روايات من الأحساء
- فريق التحرير
- 30 ديسمبر 2025
- 12 دقيقة قراءة

لطالما كانت المدن في السرد الأدبي أكثر من مجرد مسارح جغرافية؛ إنها ذاكرة متقدة، وهويات تتشكل عبر الكلمات، وكيانات حية تتنفس من خلال حبر الروائيين. في مشروعنا "الخريطة الأدبية السعودية"، نتتبع تلك البصمات الجمالية التي تركتها المدن في وجدان النصوص، محاولين استكشاف كيف تتحول الحارات والأزقة والنخيل من معالم صامتة إلى شخوص روائية فاعلة تعيد رسم ملامح الإنسان والمكان. ومع اختيارنا للرواية كأداة رئيسية للرصد، فإننا نستند إلى قدرتها الفائقة على احتواء التحولات الزمنية والمكانية والاجتماعية، وتفكيك الصراعات بين الأصالة والمعاصرة، مما يجعلها "ابنة المدينة" والسجل الذهبي لحياتها بكل تعقيداتها النفسية والاقتصادية. في هذا التقرير، وهو الثاني ضمن السلسلة، نستعرض التجربة الروائية في منطقة الأحساء، تلك الواحة التي لم تكن مجرد بقعة خضراء في قلب الصحراء، بل كانت معبرًا للحضارات ومستودعًا للحكايا.
جغرافية الواحة كمحرك سردي: الأحساء من هجر إلى الهفوف
تمثل الأحساء في الرواية السعودية حالة استثنائية من التماهي بين الإنسان والأرض. إنها المنطقة التي انتقلت من كونها جزءًا من مدينة الجرهاء القديمة التي أسسها الكلدانيون إلى منطقة "هجر" في بداية القرن الثالث الهجري، حيث كانت مركزًا لإقليم البحرين التاريخي. هذا العمق الزماني منح الروائي الأحسائي قدرة على استدعاء الرموز التاريخية وتوظيفها في بنية النص الحديث. فالمكان هنا ليس مجرد جدران طينية، بل هو وجود إنساني يضج بالحياة ويحمل سمات العصور المتعاقبة. تتجلى قيمة المكان في الرواية الأحسائية من العتبات الأولى، حيث ترتبط العناوين بأسماء الأحياء القديمة (الكوت، النعاثل) أو الرموز البيئية (السدرة، النخلة، السلال) أو العمق التاريخي (هجر). إن المكان الروائي في الأحساء هو مكان متخيل يعيد إنتاج الواقع بدقة محايدة أحيانًا، وبمعاناة شخصية أحيانًا أخرى، مما يجعله جزءًا من الهوية الروائية نفسها.
ملامح المكان في الرواية الأحسائية | التأثير السردي والرمزي |
الأحياء العريقة (الكوت، النعاثل) | تمثل مراكز الذاكرة والتراتب الاجتماعي والتحولات السياسية. |
المزارع والعيون الفوارة | تعكس العلاقة الحميمة مع الأرض وصراع البقاء والكدح اليومي. |
السور والأزقة الطينية | ترمز للخصوصية، الحماية، والعزلة التي كسرتها الحداثة. |
الواحة مقابل الصحراء | تجسد التوتر بين الاستقرار والارتحال، وبين الخصوبة والجدب. |
الريادة النسائية: بهية بوسبيت وصوت "درة من الأحساء"
تُعتبر الأديبة بهية بوسبيت الشخصية الرائدة التي افتتحت أفق الرواية النسائية في الأحساء. بإصدارها رواية "درة من الأحساء" عام 1409هـ (1987م)، وضعت بوسبيت اللبنة الأولى لسردية نسوية تحاول ملامسة الواقع الاجتماعي للمنطقة. كانت الرواية في تلك الفترة بمثابة صرخة إصلاحية، حيث ناقشت قضايا حساسة مثل "العضل" (منع النساء من الزواج) والحرمان من التعليم، مستخدمةً لغة تمزج بين الوعظ المباشر والحوار الدرامي. بطلة الرواية "أمل" تمثل الشخصية الثائرة بعقلانية، فهي لا ترفض المجتمع بل تحاول إصلاحه من الداخل مستندة إلى القيم الدينية والمنطق. إن ثورتها "مشروعة" و"معتدلة"، تهدف إلى كشف القهر الذي تعانيه الفتاة في ظل تقاليد اجتماعية لا علاقة لها بالشرع. لم تكتفِ بوسبيت بهذه الرواية، بل أصدرت أعمالاً أخرى مثل "معاناة يتيم" و"لا مستحيل مع الإرادة"، بالإضافة إلى كتابها التوثيقي "الأحساء درة الدرر"، الذي استعرضت فيه عبق الماضي وأصالة الحاضر. لقد أصبحت أعمالها موضوعًا لدراسات أكاديمية ومعاجم أدبية، مما يثبت دورها كمؤسسة للوعي الروائي في الواحة.
الذاكرة الحضرية: حسن الشيخ وعوالم "الكوت"
في قلب مدينة الهفوف، يبرز حي "الكوت" بوصفه المركز الإداري والسياسي القديم، ومن هنا استلهم الروائي حسن الشيخ روايته التي تحمل الاسم ذاته. تُعد رواية "الكوت" إعادة كتابة للتاريخ الشفوي للحي، حيث يبتعد الشيخ عن السرد التقليدي ليغوص في "الواقعية السحرية" التي تميز أسلوبه. الرواية ليست مجرد رصد للأماكن، بل هي استحضار للأرواح والقصص التي سكنت تلك البيوت الطينية. يشكل حسن الشيخ مع روايته الأولى "الفوارس" نسيجًا روائيًا متكاملاً يستلهم الزمان والذاكرة الأحسائية. وفي روايته الأخيرة "رجال بلا أجنحة" ومجموعته "كحل مريم"، يواصل الشيخ مشروعه في فتح آفاق جديدة للعقل والنفس، محققًا نجاحًا لافتًا في رصد التحولات الجوهرية في الشخصية الأحسائية عبر العقود. إن المكان عند حسن الشيخ هو "شخصية فاعلة" تشارك في الصراع وتؤثر في مصائر الأبطال، وهو ما يجعل نصوصه وثائق إبداعية تحفظ هوية المكان من النسيان.
صخب الأحياء والأسواق: مشروع خليل الفزيع التأريخي
لا يمكن قراءة المنجز الروائي الحديث لخليل إبراهيم الفزيع بمعزل عن تاريخه الطويل كأحد آباء السرد في المنطقة الشرقية. ولد الفزيع في قرية "الجشة" بالأحساء عام ١٩٤٠م ، وتشكل وعيه في بيئة تتقاطع فيها كثافة النخيل مع قسوة الصحراء، وانفتاح البحر مع انغلاق العادات. بدأ حياته المهنية والتعليمية في الأحساء، ثم انتقل للعمل في الدمام، حيث انخرط في العمل الصحفي مبكراً، مترئساً القسم الأدبي ثم رئاسة تحرير جريدة "اليوم" لسنوات طويلة. لقد ظل الفزيع لعقود مخلصاً لفن القصة القصيرة، حيث أصدر مجموعات أيقونية مثل "الساعة والنخلة" (١٩٧٧)، و"النساء والحب" (١٩٧٨)، و"سوق الخميس" (١٩٧٩). كانت القصة القصيرة بالنسبة له معادلاً موضوعياً لزمن الصحافة السريع؛ لقطات مكثفة، خاطفة، وشديدة التركيز. إلا أن السنوات الأخيرة، وتحديداً مرحلة ما بعد التقاعد الإداري، شهدت تحولاً دراماتيكياً نحو الرواية. هذا التحول لم يكن مجرد تجريب شكلي، بل استجابة لضغط "الذاكرة". فالأحساء، بمدنها وقراها وأسواقها التي اندثرت أو تغيرت ملامحها، لم تعد تكفيها "اللقطة" القصصية؛ بل احتاجت إلى "المشهد" الروائي البانورامي. لقد أصبح الفزيع في رواياته الأخيرة أشبه بـ "الحكواتي" الذي يخشى على الحكاية من الضياع، فقرر تدوينها في سرديات مطولة توثق الرائح والروائح والأماكن.
رواية "القيصرية"
تُعد رواية "القيصرية" المدخل الرئيس لعالم الفزيع الروائي الجديد. استلهم الفزيع عنوانها وموضوعها من "سوق القيصرية" التاريخي في الهفوف، وهو أقدم سوق مسقوف في الخليج العربي. تدور أحداث الرواية حول التاجر الثري "خليفة" الملقب بـ "أبو فارس". المفارقة التراجيدية التي يبني عليها الفزيع روايته تكمن في هذا اللقب؛ فـ "أبو فارس" عقيم لم ينجب، ورغم زيجاته المتعددة بحثاً عن الوريث، يظل "فارس" مجرد اسم يملأ الفراغ العاطفي والاجتماعي. يستخدم الفزيع شخصية "خليفة" ليرمز إلى مأزق الطبقة التجارية التقليدية في الأحساء: ثروة طائلة، وجاه اجتماعي، لكن بلا "امتداد" للمستقبل. يعقد السرد مقارنة مؤلمة بين "خليفة" وصبيِّه (العامل لديه)، الذي ينجب الكثير من الأطفال من زوجة واحدة رغم فقره. هذا التضاد الطبقي والبيولوجي يشكل العصب الدرامي للرواية. تتجاوز الرواية قصة خليفة لترصد ملامح الحياة الاقتصادية في الهفوف القديمة. يصف الفزيع دكاكين الأقمشة، وطرق الاستيراد من البحرين والهند، ودخول "الراديو" والأغاني (زمن الكاسيت) كعناصر حداثية بدأت تتسلل إلى فضاء السوق المحافظ. الرواية، بهذا المعنى، وثيقة أنثروبولوجية ترصد التحولات المذهبية والاجتماعية في بيئة السوق.
رواية "حريق القيصرية"
إذا كانت رواية "القيصرية" ترصد حياة السوق، فإن رواية "حريق القيصرية" ترصد موته. تستند الرواية إلى الحدث الواقعي المؤلم الذي هز الأحساء حين التهمت النيران سوق القيصرية (عام ٢٠٠١ تاريخياً)، لكن الفزيع يعيد إنتاجه روائياً. تشير مقتطفات الناشر إلى أن هذه الرواية تركز على "الجيل الثاني". إذا كان الجيل الأول (جيل خليفة) قد بنى السوق وعاش فيه، فإن الجيل الثاني هو الذي شهد احتراقه، وعليه الآن عبء التعامل مع الرماد. يطرح الفزيع هنا إشكاليات الحداثة: هل نعيد بناء الماضي كما كان؟ أم نستغل الحريق لبناء واقع جديد؟ الحريق في الرواية ليس مجرد حادث عرضي، بل هو رمز لنهاية حقبة البراءة والتقليدية، وبداية عصر العولمة والاستهلاك السريع الذي لا يرحم التاريخ. السرد هنا مشحون بالعاطفة، حيث يصور الفزيع ألسنة اللهب وهي تلتهم ليس فقط البضائع، بل ذكريات الطفولة وتاريخ الآباء.
رواية "النعاثل"
إذا كان الكوت يمثل الواجهة الإدارية، فإن حي "النعاثل" يمثل العمق الاجتماعي الشعبي للأحساء. في روايته "النعاثل"، يأخذنا الأديب والصحفي خليل الفزيع إلى أكبر أحياء الهفوف وأكثرها صخبًا. الرواية تجسد عراقة الحي من خلال حكايات "عقيل" و"عليان"، وتصور التعايش الفريد بين الطبقات المسحوقة والطبقات الميسورة جنباً إلى جنب دون استعلاء أو مهانة. يربط الفزيع في "النعاثل" بين المكان الجغرافي والمظاهر الدينية والاجتماعية، مثل الجامع الكبير الذي كان مركزًا للتواصل الإنساني في رمضان. كما تنتقل الرواية ببراعة من أزقة الأحساء إلى دبي، تونس، وحتى الأندلس، رابطةً بين حكمة المرأة الأحسائية وأنوثة المرأة الأندلسية، في سفر روائي يبحث عن الجذور والهوية.
رواية "سراديب الليالي الحالمة"
تُعد هذه الرواية من أحدث إصدارات الفزيع ( ٢٠٢٤م)، وتمثل ذروة نضجه الفني والسياسي. طور الفزيع أدواته بشكل ملحوظ في هذا العمل، حيث اعتمد تقنية "تعدد الأصوات" بشكل كامل. تتكون الرواية من ١٦ فصلاً، تتناوب عليها خمس شخصيات في السرد وهي حوراء الشخصية المحورية (تسرد ١١ فصلاً)، مما يعكس تركيز الرواية على الصوت النسوي ومعاناته. سليمان، محمود، أبو عائشة، عادل: أصوات ذكورية تتقاطع وتتصارع مع سردية حوراء. تقتحم الرواية مناطق شائكة نادراً ما يتم تناولها بهذه الصراحة، حيث تدور الأحداث في قرية "النعايم" (نموذج للقرى الشرقية المختلطة مذهبياً). ترصد الرواية تأثير "الثورة الإيرانية" (١٩٧٩) وغزو الكويت (١٩٩٠) على النسيج الاجتماعي، وكيف تحول التعايش إلى توجس. قصة "حوراء" التي تحب "سليمان" (الكويتي) لكنها تُجبر على الزواج من "عادل" لأسباب اجتماعية ومذهبية. تتطور الأحداث لتصل إلى علاقة محرمة أثناء رحلة للكويت، مما يطرح أسئلة أخلاقية عميقة حول الكبت والرغبة. شخصية "الشيخ موسى" الذي يتحول من التشدد المستورد من الخارج إلى الوسطية بعد صدمة وفاة ابنه "محسن"، في نقد مبطن لتيارات الإسلام السياسي.
رواية "براحة الخيل"
تُعد رواية ”براحة الخيل“ للأديب خليل إبراهيم الفزيع من أبرز الأعمال السردية التي أرخت اجتماعياً لحي الكوت العريق بالهفوف. تنسج الرواية ملامح الحياة اليومية في أزقة الحي وساحاته، مستحضرةً ذاكرة الأماكن والوجوه التي شكلت نسيج الأحساء القديم، من خلال سرد يفيض بالتفاصيل الإنسانية التي تجعل من "البراحة" مكاناً لتلاقي الأقدار ومستودعاً للحكايات التي لا تموت.
يقدم المشروع الروائي الأخير لخليل إبراهيم الفزيع، المحتضن من قبل "دار ريادة" والمحتفى به في فضاء "إكس"، نموذجاً ملهماً للأديب الذي يرفض التقاعد. لقد استطاع الفزيع أن يطور أدواته، وينتقل من قفص القصة القصيرة إلى فضاء الرواية الرحب، ومن ورق الصحف الأصفر إلى شاشات الهواتف الذكية. إن روايات "القيصرية" و"النعاثل" و"سراديب الليالي الحالمة" ليست مجرد حكايات، بل هي "صكوك ملكية" للذاكرة الأحسائية. إنها تقول للأجيال الجديدة: "هنا عاش آباؤكم، هنا احترقت أحلامهم في القيصرية، ومن هنا سافروا عبر النعاثل، وهنا قاوموا الفتنة في سراديب الليالي".
إعادة تشكيل "هجر": أحمد السبيت وحسين الأمير
يبرز اسم "هجر" (الاسم التاريخي للأحساء) كعنوان وقيمة في أعمال الروائي أحمد السبيت والروائي حسين الأمير، ولكنهما يتناولانه من زوايا مختلفة وهي:
أحمد السبيت: أوراق هجر ووهج الذاكرة
في رواية "أوراق هجر"، يعيد أحمد السبيت تشكيل ملامح الأحساء القديمة بسورها وأزقتها وبيوتها الطينية، رغم شح المصادر التاريخية. تُعد رواية أوراق هجر عملاً سرديًا ينشغل بأسئلة الهوية والذاكرة. توثق الرواية سيرة رجل مرتحل في القرن الثالث عشر الهجري، تتقاطع حياته مع تحولات المكان وهو ينتقل بين الأحساء والرياض ومكة وجدة، قبل أن يعود محمّلًا باكتشافات تعيد ترتيب وعيه بذاته وماضيه. في هذا المسار، يمتزج التاريخي بالذاتي، ويتحوّل الارتحال إلى أداة لكشف الاغتراب والأسئلة المؤجلة. اختار السبيت اسم البطل "هجر" ليكون رمزًا للمكان، جاعلاً من الأماكن شخصيات مؤثرة في الصراع الدرامي.السبيت يؤمن بأن الروائي يجب أن يمزج بين صدق الوقائع ورحابة الخيال، وهو ما فعله أيضًا في روايته "دمعة غرناطة" التي استحضرت شخصيات أندلسية بلغة جزلة وأسلوب متجدد.
حسين الأمير: دمعت هجر والبعد الوجداني
أما حسين الأمير في روايته "دمعت هجر"، فيقدم نصًا يتقاطع فيه التاريخي مع الشخصي. تُعد الرواية من الأعمال السردية التي تنبش في التاريخ المنسي للأحساء قبل مائة وعشرين عاماً. تجمع الرواية بين التوثيق التاريخي للحقبة العثمانية والبعد الرومانسي الحزين، مصورةً معاناة المجتمع في ظل الظروف الاقتصادية والسياسية الصعبة، من خلال حكايات تلامس الوجدان وتجعل من "هجر" دمعة في عين الزمان وصرخة في وجه النسيان. الأمير يوظف "دمعة هجر" كاستعارة للحنين والألم والتمسك بالأرض، مما يمنح العمل بعدًا عاطفيًا عميقًا يتجاوز السرد الوصفي البسيط.
الواقعية الريفية وحياة المزرعة
لا تكتمل صورة الأحساء دون "المزرعة" والحياة الريفية القروية، وهي الفضاء الذي وثقه عدد من الكتاب الأحسائيين منهم:
رواية سيالة - عيد الناجم
الكاتب عيد الناجم في روايته "سيالة" التي تمثّل سردًا توثيقيًا رقيقًا يلتقط إيقاع الحياة اليومية في واحة الأحساء، حيث المزرعة بوصفها مركز الوجود. تنسج الرواية عالمها من تفاصيل حسية دقيقة — رائحة "الخبز الأحمر" الأحسائي، صوت التلاوة في المساجد، وجلسات السمر التي تختزن الحكمة — قبل أن تنعطف إلى لحظة تاريخية مفصلية مع معارك استعادة الأحساء، فتُروى الأحداث من منظور إنساني، لا تغدو المعركة فيها حدثًا مجردًا، بل تجربة معيشة تختلط فيها الرغبة في التحرر بالولاء للأرض. تبدأ الحكاية من المزرعة، حيث الكدح والبساطة والتمسك بالتقاليد. يصف الناجم تفاصيل الحياة اليومية بحس إنساني رقيق؛ "سيالة" ليست مجرد قرية أو مزرعة، بل هي رمز للإنسان الذي يحاول الوقوف رغم كل الخيبات. الرواية تفتح أبوابًا على أسئلة الهوية والانتماء وذاكرة المكان، بأسلوب سلس يجعلك تشعر برائحة الطين وصوت المطر ووجع الانتظار. عيد الناجم نجح في نقل "أدب الواحة" من النطاق الوصفي إلى النطاق الوجودي الذي يمس جوهر الإنسان المرتبط بالأرض.
رواية أغنية التمر والتين - عبدالله الحواس
كما يقدّم الروائي عبدالله الحواس عملًا سرديًا يستعيد تحوّلات الأحساء من الداخل، متكئًا على الذاكرة اليومية بوصفها مدخلًا لفهم التاريخ الاجتماعي. تنطلق الرواية من حياة الناس البسطاء، حيث النخيل والمزرعة والبيت الطيني، لتتابع انتقال المجتمع بهدوء من أنماط العيش التقليدية إلى زمن الحداثة. يمزج النص بين الحميمي والواقعي، ليقدّم صورة إنسانية للأحساء وهي تعبر زمنًا متغيرًا.
رواية أبي وابنة القرية - عبدالله النصر
تُعد رواية ”أبي وابنة القرية“ للكاتب عبدالله النصر من الأعمال السردية التي تغوص في عمق الريف ”الحساوي“، مصورةً الصراع الفكري والاجتماعي بين الأجيال برؤية إنسانية مؤثرة. تجمع الرواية بين دفء العلاقات الأسرية وقسوة التقاليد، مستحضرةً ملامح الحياة القروية بكل تجلياتها، لتؤكد في نهايتها على قوة الحب وقدرته على تجسير المسافات بين الآباء والأبناء، وسط فضاء سردي يحتفي بالقيم الأصيلة والنبل الإنساني.
التنوع والمغامرة السردية: فوزي صادق
تتسم تجربة الروائي فوزي صادق بالجرأة في طرق مواضيع متنوعة وغير تقليدية. في روايته "الليدي تالين"، يقدم مزيجًا من الواقعية والفانتازيا، تُقدم الرواية قراءة سردية فاتنة لتاريخ الأحساء في مطلع القرن العشرين، وتحديداً عام 1912م. تجمع الرواية بين التوثيق التاريخي والدراما العاطفية، مستحضرةً كواليس حارة اليهود وقصص التعايش الاجتماعي في الواحة، من خلال ملحمة عشق خالدة بين بطلة الرواية ”الليدي تالين“ وشاب أحسائي، لتكون رحلة سفر إلى الماضي وشهادة على التعددية الثقافية للمنطقة. بينما في "خطيب ابنتي قطيفي"، يلامس قضايا التداخل الاجتماعي في المنطقة الشرقية بجرأة وحس نقدي. قائمة أعماله طويلة وتشمل "أميرة إبليس"، "حريمستان"، "الملك عاويل"، مما يعكس غزارة إنتاجه وقدرته على الانتقال بين الأنواع الأدبية المختلفة، بما في ذلك الكتابة الساخرة في "حمار خلف الجدار".
رواية سوق الحميدية - سلطان القحطاني
أما الدكتور سلطان القحطاني، الباحث والروائي، فقد قدم في روايته "سوق الحميدية" نصًا يتخذ من الأحساء مكانًا وزمانًا لأحداثه. الاسم الذي يتشابه مع سوق دمشق الشهير يفتح آفاقًا للمقارنة بين المراكز التجارية التاريخية، ويبرز الأحساء كحاضرة تجارية واجتماعية منفتحة على العالم. تُقدم رواية ”سوق الحميدية“ مشهداً سردياً يربط بين عراقة التجارة وبدايات النهضة التعليمية في الأحساء، مستلهمةً تاريخ السوق الذي شهد ولادة أول مدرسة نظامية في الهفوف. تجمع الرواية بين ذاكرة المكان وحلم التغيير، مستحضرةً أصوات الباعة وخطوات التلاميذ الأوائل، لتكون شهادة على التحول الثقافي والفكري الذي قاده جيل الرواد في قلب الواحة النابض بالحياة. القحطاني، برؤيته الأكاديمية والجمالية، استطاع أن يوظف السوق كفضاء للصراعات والتحولات التي شهدتها المنطقة.
غازي القصيبي: ابن الهفوف العابر للحدود
على الرغم من أن الدكتور غازي القصيبي يُعرف بكونه أديبًا ذا أبعاد عالمية ودبلوماسية، إلا أن مولده في مدينة الهفوف بالأحساء عام 1940م ظل يشكل الجذوة الأولى في مخيلته. قضى سنواته الأولى في بيئة وصفها هو نفسه بأنها كانت "مشبعة بالكآبة" لفقدانه والدته مبكرًا، وهو ما دفعه للعزلة والتحصيل العلمي النهم. نشأ القصيبي في مزيج من الثقافات بين الأحساء والبحرين، وهو ما مكنه من إتقان لهجات متعددة والانفتاح على تيارات الحداثة. في روايته المؤسسة "شقة الحرية"، ورغم أن أحداثها تدور في القاهرة، إلا أن بطلها "فؤاد الطارف" يحمل الكثير من سمات غازي وتجربته الشخصية في تلك الحقبة. القصيبي يمثل النموذج للأديب الذي انطلق من "هجر" ليغزو العالم بشعره ورواياته (العصفورية، سعادة السفير، الجنية)، لكنه ظل يحمل في داخله "عاطفة الانتماء" لكل رملة من رمال وطنه.
ظاهرة أسامة المسلم: الفانتازيا المنطلقة من الأحساء
يمثل أسامة المسلم حالة فريدة في الأدب السعودي المعاصر. ورغم أن عوالمه الروائية (خوف، بساتين عربستان، وهج البنفسج) تنتمي للفانتازيا التاريخية والخيال المطلق، إلا أن انتمائه للأحساء ومناخها القصصي والأسطوري لا يمكن إغفاله. المسلم استطاع أن يعيد "هيبة الكتاب الورقي" من خلال طوابير التوقيع الطويلة التي تسببت في حالات إغماء وتدافع في معارض الكتب العربية. براعة المسلم تكمن في "السرد السينمائي" والحوارات القوية والنهايات غير المتوقعة، وهو ما جذب فئات عمرية شابة كانت قد انصرفت عن القراءة. إن انطلاقه من "مركز الأدب العربي" بالدمام، وارتباطه الوثيق ببيئة المنطقة الشرقية، جعل من فانتازيا المسلم امتدادًا حديثًا للحكايا الشعبية التي كانت تُروى في مجالس الأحساء القديمة، ولكن بقالب عالمي مذهل.
الرواية النسائية المعاصرة
تستمر المسيرة التي بدأتها بهية بوسبيت وأسماء أبو خمسين من خلال أصوات جديدة وأكثر تجريبًا.
أسماء بوخمسين: تمثل رواية "السدرة" للروائية أسماء بوخمسين منعطفًا فنيًا هامًا في الرواية الأحسائية الحديثة. تمزج الرواية بين "الفانتازيا الواقعية" والتوثيق التاريخي للربع الأول من القرن العشرين، وهي الفترة التي شهدت تأسيس المملكة واكتشاف البترول. السدرة هنا ليست مجرد شجرة، بل هي رمز للأصل والجذور والقدر الذي يلاحق الشخصيات. تتميز لغة أسماء أبو خمسين بالسلاسة والوصف الحسي الدقيق للأمكنة؛ فبينما تقرأ، تشعر برائحة حقول القصب وتسمع أزيز الأبواب الخشبية القديمة. الرواية تتناول قضايا معقدة مثل العقم، التوقعات الاجتماعية، والتحولات الاقتصادية التي غيرت وجه الواحة. بوخمسين، التي بدأت مسيرتها في أدب الأطفال بـ 19 قصة، نجحت في نقل براعتها في بناء الحكاية إلى عالم الرواية للكبار، محققة توازنًا دقيقًا بين الخيال والواقع التاريخي.
بلقيس الملحم: حاصلة على بكالوريوس دراسات إسلامية من جامعة الملك فيصل، وتميزت بكتابة الرواية والقصة والشعر. في روايتها "بيجمان" ومجموعتها "أرملة زرياب: قصص من العراق"، تظهر الملحم كصوت إنساني عابر للحدود، محققة جوائز دولية مثل جائزة ناجي نعمان ووسام المرأة القاصة. نصوصها تتميز بمسحة من الحزن الوجودي واللغة الشاعرية الرفيعة.
رجاء البوعلي: تساهم بفاعلية في المشهد السردي، حيث ترصد التحولات الاجتماعية والنفسية في المجتمع السعودي المعاصر، وتعد واحدة من الأسماء التي تؤكد على استمرارية العطاء الأدبي للمرأة في الأحساء.
أصوات أخرى من الواحة
تكتمل الخريطة الأدبية للأحساء بأسماء روائيين استطاعوا أن ينقلوا تفاصيلها الثقافية إلى المشهد العربي:
ناصر الجاسم: روائي وقاص يتميز بقدرته على التقاط التفاصيل الدقيقة للمكان، وتحويلها إلى صراعات درامية مكثفة.
عبد الله الوصالي: يميل في رواياته إلى التحليل النفسي وسبر أغوار الشخصيات وتناقضاتها في ظل التحولات الكبرى.
محمد عبدالله بوموزة: ركز على روايات الجريمة والغموض عبر عدة روايات منها "ميت قبل أن أموت".
فهد المصبح: يمثل استمرارية للرواية التي تهتم برصد الواقع الاجتماعي والتحولات التي طرأت على مجتمع الواحة بعد الطفرة الاقتصادية.
التحليل السردي: المكان بوصفه تجربة ومعاناة
المكان في روايات الأحساء لا يقتصر على كونه إطارًا هندسيًا، بل هو تجربة تحمل معاناة الشخصيات ورؤيتها للعالم.5 فالأحساء في نصوص خليل الفزيع وحسن الشيخ هي "هوية روائية" نابضة بالحركة، تساهم في تحديد الزمان وربط اللحظات التاريخية ببعضها البعض. إن "فوضى الأمكنة" في الرواية الجديدة بالمنطقة تعكس موقف الأبطال من التحولات الاجتماعية المتسارعة. لقد استطاع الروائي الأحسائي أن يحول "الجغرافيا الصامتة" إلى "كائن حي" ينبض بالحكايات. فالنخلة ليست مجرد شجرة، بل هي شاهد على قرون من الكدح، والعيون الفوارة ليست مجرد مصدر للماء، بل هي رمز للعطاء المتجدد رغم قسوة الصحراء. إن هذا التفاعل العميق بين السارد ومكانه هو ما منح الرواية الأحسائية خصوصيتها وتميزها في المشهد الأدبي السعودي. إن دراسة "روايات من الأحساء" تكشف عن منطقة لا تكتفي بإنتاج التمر والماء، بل تنتج وعيًا أدبيًا رفيعًا. لقد كانت الرواية الأحسائية هي "المرآة" التي عكست التوترات بين القديم والحديث، وبين المركز والهامش. من خلال أكثر من 90 رواية، استطاع أدباء هذه المنطقة أن يوثقوا التحولات الاقتصادية (من الزراعة إلى البترول)، والتحولات الاجتماعية (من الانغلاق إلى الانفتاح التعليمي)، والتحولات الثقافية (من الحكاية الشفهية إلى الرواية العالمية). تظل الأحساء، بأسوارها، نخيلها، عيونها، وأحيائها العريقة، مصدر إلهام لا ينضب. والروائيون الذين استعرضناهم في هذا التقرير، من غازي القصيبي برؤيته العالمية، إلى أسامة المسلم بخياله الجامح، ومن ريادة بهية بوسبيت إلى عمق أسماء أبو خمسين، يمثلون جميعًا خيوطًا في نسيج واحد يشكل "الخريطة الأدبية السعودية". إن الرواية في الأحساء هي بحق "ابنة المدينة" التي استطاعت أن تفكك تفاصيلها، وتتغلغل في وجدانها، وتعلن للعالم أن في هذه الواحة حكايات تستحق أن تُروى بلسان سردي طويل وعميق.
.png)

تعليقات