩٨ م ويغوص في تفاصيل الحياة الصحراوية. الرواية تمثل نموذجًا للأدب الذي يمزج التراث الشفهي بالحس الروائي الحديث. تبدأ أحداث الرواية في الصحراء الممتدة بين حائل والنجف وتحديداً على طريق القوافل نحو العراق عبر درب زبيدة. لقد نجح خليف الغالب في رسم بيئة بدوية شمالية صافية وجعل المكان جزءًا حيويًا من نسيج الرواية، فيعيش القارئ في الاودية والحزوم والتلاع مع كل مشهد سواء في لينه، زبالا او الجميماء او في المتاييه، ديار مطلق وقبيلته. ركّز الكاتب على تطور شخصية مطلق من مراهق متمرد إلى رجل ناضج، مع بروز شخصيات مثل الأم ورفاق القافلة او الراوي الذين أضفوا بعدًا إنسانيًا للحكاية. عقدة الحدار ترمز إلى شغف عميق بالحرية والترحال. الرواية تصور صراعًا داخليًا بين رغبة الجيل الشاب في المغامرة وبين حكمة الجيل الأكبر المتمثل بالأم الحريصة على سلامة ابنها. الحرية، الخروج إلى المجهول، مجابهة الطبيعة، والصراع مع السلطة الجائرة، كلها تتداخل لصنع رحلة وجودية عبر الصحراء.
رواية أبناء الأدهم - ٢٠١٦
في روايته الأولى ”أبناء الأدهم“ ، يقدّم الكاتب الحائلي جبير المليحان عملاً سرديًا فريدًا يتقاطع فيه التراث الشعبي بالحس الأسطوري، والواقعية السحرية بالبعد الاجتماعي، لتخرج الرواية كوثيقة أدبية تحاول إعادة تشكيل ذاكرة حائل، من خلال استلهام الحكايات الشعبية، والاشتغال على تأويلها بمنظور حديث. حصلت الرواية على جائزة الكتاب بوزارة الثقافة والإعلام السعودية ٢٠١٧ في فرع الرواية. تستند الرواية إلى حكاية الحب الشعبية بين جبلَي أجا وسلمى، المرتبطين بأسطورة الحب والموت، لكنها لا تكتفي بالسرد المتوارث، بل تعيد إنتاجه داخل بنية سردية خصبة، تدمج بين حياة البداوة والحاضرة، بين القرى المتناثرة والأودية المجهولة، بين النخيل والإبل، والغزو والزراعة. حائل في الرواية ليست مسرحًا خاملاً، بل هي التي تملي على الشخصيات أدوارها، وتُنتج سياقاتها الأخلاقية والاجتماعية. الرواية تسكن بين أجا وسلمى، وبين الحكاية والحلم، وتُضيء عبر أسلوب جبير المليحان الساحر مشاهد مترفة بالحس، مشبعة بجماليات اللغة، وثراء التصوير، حيث يتحوّل المشهد الطبيعي إلى كائن حيّ يتنفس مع الشخصيات.
رواية عيال الحدريين - صدرت في جزئين، عام ٢٠١٠ و ٢٠١٣
في رواية ”عيال الحدريين“، يخوض الكاتب صالح العديلي تجربة روائية قريبة من السيرة الذاتية، لكنها تتجاوزها نحو رسم بانوراما شعبية لأحياء حائل القديمة، تحديدًا حي “حدري البلاد” الذي كان يسكن ضفاف وادي الأديرع. الرواية، بجزأيها، تُشكّل سردية طويلة تُوثق الحياة اليومية لعائلة حائلية من منتصف القرن العشرين حتى بداية الألفية. الرواية تقدّم حائل كما عرفها أهلها، لا كما تُرى من الخارج. لا تعتمد الرواية على الحبكة التقليدية، بل تسير في تدفق سردي حميمي، تسجّل فيه الذاكرة تفاصيل الحارات، المدارس، الرفاق، الروائح، الألعاب، المناسبات، وحتى تغير أسماء الشوارع. شخصيات الرواية تنمو ببطء كما تنمو الحارات، وتتغير كما يتغير المجتمع، فـ ”سالم“ وأبناؤه هم مرآة لأبناء حائل البسطاء، الذين كبروا بين الوادي والشارع والمسجد والمزرعة، وتشكّلت شخصياتهم من طين البيوت، ولهجة الجدات، وضحكة الجيران. حائل في الرواية ليست مجرد مكان، بل بطل متكامل، حاضر في الذاكرة، في اللغة، في أسماء الأحياء، في الحنين العميق إلى زمنٍ كان بسيطًا لكنه مليئًا بالمعنى. كتب العديلي روايته بلهجة حائل، وبفصحى ممزوجة بحب صادق للمكان، محاولًا أن يحفظ لحائل صورتها التي محاها الإسفلت والمولات والمحلات.
رواية شغف شمالي - ٢٠٠٩
في رواية ”شغف شمالي“ للكاتب فارس الهمزاني، نقرأ واحدة من أكثر المحاولات السردية جرأة في تمثيل الشخصية الحائلية حين تُقذف في دوامة مجتمعية مغايرة، بين التقاليد والانفتاح، بين البساطة والترف، وبين الانتماء والانفصال. تمثل الرواية بامتياز خريطة وجدانية لرجل الشمال عندما تتقاطع ملامحه القيمية مع عوالم المدن الكبرى والعواصم. حائل في هذه الرواية ليست مكانًا جغرافيًا، بل تمثيل للفضيلة المفقودة، و”الشمال” ليس مجرد جهة، بل رمزٌ لبراءة مبعثرة، وشخصية ”حمد“ تسير على حافة السؤال الكبير: هل يمكن للإنسان أن يصمد أمام طوفان الهويات المفروضة؟ أم أن ”الشغف الشمالي“ وحده لا يكفي حين تهاجمك المدن من الداخل. تدور القصة حول حمد المرزوق، الشاب القادم من شمال السعودية، وتحديدًا من البيئة الحائلية بما تحمله من تقاليد الرجولة والكرم والصلابة، حين يجد نفسه في مواجهة مجتمع مخملي غارق في اللهو والسلطة المادية. بين ”حمد“ و”سارة“، الفتاة الثريّة المتحكمة، يتشكّل خط درامي تصادمي يعكس صراع الهوية في صورته الأشد قسوة حين تتحوّل الهوية إلى عبء، والانتماء إلى سخرية، والمبادئ إلى هشيم في وجه السطوة والعبث.
رواية عرس المزيونة - ٢٠٠٨
في رواية ”عرس المزيونة“ ، يستكمل الكاتب صالح العديلي مشروعه السردي في توثيق الحياة الحائلية القديمة، وهذه المرة من نافذة مختلفة: نافذة الأنثى المهمشة، والقرية التي تقف على حافة التغيير، والتقاليد التي تتآكل بصمت دون أن تنهار تمامًا. الرواية ليست عن عرسٍ فعليّ، بل عن ما يُقال في العرس، وما لا يُقال، عن الصوت الذي يكاد يُسمع ولا يُسمح له بالكلام. تدور أحداث الرواية في إحدى القرى الحائلية خلال النصف الثاني من القرن العشرين، في فترة ما قبل الطفرة الاقتصادية، وتستعرض من خلال شخصية ”المزيونة“ – الفتاة الجميلة المحبوبة – حياة المجتمع القروي من زواياه الإنسانية والاجتماعية والعاطفية. المزيونة ليست بطلة تقليدية، بل رمزٌ لجمالٍ تُحاصره الأعراف، وتُقيّده اللغة، وتترصده العيون، في ظل مجتمع يتحدث عنها أكثر مما يستمع لها. الرواية مكتوبة بأسلوب سردي حميمي، مشبع بالتفاصيل اليومية: المواسم، العلاقات، الأعراس، الحكايات التي تُروى على ضوء السراج. صالح العديلي لا يصوّر الحدث بل يصوّر الإحساس به، فيخلق جواً من الحنين الدافئ والمراقبة الهادئة لما يحدث تحت السطح. ”عرس المزيونة“ ليست فقط عن عرس لم يُتم، بل عن الحكايات التي تتكسّر قبل أن تتحقق.
رواية حمى قفار - ٢٠٠٣
في رواية ”حمّى قفار“، يعيد الكاتب علي الحبرُدي تشكيل ذاكرة مكان اختفى، لكنه لا يزال حيًا في وجدان الناس. الرواية تنبع من أسطورة محلية حقيقية، وقعت في قرية قفار الواقعة جنوب حائل، حين ضربها وباء غامض قبل أكثر من قرن، فمحا ملامحها، وتركها أثرًا بعد عين. لكنها في هذه الرواية، تتحوّل إلى كائن روائي مسكون بالأسئلة والخراب والحنين. ينقلنا الكاتب إلى عام ١٢٨٨ هـ في رواية تمزج بين الواقع الشعبي والأسطورة، بين الوثيقة الشفوية والتخييل الأدبي. يستفتح الراوي حكايته من قلب الصحراء، في رحلة قنص عابرة، لكنها تتحوّل إلى استرجاع مؤلم لحكاية قفار: كيف سقطت، وماذا حل بأهلها، وكيف تشكّل هذا ”الفراغ“ على خريطة المنطقة، فراغ ليس جغرافيًا فقط، بل إنسانيًا ومفاهيميًا. تتخذ الرواية من قفار رمزًا للزمن المسكوت عنه، ومن الوباء استعارةً لكل ما يُفني المجتمعات بصمت: الجهل، الخوف، الغيب، وحتى الاستبداد. لكنها في الوقت نفسه لا تنقل الماضي بل تعيد كتابته، بحسّ شاعري حزين، وبنبرة توثيقية توازي العمل الروائي بالعمل الميداني في الحكاية. قرية قفار في ذلك الوقت كانت بعيدة عن حائل ولكنها اليوم أصبحت احد احيائها.
رواية الأديرع - ٢٠٠٢
في رواية ”الأديرع“، يسجّل الكاتب صالح العديلي أولى محاولاته الروائية لتوثيق الذاكرة الحائلية من خلال عمل سردي قائم على التفاصيل اليومية والحكايات الشعبية والعلاقات الإنسانية التي تنشأ في الأحياء القديمة المحيطة بـوادي الأديرع، الشريان الطبيعي الذي لطالما كان جزءًا من وجدان المدينة وتاريخها. إذ يستعيد الكاتب فيها سنوات الطفولة والشباب، مصوّرًا حائل كما كانت في خمسينات وستينات القرن الماضي كمدينة صغيرة،تتنفس بهدوء بين الجبال والوادي، وتنمو على مهل وسط التقاليد والبساطة والتعايش. لا تبحث الرواية عن الصدمة، بل تُراهن على الصدق والحنين ودفء التفاصيل. الأديرع – الوادي الذي يحمل الرواية عنوانه – هو رمز لكل ما هو ثابت وسط عالم يتغير. كل الشخصيات التي يكتبها العديلي تدور حول هذا الوادي، كأنها تدور حول قلبٍ حي، يربط بينها، ويمنحها هوية وانتماء. لغة الرواية بسيطة، لكنها شديدة الصدق، كأنها تُكتب بصوت الجدّ الذي يروي حكايته في ليلةٍ هادئة. إنها رواية تحاول أن تقول التحول يبدأ من أول نظرة حب، ومن أول غيابٍ لا يُفهم.
رواية فتاة من حائل - ١٩٨٠
في رواية ”فتاة من حائل“، التي كتبها الدكتور محمد عبده يماني، لاتظهر مدينة حائل كخلفية صامتة، بل ككيان ثقافي واجتماعي يواجه المدينة الحديثة بنديّةٍ رصينة. تُعد الرواية من أوائل الأعمال الأدبية التي جسّدت حائل في الأدب الروائي، عبر قصة حب تنمو بين ”هشام“، الشاب المكي الذي يعمل ضابطاً في حائل ويتزوج من ”هيا“ ابنة حائل. تدور الرواية في زمن ”الطفرة“ والتحولات الاجتماعية والثقافية في المملكة. الرواية لا تستعرض صراعات كبرى، بل تبني حبكتها على الفروقات العميقة بين البيئتين والشخصيتين: هشام ابن مدينة مكة، ذات الإيقاع المدني المتسارع، وهيا الفتاة الحائلية التي تؤثر فيها طبيعة مدينتها الريفية المتزنة. هيا في الرواية ليست شخصية نمطية، بل امرأة ذكية، متمسكة بقيمها، تنفتح على الحب بتأنٍ وكرامة. في هذا العمل، يقدّم يماني صورة شاعرية عن حائل ويرسمها كمدينة تحتضن الحب الصادق والبساطة النبيلة. وتُعالج الرواية بتدرّج سردي أنيق قضايا التفاهم بين البيئات، والاحترام المتبادل بين القيم المختلفة، حيث تنفتح حائل من خلال الحب على الآخر، دون أن تتنازل عن هويتها. زمن الرواية يقع في بداية الطفرة الاقتصادية، وفي خضم الانفتاح التدريجي على التعليم والعمل والتواصل بين مناطق المملكة.
عبدالحفيظ الشمري: روايات من عالم خيالي
وُلِد الروائي عبدالحفيظ بن عبدالله الشمري في مدينة حائل، ونجح عبر مسيرته الأدبية في تقديم أعمالٍ سردية تستحق أن تُفرد لها صفحات خاصة ضمن تاريخ الرواية السعودية. لم يكتف الشمري بتوثيق التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي عصفت بالمكان، بل ابتكر عالماً روائياً خيالياً مفعماً برصد معاناة الإنسان البسيط، وصراع البداوة مع الحداثة، والأحلام التي تذوي تحت ركام التحولات القاسية. قدم روايات مكتملة فنياً تستحق التوقف عندها، حيث تتجلى قدرته الفريدة على مزج الواقع بالحلم، والحزن بالأمل، بلغة تنبض بحس إنساني عميق وتلامس جوهر التحولات في المكان والإنسان. خصصنا هذه الصفحة للإحتفاء بمسيرة عبدالحفيظ الشمري والتركيز على رواياته وهي:
رواية فيضة الرعد - ٢٠٠١
في روايته ”فيضة الرعد“، يكتب عبدالحفيظ الشمري سيرة مكانٍ خفيّ وصادم، وسيرة امرأة منكفئة على سريرها، لا تقوى على النهوض، لكنها تمسك بزمام السرد كما لو أنها آخر من بقي ليحكي. الرواية، التي تتنقّل بين قرى تحمل أسماءً رمزية كـ”البقاع“ و”فيضة الرعد“، لا تذكر مدينة حائل صراحة، لكنّها تفوح بروحها، بجغرافيتها، ولهجتها، ووعيها الجمعي، وقراها القريبة من الأطراف. بطلتها ”غزالة“، امرأة أربعينية مشلولة، تسترجع ماضيها المؤلم على فراش المرض، في محاولة أخيرة للإفلات من الصمت. تُروى الحكاية من نهايتها، حين تكون الحياة قد انهارت، والأمل قد انطفأ، لكنّ السرد يعيد بناء تفاصيل السقوط: من زفافها في قرية ”البقاع“، إلى انتقالها إلى ”فيضة الرعد“، حيث تواجه كل أشكال الإقصاء، والخذلان، والطغيان، ممثلاً في شخصية “حدران الكيس”، الرمز الذكوري للسلطة الفاسدة والمجتمع المقهور. ”فيضة الرعد“، على الرغم من كونها لا تُسمي حائل، إلا أنها تنتمي إليها بكل تفاصيلها، في الجبال والفياض، والقرى النائية، واللهجة، وأسماء الشخصيات، وطبقات المجتمع. هي رواية عن المكان المغيَّب والمرأة المكسورة، عن محاولة استعادة الذاكرة وسط ركام الصمت.
رواية جرف الخفايا - ٢٠٠٤
تُعد رواية ”جرف الخفايا“ إحدى تجليات العالم الخيالي الذي بناه عبدالحفيظ الشمري، ذلك العالم الذي لا يكتفي بتصوير الواقع بل يتسلل إلى أعماق المسكوت عنه، ليكشف ما خفي تحت سطح المدينة وحياتها الرمادية. في هذا العمل، يبتدع الشمري مدينة مأزومة بالفضيلة القسرية، يملأها الخوف والرقابة والازدواجية، ويمنح شخصياته قدرة رمزية على التمرد والغياب. جرف الخفايا تحكي عن مدينة قاسية غامضة يعيش أهلها في خفاء وخوف دائم. في قلب هذه المدينة تختفي شخصية مهمة اسمها صقر المعنّى، شاعر وعازف محبوب بين مجموعة من التائهون من المبدعين المثقفين والعازفين والفنانين الذين يجتمعون في شقة سرية تُعرف باسم عرين السباع. اختفاء صقر يشعل المدينة. أصدقاؤه يعلقون صوره في الشوارع ويبحثون عنه بجنون، لكن بحثهم يكشف قسوة النظام الاجتماعي والرقابة الشديدة. عبر جرف الخفايا، لا يكتفي الراوي برصد يوميات التهميش بل يُجري تفكيكًا جريئًا لبنية المجتمع المغلقة. الرواية تزخر بتأملات فلسفية وتساؤلات كبرى حول الكرامة والهوية والخلاص، وتؤكد أن ما يبدو ساكنًا في ظاهر المدينة، إنما يحركه تمرد داخلي عميق، جعل من هذا النص واحدًا من أبرز نماذج أدب الخفاء في الرواية السعودية الحديثة.
رواية غميس الجوع - ٢٠٠٨
رواية غميس الجوع تقدم رؤية رثائية لتحولات الصحراء وقيمها الأصيلة. يصور عبدالحفيظ الشمري التبدلات العميقة التي أصابت الحماد، أحد رموز الطهر والنقاء في الذاكرة الصحراوية، في مواجهة زحف المدنية ومغرياتها. عبر شخصية الراعي "عتيق معقول الدهيني"، يسرد الكاتب قصة مقاومة إنسان الصحراء لتحولات قاسية دمرت المكان والإنسان معًا. غميس الجوع تحكي عن انكسار الصحراء أمام سطوة المدينة. الأرض الطاهرة، بكثبانها وآبارها ونقوشها القديمة، تتحول إلى فضاء مستباح للعهر، التجارة غير المشروعة، والفساد. الصراع قائم بين الصحراء كرمز للسكينة والحرية وبين المدينة كمصدر للانهيار القيمي والانحطاط. الدهيني، الراعي الحالم، يقف في مواجهة هذا السقوط محاولاً التشبث بما تبقى من براءة الأرض. الرواية مليئة بالتفاصيل التي ترصد فقدان الطقوس القديمة، انتهاء قدسية المطر، انقراض السباع، وامتهان النقوش التاريخية، مما يعمق صورة الصحراء التي تودع براءتها. الرواية تسير في خط دائري؛ ذات لغة شاعرية حزينة، مشبعة بالصور والاستعارات الصحراوية، تعكس السقوط التدريجي لقيم البداوة أمام إغراءات العصر. تبدأ بالحزن على فقدان النقاء، وتنتهي بموت الدهيني، رمزًا لموت الصحراء نفسها.
رواية القانوط - ٢٠٠٩
تدور رواية "القانوط" لعبدالحفيظ الشمري حول سعد الحبي، شاب يعاني من مرض الصرع، يعيش في مدينة خيالية تُدعى "المكحول"، مدينة تتسم بالقمع، والازدواجية، والخوف المقموع. في هذه المدينة المريضة، يظهر "القانوط" كشخصية رمزية تمثل الاستسلام واليأس، يجثم على صدور الناس ويخنق حريتهم وأحلامهم. يصارع سعد مرضه "فراس" (اسم أطلقه على الصرع) في الوقت نفسه الذي يقاوم فيه قهر المدينة والقوانين العرفية التي تحكم كل شيء. يعيش سعد علاقة حب متعبة مع زوجته "العذراء"، ويحاول التمسك بحلمه الصغير في كرامة وإنسانية وسط عالم متهالك. تتوالى على سعد النكبات منها استقالته من وظيفته في "مصلحة القانون" كمحاولة لتحرير نفسه، ثم لجؤه إلى "نزل البتلاء"، المكان الوحيد الذي يختبئ فيه مع أصدقائه الباحثين عن فسحة حرية. مع ذلك، ظل القانوط يطارده، ويتجسد له كخصمٍ دائم يذكّره بالهزيمة والانكسار. في نهاية الرواية، يخطط سعد للانتقام من "القانوط"، لكنه ينهار قبل تنفيذ خطته بسبب نوبة صرع عنيفة. يموت سعد في حادث سيارة درامي أثناء محاولته الهروب والانتصار، تاركًا خلفه مشهدًا قاسيًا: الإنسان يرحل، واليأس يبقى.
رواية شام .. يام - ٢٠١٠
تدور الرواية حول شخصيتين رئيسيتين، الاولى هي شام وهو شاب يحب المال إلى حد الاستذلال، يعمل عند "شيهانة الوكر"، ويُظهر طمعًا يدفعه إلى فقدان كرامته في سبيل الحصول على المال. الشخصية الثانية هي يام وهو شاب آخر أكثر نقاءً وعفافًا، ينجو بنفسه من دسائس المدينة ويعود إلى الجنوب الذي جاء منه، محافظًا على مبادئه وأخلاقه. الرواية تقارن بين عالمين متناقضين، عالم الطمع والاستذلال الذي يمثله شام، وعالم البراءة والنجاة الذي يمثله يام. تتسم القصة بتصاعد التشويق والمفاجآت غير المتوقعة، وتوظف الكنايات والاستعارات بذكاء لتجنب التصريح المباشر ببعض القضايا الحساسة. رغم ذلك، عبر حكاية مليئة بالمفاجآت والكنايات الرمزية، يقارن الكاتب بين عالم الطمع والانحراف وعالم النقاء والنجاة، مقدمًا نقدًا مبطنًا للمجتمع وتحولاته، مستخدمًا لغة شاعرية موحية رغم بعض المآخذ على الإطالة والتقريرية المباشرة في مواضع قليلة، لتبقى الرواية شهادة على جدلية الصراع بين القيم والمغريات في زمن التغير. في النهاية، تقدم "شام.. يام" حكاية أخلاقية عن صراع القيم داخل بيئة يغريها المال والمظاهر، وتُظهر كيف أن التمسك بالمبادئ يمنح الخلاص حتى في أحلك الظروف.
رواية نسيج الفاقة - ٢٠١٢
رواية ”نسيج الفاقة“ لعبدالحفيظ الشمري هي واحدة من أبرز محطات عالمه الروائي المتخيل، حيث يغوص في قاع المجتمع السعودي قبل اكتشاف النفط، ليكشف ببراعة معمار السرد القائم على الفضاء المكاني الضيق في ”مدينة العيناء“، والشخصيات المأسورة بالفاقة والحرمان. من خلال شخصية عصيفير بن عويد الريحان، الذي ورث عن آبائه وأجداده مهنة التسول. ترسم الرواية لوحة قاتمة عن الاستجداء، والتفكك الأسري، والانحدار الأخلاقي، في ظل بحث مستمر عن الخلاص الذي لا يأتي، بينما تتطور الشخصيات الأخرى كزوجته الغال، وابنه طاهر، في مسارات تنتهي بالمأساة والدم. بحبكة متماسكة وفصول معنونة بدلالات غنية، يفضح الشمري العلاقات الاجتماعية المختلة، ويجعل من الرواية مرآة ناقدة للفقر والتطرف والفساد، مؤكداً أن من رحم الألم يولد الأمل، ومن فضاء الطموح ينهض التغيير. إنها عمل يستحق أن يُدرج ضمن أهم محطات الرواية السعودية التي التقطت تفاصيل الهامش الاجتماعي، وقدّمتها بلغة سردية ناضجة وواعية. يبرع الشمري في تحويل تفاصيل الهامش إلى صوت روائي نابض، يمزج الواقعي بالرمزي ليمنح الشخصيات عمقًا إنسانيًا مؤلمًا. وهكذا تتحول نسيج الفاقة إلى شهادة فنية على زمن الانكسار وشوق مستتر للكرامة والخلاص.
رواية سهو - ٢٠١٣
رواية ”سهو“ لعبدالحفيظ الشمري ترصد بعمق مأساة الإنسان المهمش الذي ينزح عن موطنه بحثًا عن حياة أفضل، لكنها تتحول إلى رحلة استنزاف طويلة. عبر شخصية "سهو"، الذي يقضي قرابة ثلاثة عقود في العاصمة دون أن يحقق أحلامه أو يظفر بشيء سوى الخيبة وقبض الريح، تُعد رواية «سهو» آخر رواية كتبها عبدالحفيظ الشمري ، وغاص فيها بعمق في جدلية العلاقة بين الإنسان وظروفه. يصور الشمري كيف تجهض المدن الكبرى آمال البسطاء، محولًا معاناتهم إلى مزيج من الصراع، الانكسار، والتطرف في التشبث بالذات، حتى تفضي بهم إلى نهايات أليمة، مؤكدًا أن حلم الخلاص كثيرًا ما يتحول إلى فخ قاسٍ يستهلك الإنسان ماديًا ومعنويًا. تبرع الرواية في تقديم شخوصها بواقعية قاسية، تجعل من تجربة «سهو» وأسرته مرآة تعكس هشاشة الحلم في مواجهة صلابة المدن الكبرى، فيتحول الهروب من الفقر إلى مواجهة أكثر مرارة مع خيبات الواقع، مما يجعل «سهو» تجسيدًا مأساويًا لجيل كامل يبحث عن الخلاص ولا يجده. لا يكتفي الشمري بتقديم الشخصيات كضحايا، بل يغوص في دواخلهم، كاشفًا عن تناقضاتهم وضعفهم وحتى انكساراتهم الصغيرة التي تتراكم حتى تشكّل مأساة أكبر. وهنا تتحوّل الرواية إلى ما يشبه مرثية لمدينة تبتلع أبناءها، ولأحلام تتآكل بصمت، ولحياة تشبه دورانًا أبديًا في حلقة لا فكاك منها، مما يمنح العمل بعدًا فلسفيًا يلامس القارئ في أعماقه.
الأعمال الروائية النسائية في حائل
يمكن وصف الحضور النسائي في الرواية الحائلية حتى الآن بأنه متواضع من حيث العدد، إذ لم تتجاوز الأعمال الروائية النسائية المنشورة من كاتبات حائليات سوى ثلاث روايات. ورغم قلّتها، فإنها تعبّر عن محاولات أولى للاقتراب من العالم السردي بوجهات نظر نسوية، ركزت في الغالب على قضايا المرأة، والصراعات النفسية والاجتماعية، دون أن ترتبط هذه الروايات بالضرورة بالمكان الحائلي بشكل مباشر. ومع ذلك، تمثّل هذه التجارب خطوة أولى في مسار يمكن أن يتّسع لاحقًا لحضور سردي نسائي أعمق وأكثر تنوعًا، هذه الروايات هي:
رواية تفاصيل امرأة - ٢٠١٦
في روايتها "تفاصيل امرأة"، تنسج الكاتبة بدرية الشمري حكاية متشابكة عن الحب، الخيانة، والبحث عن الذات، من خلال قصتين متوازيتين تجمعهما مدينة خيالية تدعى "خيموناس"، وتختصر فيهما ملامح الاغتراب العاطفي والخذلان. تتبع الرواية رجلًا شاعرًا فقد ثقته بالنساء وراح يرمي أبياتًا حمراء كفخ للقاء غامض، وامرأةً تائهة في زواج بارد وأمومة صامتة، تجد في القصيدة متنفسًا لروحها المعطوبة. وعلى الرغم من البعد الخيالي الذي تلفّه الكاتبة على الأحداث، إلا أن الرواية تغوص عميقًا في واقع المرأة المعاصرة، وتفتح بابًا جدليًا حول الانجراف العاطفي في ظل غياب الاحتواء، وهو ما أثار انتقادات اعتبرتها تشجع على الخيانة. غير أن الشمري تدافع عن سردها بوصفه "خيالًا ببعض واقع"، حيث تسعى إلى تقديم صورة مكثفة لأحاسيس مكتومة، تفيض في أوقات الانكسار. وقد جاءت الرواية مشبعة بلغة شاعرية عذبة، تشهد على خلفية الكاتبة الأدبية وغرامها بالكتب، لتُترشح بعدها للقائمة القصيرة لجائزة حائل للرواية عام 2016، كإحدى المحاولات النسائية اللافتة لرصد تعقيدات الهوية العاطفية في بيئة تزدحم بالتناقضات.
رواية الديناصور الأخير - ٢٠١٠
سحر السديري هي كاتبة تنتمي إلى حائل، وجاءت روايتها الديناصور الأخير كخطوة أولى في مسيرتها الأدبية. أما الديناصور الأخير فتُروى أحداثها في جزيرة خيالية تُدعى "جزيرة زمردية"، حيث تدور القصة في مجتمع من الكائنات التي تحاكي البشر — ديناصورات وكائنات أخرى — ما يمنح الرواية طابعًا رمزيًا وتجريبيًا. الرواية صدرت في عام 2010 عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت، ويتألف نصها من نحو 144 صفحة. في هذه الحكاية، تتجمع الشخصيات قبل "الاحتفال الكبير" على الشاطئ في الجزيرة، في مشهد ابتدائي تنطلق منه أحداث الرواية. الرواية تقدم عالماً مغايرًا للعالم البشري المعروف، من خلال استعارة الحيوان لمناقشة قضايا اجتماعية وإنسانية، وتنبّه إلى صراعات القوة، الهيمنة، الطبقية، والتمييز — عبر تحويل الإنسان إلى "ديناصور" ورسم مجتمع بدائل.
رواية عشريني وأربعينك - ٢٠١٠
حنان الرويلي تنتمي إلى منطقة حائل، وهي قارئة وكاتبة بدأت رحلتها الأدبية عبر القصة القصيرة ثم اتجهت إلى الرواية. نشرت الرويلي روايتها "عشريني وأربعينك" في بداية مسيرتها (طُرحت في حفل توقيع في نادي أدبي حائل). الرواية تقدّم قصة امرأة تقع في صراع زمني وعاطفي — بين مرحلة الشباب (عشرين) وتجربة الحياة الأكبر (أربعين) — حيث تتداخل ذكريات الماضي، وطموحات الحاضر، وحاجات الإنسان للعاطفة والاحترام. من خلال "عشريني وأربعينك" تعرض الروائية حياة امرأة تعيش فجوة داخل زواج خالٍ من العاطفة والاهتمام، تسعى فيه للهوية، للانتماء، للحب الذي يمنحها تقديرها وذاتيتها. الرواية تستدعي إحساس الإنسان بالحنين، بالألم، بالأمل، وتطرح سؤال الذات والاختيار في مجتمع يحمل قيماً متناقضة.
الأعمال الروائية المبكرة في حائل
تُعد الأعمال الروائية المبكرة التي كتبها أبناء حائل منذ الثمانينات وحتى مطلع الألفية منطلقًا مهمًا لتشكل هوية الرواية في المنطقة، وبذورًا أولى لمشروع أدبي نما لاحقًا واتسع. وقد رصد هذا التقرير تسع روايات كتبها روائيو الرعيل الأول في حائل خلال الفترة من 1980 إلى 2000، وتمثل هذه الروايات مرحلة التأسيس الأولى التي شهدت حضورًا محتشمًا للمكان في المتن السردي. من اللافت أن رواية واحدة فقط من بين هذه المجموعة ذكرت "حائل" بالاسم، وهي رواية "فتاة في حائل" للكاتب محمد عبده يماني، بينما اختارت بقية الروايات أن تتناول قضايا إنسانية واجتماعية عامة دون الإشارة المباشرة للمدينة، وإن حملت ملامح حائلية في لهجات الشخصيات أو صور البيئة المحلية. تمثل هذه المرحلة أيضًا فترة تشكُّل الوعي الروائي لدى الكتّاب، حيث تأثرت لغتهم السردية بأساليب السرد التقليدي، مع الميل إلى الطرح الأخلاقي والاجتماعي، دون مغامرات فنية كبرى. إلا أن هذه الأعمال، رغم بساطتها، أدّت دورًا رياديًا في التعبير عن تحولات المجتمع المحلي، وأسهمت في تمهيد الطريق لجيل لاحق من الروائيين الذين كتبوا عن المكان الحائلي بجرأة واستبصار أعمق. إن توثيق هذه الأعمال المبكرة يمثل خطوة ضرورية في قراءة المشهد الروائي في حائل قراءة تاريخية ومنهجية، ويعزز من أهمية إعادة نشرها أو دراستها في سياقها الثقافي والتاريخي، باعتبارها جزءًا من ذاكرة المدينة الأدبية وبدايات صوتها الروائي الأول.
عبدالرحمن السويداء - ٦ روايات
وُلد الأديب والمؤرخ عبدالرحمن بن زيد السويداء عام 1940 في بلدة المستجدة بمنطقة حائل، وترعرع بين سهولها وقراها، ليصبح لاحقًا أحد أبرز من وثقوا تحولات المكان والإنسان في نجد. تلقى تعليمه الأولي في الكتاتيب، ثم واصل دراسته في الروضة حتى الثانوية، وحصل بعدها على درجة البكالوريوس في التاريخ من جامعة الملك سعود عام 1966، ثم تقلب في عدد من الوظائف التعليمية والإدارية حتى تفرّغ لإدارة "دار السويداء" عام 1983، حيث بدأت رحلته الكبرى مع الكتابة والتوثيق. يُعد السويداء من روّاد الكتابة التأريخية والاجتماعية في المملكة، وقد تجاوزت مؤلفاته 75 كتابًا تنوعت بين التاريخ، الأدب، اللهجة، التراث الشعبي، والنباتات، لكن أبرز ما يُميّز مشروعه الثقافي هو قدرته على الإمساك بروح المكان وتحولاته، وخصوصًا في منطقة حائل التي أفرد لها أكثر من 22 كتابًا. على الرغم من تواضعه حين قال "وإن لم أكن بارعاً في الرواية"، فإن ما قدّمه عبدالرحمن زيد السويداء في رواياته الست هو أرشفة سردية لتحولات المجتمع السعودي، خاصة في منطقة نجد، إذ استخدم الرواية كمنصة لفهم الناس وتاريخهم وسلوكهم وقيمهم.
رائد: تمثل هذه الرواية جيل الشباب المعاصر، الذين وُلدوا في ظل الوفرة والتيسير، حيث كل شيء مهيأ، وكل طريق ممهد. "رائد" ليس مجرد اسم، بل رمز لمرحلة لم تعرف المعاناة التقليدية، ما يجعلها في نظر السويداء بحاجة إلى وعي بالتاريخ حتى لا تفقد توازنها.
فالح: شخصية تمثل الجيل المخضرم، الذي عاش شظف الحياة القديمة وذروة الطفرة الحديثة، فمزج بين الصبر والفرص، وبين المعاناة والنجاح. "فالح" هو نموذج من تسلق الجبل دون حبال، ووصل القمة بجهده، فكان شاهدًا على مفارقات زمنين.
العزوف: تعالج هذه الرواية مشاكل الزواج المعاصر، من حيث تأخر سن الزواج، وتعقيد الشروط، وتغير أولويات الشباب والفتيات. بأسلوب مباشر واقعي، يفتح السويداء ملفًا شائكًا حول تفكك المنظومة الأسرية، وغياب البساطة في العلاقات.
مخاض الطفرة: تلامس الرواية الفترة الحرجة من التحولات الاقتصادية والاجتماعية خلال الطفرة، حيث اجتاحت المجتمع موجة من التغيّرات الجذرية في القيم والسلوك، وظهر الصراع بين الماضي البسيط والحاضر المترف. وهي بمثابة مرآة لتلك الفوضى المنظمة التي عاشها السعوديون في تلك السنوات.
وقع الصدى: تضم ثلاثين قصة واقعية تعالج مشكلات الناس اليومية، بلغة بسيطة لكنها تنبض بالحكمة. تمثل هذه المجموعة نوعًا من الرواية الاجتماعية القصيرة، التي تحاول الإمساك بـ"صدى" ما يعيشه الناس أكثر من تقديم حبكة درامية تقليدية.
سعد العفنان - ٣ روايات
سعد بن خلف العفنان هو واحد من أكثر الأصوات الروائية والفكرية تفردًا في المشهد الثقافي السعودي، لا فقط لنتاجه الأدبي بل لحكايته الشخصية التي تمشي على حدّ السكين بين التمرد والبساطة، بين الفقر والعزّة، وبين الواقع والحلم. تجد في شخصيته كل التناقضات التي تدهشك وتأسرك في آنٍ واحد. هو الفلاح الحائلي البسيط، ابن السبََعان، العصامي الذي غادر قريته مبكرًا، وراح يخوض تجارب العمل في الدكاكين والمطاعم والعسكرية وأرامكو. يضحكك بقفشاته التي تحمل في طيّها مرارة، ويأسرك برؤيته الناقدة الجريئة التي تفكّك الواقع ببساطة مفكّر من الطراز الثقيل، لكنه كما يقول عن نفسه: "عاصٍ على بصيرة". انقطعت علاقته المبكرة بالتعليم، لكنه لم ينقطع عن التعلم أبدًا. التحق بالجيش ثم عمل نجّارًا، ثم بائعًا في دكان بالكويت، وهناك بدأت نقطة التحول؛ حين دخل مكتبة ووقعت عيناه على "تهذيب الأخلاق" لابن مسكويه، ومن هنا انطلقت شرارة المثقف داخله. ظلّ يقرأ، ويحلّل، ويقارن، ويكتب. لم تكن لديه شهادة علمية، لكنه ألّف أكثر من 65 كتابًا، وتحوّل من مجرد قروي بسيط إلى مفكر جريء وروائي مثير للجدل. رواياته الثلاث هي نصوص مشبعة بالتجربة، بالتاريخ الشعبي، بالغضب الصامت والذكاء الاجتماعي. رواية "غراس وناهضة" كتبها عن قريته وعلاقاته، دون أن يصرّح بالأسماء، مما جعل القارئ يحوّل كل شخصية إلى لغز. "كفر كنعان" جاءت بلسانٍ ساخر، في نقد مباشر للمجتمعات التي تتوارى خلف قشور التدين والسياسة، بينما "بنت الرصافة" فتحت نافذة على العراق من زاوية المثقف المتجول الذي عاش في بغداد ولم ينسَ وجعها. أسلوبه الروائي لا يخضع لقوالب تقليدية. هو أقرب إلى السيرة المتخفية في جسد الرواية، حيث تختلط حكاياته الشخصية بالشخصيات المتخيلة، وتعلو في النصوص نبرة الراوي المجرب، لا المتأمل من بعيد. يستخدم الحوار الشعبي، والإسقاطات التاريخية، والتعليق السياسي والاجتماعي دون تحفّظ. ينتقد سعد العفنان بشراسة ما يراه تزويرًا للهوية أو تهريجًا باسم الأدب. لا يُعجب بالحداثيين الذين يمسخون المفاهيم، ولا بالمؤدلجين الذين يقايضون الثقافة بالإقصاء. يعتبر نفسه قوميًّا عربيًا بالفطرة، لا بالإيديولوجيا، ويرى أن العروبة والإسلام لا تناقض بينهما، بل انصهار تاريخي. لم يتكئ سعد على المنابر ولا على العلاقات، بل صنع طريقه وحده، وبقي في كوخه القديم في حائل، يزرع ويحاور ويكتب ويهجو وينتقد دون وجل. في ملامحه المرهقة وقامته المنحنية، صورة مزارع يكتب كتبه بيدٍ مُتعبة وقلبٍ يقظ، لا يطلب شيئًا إلا أن يفهم العالم... بطريقته.
روايات أخرى من حائل
لا تقتصر الرواية الحائلية على إعادة إنتاج المكان، بل تتجاوزه أحيانًا إلى فضاءات رمزية أو مدن متخيلة أو وقائع لا تنتمي جغرافيًا إلى حائل. في هذه الفقرة، نسلط الضوء على عدد من روايات كتّاب من حائل اختاروا أن تكون شخصياتهم وأحداثهم في بيئات أخرى، مما يعكس اتساع الأفق السردي واتجاه بعض التجارب نحو العالمية أو التنويع في الموضوعات، بعيدًا عن التمركز المكاني.
سعود سعد الهديرس - ٥ روايات
ينتمي سعود سعد الهديرس إلى منطقة حائل، وقد انطلق في مشواره الروائي في منتصف العقد الثاني من القرن الحالي، حاملاً معه تجربة سردية متنوعة. من أعماله المعروفة: بائعة الحمام التي صدرت عام 2015 وفتحت له الطريق في عالم الرواية، جذور امرأة (2022)، وكذلك البيت المفقود والنظرة القاصرة وزوبعة في فنجان. في رواياته، يتناول الهديرس قضايا إنسانية واجتماعية متنوعة — من طفولة ومعاناة، إلى تجربة المرأة، وفقدان الأمن والاستقرار، وما يرتبط به من آلام وهواجس إنسانية. مثال ذلك “جذور امرأة” التي ترصد حياة امرأة عبر مراحل متعددة، بدءًا من الرفاهية مرورًا بالقهر حتى النكران. وبذلك، تحفر أعماله في وجدان القارئ، محاولة تقديم سرد متنوع ينصبّ على الإنسان وقضاياه بمعزل — في بعض الحالات — عن ارتباط مكاني محدد.
ساير المسباح - ٣ روايات
ينتمي ساير المسباح إلى شمال المملكة، وله حضور في السرد الحديث، وقد أصدر عدة روايات منها ولد المقصوص، السكن، والعيش في منطقة حدودية. في «ولد المقصوص»، يستعرض المسباح حياة طفل تتغيّر بعد تنفيذ حكم القصاص بحق والده، راسمًا رحلة الألم والمعاناة والصراع على البقاء — من الطفولة إلى الشباب — بطريقة سردية مباشرة وصادقة. أما «العيش في منطقة حدودية»، فتأخذ القارئ إلى فضاء عابر للحدود، حيث تنفتح الرواية على قضايا اجتماعية وجغرافية، من خلال قصة تتناول حياة مجتمع متداخل بين بلدان وحدود وصراعات، وتُظهر تنوعًا في معالجة الواقع السعودي ببوابة الحداثة والتداخل الإقليمي.أما «السكن»، فتبعث كجزء من مشروعه الروائي المتنوع، وتُظهر ميلًا إلى محاولة فهم الإنسان السعودي في ظروف متغيرة دون تمثيل مكثّف لـ"المكان" بقدر ما يركّز على الإنسان وهمومه. بهذه الروايات، يُحسب لساير المسباح أنه من الرواد الذين جربوا السرد الواقعي لقصص من المجتمع السعودي، مع محاولة لفهم البؤس، الفقد، الهوية، والتداخل بين الفرد والمجتمع، دون تبجيل في الزمان أو المكان — بل بحث في صدق التجربة الإنسانية في سياق اجتماعي.
براك البلوي - روايتين
براك البلوي كاتب سعودي ينتمي إلى بيئة روائية تنحو نحو التجريب والمناخ المعاصر. ما يميّزه في كتاباته هو قدرته على طرح قضايا اجتماعية وإنسانية بحسّ يتحرّك بين الواقع والخيال، مستفيدًا من أدوات السرد لتفكيك التابوهات. روايته «أبواق الملائكة» تُعد من أبرز أعماله، حيث ترصد قصة حب معقدة تنشأ بين بطلين من خلفيات مذهبية مختلفة، وتتحول إلى مرآة لصراعات العادات، المعتقدات والمجتمع، ما يجعل من الرواية محاولة جريئة لفتح حوار عن الهوية والانتماء والانقسام. أما «بهو الفندق» فتمثل ـ بحسب توجهه العام ـ امتدادًا لهذا الخط الروائي في استكشاف مواضيع اجتماعية وإنسانية، محاوِلة أن تمنح القارئ تأملات في الحياة والاختيار.
ماجد الجارد - روايتين
ماجد الجارد كاتب سعودي من منطقة حائل، يُحسب له أنه رغم فقدانه لحاسة البصر جسديًّا، مثّل نموذجًا على أن "البصيرة الأدبية" قد تتجاوز العوائق وتولد سردًا حادّاً وحقيقياً. روايته الأولى «نزل الظلام» صدرت عام 2018 ونالت جائزة جائزة الأمير سعود بن عبدالمحسن للرواية. وهي تطرح تجربة الكفيف في عالم مكفوف: العمى ليس فقط كخسارة بصرية، بل كبُعد وجودي يدفع السارد إلى التأمل في ذاته والآخر، ويضع القارئ أمام عتمة تختلف عن الظلام المعتاد. روايته «سولو»، التي صدرت عام 2014 حسب بعض المصادر، تمثل متابعة لهذا الخط السردي الشخصي، إذ تنحو نحو استكشاف الذات والعزلة باعتبارها فضاء للوعي والكتابة. بهذا، يضيف ماجد الجارد بصمته إلى الرواية السعودية بتجربة فريدة تجمع بين التحدي الفردي والشجاعة الأدبية، وتؤكد أن الكتابة قادرة على رؤية ما يعجز عنه البصر، وأن الصمت أو العمى الجسدي لا يعني أبداً غياب الرؤية الروحية أو الفنية.
ناصر الهواوي - روايتين
ناصر عبدالله محمد الهواوي، روائي ومعلم سعودي من مواليد مدينة حائل عام 1390هـ. حاصل على بكالوريوس في اللغة العربية – مسار نحو – من كلية الآداب بجامعة الملك سعود. عمل في وزارة التعليم معلّمًا للغة العربية، وله اهتمامات أدبية وفكرية واجتماعية، كما شارك في الصحافة المحلية بكتابات وقصص ومتابعات ثقافية. من أعماله رواية ”مناهضون في زمن الكبرتة“ — رواية صدرت عام 2010 عن دار الصميعي، وتضم نحو 198 صفحة. في هذه الرواية، يغوص الهواوي في صلب صراع داخلي واجتماعي يعايشه بطل الرواية، ضمن بيئة متحولة، حيث تتصارع قناعات قديمة مع مخرجات جديدة للزمن — ما يجعل الرواية محاولة لفهم هذه المفارقات، وصياغة سرد يعكس الوجدان والواقع في آن واحد. مناهضون في زمن الكبرتة تمثّل إضافة بارزة للمشهد الروائي من حائل، تعكس اهتمامًا بالجانب الفكري والاجتماعي دون الابتعاد عن الحس الإنساني الذي يلامس القارئ. كذلك أصدر رواية سنوات خداعات عام 2012 عن دار الصميعي للنشر والتوزيع، وتتكوّن من حوالي 272 صفحة. في هذه الرواية، يعالج ناصر الهواوي موضوعات معاصرة وحساسة، إذ يقدم رؤية نقدية لما يسميه ”تيار المتحولين“ — أي أولئك الذين مرّوا من تدين تقليدي إلى توجهات فكرية أو ثقافية مختلفة بعد أحداث 11 سبتمبر — من خلال سرده لقصة شاب يُدعى “محجوب الحيران” ينهار فكرياً ونفسياً بفعل صدمات معرفية ودينية، وتنقلب حياته إلى مسار من العزلة والتشدد. يعكس “سنوات خداعات” محاولة لطرح جدل فكري في قالب روائي: نقد للتيارات الفكرية التي استغلت الدين للهيمنة، وتسليط الضوء على هشاشة الإنسان أمام دعاوى التزمت. عبر استخدام الأسلوب الروائي، استطاع المؤلف أن يمنح القضايا طابعًا إنسانيًا — بعيدًا عن الخطاب المباشر أو الدعائي — مغلفًا بأسئلة عن الهوية، والانتماء، والخديعة الفكرية.
في ختام هذا التقرير، تتضح ملامح المشهد الروائي في منطقة حائل كحالة سردية تتأرجح بين الطموح والتجريب، وبين الحضور الخجول والتمثيل العميق. فقد شهدت حائل محاولات مبكرة لكتابة الرواية، ظهرت من خلالها تجارب كتّاب سعوا إلى تصوير المكان الحائلي وشخصياته، بينما اختار آخرون الانفصال عن الجغرافيا المباشرة، والتوجه نحو مدن رمزية أو عوالم متخيلة. ويظل الحضور النسائي في هذا الحقل محدودًا، مقابل تنوّع الموضوعات لدى بعض الكتّاب الذين اتجهوا إلى قضايا إنسانية واجتماعية بعيدة عن خصوصية المكان. ورغم تفاوت النضج الفني في هذه الأعمال، فإنها مجتمعة تشكّل أرشيفًا سرديًّا مهمًا يعكس علاقة أبناء حائل بالكتابة الروائية، ويفتح المجال أمام مزيد من التراكم والتجريب والتمثيل المكاني في المستقبل.
.png)



تعليقات