top of page

روايات من الطائف

تاريخ التحديث: قبل 3 أيام


لم تكن الطائف، تلك المدينة المعلقة في خاصرة الغيم فوق جبال السروات، مجرد رقعة جغرافية عابرة في تاريخ الجزيرة العربية، بل شكلت منذ العصور الغابرة "رئة ثقافية" ومركزاً استراتيجياً تتقاطع فيه قوافل التجارة وقوافل الشعر. فبينما كانت مكة المكرمة تمثل المركز الديني والروحي، كانت الطائف بأسوارها وبساتينها وسوق عكاظ الشهير، تمثل الفضاء الدنيوي المترف، والساحة الفكرية التي تُختبر فيها المواهب وتُعقد فيها ألوية الفصاحة. هذا الإرث الثقيل، الممتد من عصر المعلقات وقضاة الشعر، لم يندثر مع تحولات الزمن، بل أعاد تشكيل نفسه ليتناغم مع مقتضيات العصر الحديث، حيث شهدت العقود الأخيرة تحولاً جذرياً في البنية الأدبية للمدينة، مُنتقلة من "سلطة القصيدة" المطلقة إلى "ديمقراطية السرد" الروائي. إن دراسة المشهد الروائي في الطائف ليست مجرد رصد ببليوجرافي للإصدارات، بل هي حفر جيولوجي في طبقات الوعي الجمعي، واستقراء لتحولات المجتمع السعودي من خلال عدسة هذه المدينة الفريدة. فالرواية، بصفتها "ملحمة البورجوازية" كما يصفها جورج لوكاش، أو بصفتها فن المدينة بامتياز، وجدت في الطائف تربة خصبة، لكنها تربة مغايرة؛ فهي مدينة ليست ككل المدن، تجمع بين قسوة الجبل ورقة الورد، بين الانغلاق الاجتماعي والانفتاح السياحي، بين الميثولوجيا القديمة (اللات والعزى) والواقعية الحديثة الصارمة. تغوص هذه الدراسة في سيميائية المكان الطائفي وكيفية تمثيله في الرواية الخيالية، بعيداً عن كتب التاريخ أو أدب الرحلات، مركزةً على المتخيل السردي الذي صاغه روائيون بارزون جعلوا من الطائف وقراها (مثل بني سعد، ميسان، وأم الدوم) محوراً لإبداعهم. يسعى هذا التقرير البحثي الموسع إلى تقديم قراءة استقصائية شاملة للمنجز الروائي في الطائف، مُفككاً النصوص المؤسسة والتجريبية على حد سواء. سننطلق في رحلة تبدأ من استنطاق التاريخ المسكوت عنه في "نذير الطائف"، مروراً بالواقعية الاجتماعية المجهضة في "طائف الأنس" و"قبل أن يوصد الباب"، وصولاً إلى التجريب الغرائبي في "سادن"، والبحث عن الذات الأنثوية في "قالب السعادة". كما سنفرد مساحة تحليلية واسعة لظاهرة "أدب الجريمة" الصاعدة مع عثمان عابد، ونقرأ تجارب الروائيين المخضرمين والشباب، لنخلص في النهاية إلى بناء نموذج سيميائي للمكان الطائفي ومستقبله السردي.


الجذور التأسيسية وتمثيلات المكان الأول في الرواية الطائفية

بدأت الرواية في منطقة الحجاز، ومنها الطائف، تأخذ شكلها الفني مع بواكير الإنتاج الروائي السعودي الذي سعى لتجسيد البيئة المحلية كجزء من بناء الهوية الوطنية. وتعتبر رواية الانتقام (الانتقام الطبعي) لمحمد نور جوهري (1935م) من أوائل الروايات السعودية، وتدور أحداثها حول شاب غني ينفق ماله في اللهو، ثم يقرر الانتقال من الطائف إلى مكة المكرمة بعد تعرضه للاحتيال، لتبدأ هناك مرحلة جديدة من حياته. الرواية تضع الطائف كفضاء للانطلاق والتحول النفسي والاجتماعي. أما رواية فكرة لأحمد السباعي (1948م) تعتبر أول رواية محلية بطلتها امرأة، وهي شخصية "فكرة" الفتاة البدوية المتعلمة من "وادي ليه" التابع للطائف. تعالج الرواية صراع العادات والتقاليد والانفتاح على العالم من خلال التفاعل بين الشخصية الطائفية والشاب القادم من مكة. هذه الرواية لم تكن مجرد رصد مكاني، بل كانت محاولة لفهم التحولات الاجتماعية التي عصفت بالمنطقة، حيث طرحت أزمة العلاقة بين القيم الإنسانية القروية والنزعة البراغماتية النفعية في المدينة. ورغم أن هذه الأعمال كانت تلمس المكان بشكل عام، إلا أنها وضعت الأساس لظهور رواية متخصصة في "سيرة المكان"، حيث أصبحت الطائف وقراها مجالاً خصباً للدراسة النقدية لإضاءة أبعاد المكان في الروايات السعودية اللاحقة. إن هذه الأعمال مهدت الطريق لظهور جيل التسعينيات وما بعده، الذين حولوا الطائف من "مصيف" عابر في الأدب إلى "منطقة روائية خصبة" تُنتج نصوصاً تتجاوز مهادنة الواقع إلى البناء على المختلف، وصولاً بالحزم التعبيرية إلى أقصاها.


محمد المنصور الشقحاء وسردية الأحياء العتيقة والتحولات المدنية

يبرز اسم محمد المنصور الشقحاء كأحد أهم الأعمدة التي قامت عليها الحركة السردية في الطائف، حيث ارتبط اسمه بالمدينة منذ عام 1388هـ حين انتقل للعمل في إدارتها التعليمية، وساهم بشكل فعال في تأسيس نادي الطائف الأدبي عام 1395هـ. ورغم أنه ولد في الرياض، إلا أن الطائف كانت هي الحاضنة الحقيقية لتجربته الروائية والقصصية، حيث جعل من أحيائها العتيقة فضاءً سردياً متكاملاً. في روايته "النديم" (2012م)، يستدعي الشقحاء تفاصيل الحياة في بيوت الطائف الطينية، حيث كان منزله في حي الشرقية هو النواة الأولى لمكتبته وتكوينه الأدبي. الرواية هنا ليست مجرد استعادة للذكريات، بل هي إعادة بناء للمكان ككائن حي يشهد على التحولات الاجتماعية والعمرانية. تبرز روايته "النديم" كعمل يستكشف العوالم الإنسانية في سياق محلي، مستفيداً من مراقبته الدقيقة للمجتمع الطائفي عبر عقود. تتميز أعمال الشقحاء بقدرتها على التقاط "اللحظة الطائفية" بكل تفاصيلها؛ فمن "حي الحلقة الغربية" إلى "حي الشرقية"، ينسج الروائي خيوط شخصياته التي تعاني من الحنين وتصارع من أجل البقاء في وجه التغيرات. إن مكتبته الخاصة، التي تفردت بجمع الكتاب العربي السعودي، كانت بمثابة المرآة التي عكست اهتمامه بتوثيق المكان سردياً، بعيداً عن التقريرية التاريخية. تتعدد إصدارات الشقحاء التي تتخذ من الطائف وقراها مسرحاً أو خلفية أساسية، وهي تعكس تطور أدواته الفنية من القصة القصيرة إلى الرواية ومجموعته القصصية الزهور الصفراء (1984م) تستلهم من طبيعة الطائف وأجوائها رموزاً سردية للتعبير عن الذات. إن الشقحاء، بصفته "المثقف العصامي"، لم يركن إلى الشهادات بل حفر مشواره بصبر، مدركاً أن القصة هي النواة والأساس لمشهد الرواية، وهو ما جعله رائداً في صياغة مشهد السرد الحكائي في المنطقة.


عواض شاهر العصيمي وملحمة الصحراء والجبل في بني سعد وما جاورها

يمثل الروائي عواض شاهر العصيمي صوتاً استثنائياً في الرواية السعودية، حيث غاص في تفاصيل البيئة القروية والبدوية المحيطة بالطائف، وتحديداً في مناطق "بني سعد" التي تشكل عمقاً تاريخياً واجتماعياً للمنطقة. بدأت رحلته السردية من مطلع عام 1986م، لكن أعماله الروائية الكبرى مثل "قنص" (2005م) و"المنهوبة" (2009م) هي التي كرست اسمه كروائي يجيد التعامل مع "المكون البدوي" وتناقضاته الصارخة. في رواية "قنص"، تتحول الصحراء والجبال المتاخمة للطائف من فضاءات صامتة إلى "ملاذ آمن ومصدر خوف" في آن واحد. يستعرض العصيمي في هذا العمل علاقة الإنسان بالأرض من خلال ثيمة "الصيد" و"المطاردة"، حيث تبرز شخصية "فرحان القناص" و"هذلا" لتعبر عن صراع البقاء.إن استخدام "المقراب" أو "الدربيل" في الرواية كأداة للمراقبة والتربص يضفي بعداً فنياً وفلسفياً على العلاقة بين الذات والجبل؛ فالمراقب يرى الجبل كعلامة ثابتة يتلاعب بها السراب، بينما يتحرك هو على سفحه كعلامة متغيرة تبحث عن حقيقتها. وفي عام 2009 نشر عواض شاهر العصيمي رواية ”المنهوبة“ (صدرت عن نادي حائل الأدبي ومؤسسة الانتشار العربي). وإذا كانت أعماله السابقة قد انغمست في رمال البادية، فإن المنهوبة حملت القارئ إلى مدينة الطائف وإلى نبض الحياة اليومية فيها. تتألف الرواية من تسعة فصول، وتركز على شخصيات رئيسية مثل ”سلمان“ و”جبر“ و”منازل“. يفتتح العصيمي الرواية بوصف دقيق لأحياء الطائف وأزقتها، متنقلًا بين مناطقها من حي النخب إلى الجال ثم جبرا فغيرها من الأحياء التاريخية، كأنه ”يتنقل بالقارئ في أحياء مدينة الطائف وأزقتها وحواريها“. في شخصية ”سلمان“ يمزج الروائي بين وجهين من ثقافة الطائف: فن المجرور (وهو رقصة فلكلورية حجازية مشهورة في الطائف) وبين عمل سلمان كسائق ينقل الركاب بسيارته. هذا المزج سمح للعصيمي بأن يقدّم بانوراما تفصيلية لحياة الناس في الطائف، جامعًا بين الفن الشعبي (لعبة المجرور وأغانيها) وتفاصيل المهنة اليومية المتمثلة في قيادة السيارة ومجالسة الركاب والاستماع لقصصهم. يعلّق أحد الكتّاب في صحيفة المدينة على ذلك بقوله إن الرواية نجحت في نقل أدق تفاصيل حياة الناس بالطائف عبر تنقل الشخصيات في فضاءات المدينة المختلفة. وليس ذلك فحسب، بل تحمل المنهوبة بُعدًا بوليسيًا وتشويقيًا أيضًا، يتجلى في حبكة الرسائل الغامضة التي يكتبها ”جبر“ لـ”منازل“ وشكوك ضابط التحقيق حول صحّتها. من هذه الرسائل مثلاً رسالة يكشف فيها جبر سرًا صادمًا عن نسبه الحقيقي وعلاقته بالشخصية الأخرى ”مرزوق أبو ريال“، وهو سرّ يقلب فهمنا لعلاقات الشخصيات رأسا على عقب. لعلّ عنوان الرواية ”المنهوبة“ – أي المسلوبة أو المسروقة – يومئ إلى ما تسلبه الحياة من شخصياتها: براءتهم ربما، أو حقوقهم، أو حتى أحلامهم في خضم صراع اليومي. لقد قدّم العصيمي في هذه الرواية صورة حيّة لمدينة الطائف في منعطف زمني، بواقعية اجتماعية ممزوجة بلمسة من الغموض، مما أكد تنوّع مواضيعه الروائية وقدرته على الخوض في بيئات سردية مختلفة (من الصحراء إلى المدينة).


«سارد الصحراء» تقرير جدير بالقراءة عن تجربة عواض شاهر العصيمي من إعداد أكاديمية الأدب:


استعادة الصوت المنسي.. التاريخ والميتا-سرد في "نذير الطائف"

في محاولة جريئة لإعادة كتابة التاريخ من وجهة نظر "الخاسر" أو "الآخر"، يقدم الروائي محمد يحيى عمله السردي الضخم "نذير الطائف: دعوة أمية بن أبي الصلت" الصادرة عام 2025 عن دار الرواق للنشر والتوزيع. هذه الرواية لا تكتفي بكونها سرداً تاريخياً، بل هي وثيقة نفسية وفلسفية تغوص في أعماق واحدة من أكثر الشخصيات إشكالية في تاريخ العرب قبل الإسلام. تتمحور الرواية حول شخصية "أمية بن أبي الصلت"، الشاعر الحنفي الثقفي الذي قضى حياته مبشراً بظهور نبي، وقرأ الكتب المقدسة، ونبذ عبادة الأصنام، ليهيئ نفسه ليكون هو "المختار". لكن المأساة، كما يصورها محمد يحيى، تقع حين تأتي النبوة لرجل آخر من قبيلة منافسة (قريش)، وهو محمد بن عبدالله (صلى الله عليه وسلم). يفتتح الكاتب روايته بمونولوج داخلي يقطر مرارة، يختزل الصراع النفسي لأمية:

"أيضيع هذا كلُّه ويهون على الله، ثم يبعثُ رجلًا من قريش لم يخرج في سبيله ساعة من نهار؟! أيخذلني ربي وقد نصرتُه؟ يحابي عليَّ محمدًا وقد كنتُ أكلمُ سادات قيسٍ في حقِّه وشرعته لا أخاف فيه لومة لائم ولا غدرة غاشم، ومحمدٌ يرعى الغنم في ظاهر مكة! أيسعى الرجلُ إلى ربه فيجافيه؟!". يقدم يحيى شخصية أمية كنموذج للمثقف النخبوي الذي يرى الدين استحقاقاً معرفياً وطبقياً، لا اصطفاءً إلهياً مجرداً. تتجلى في الرواية عدة مستويات للصراع:

  1. الصراع القبلي (ثقيف vs قريش): لا يمكن فصل موقف أمية عن الصراع السياسي والاقتصادي بين الطائف ومكة. يرى أمية في نبوة محمد انتصاراً لقريش على ثقيف، مما يجعله يرفض الاعتراف بها رغم يقينه بصدقها. هذا البعد السوسيولوجي يمنح الرواية واقعية تاريخية تتجاوز التفسير الديني التقليدي للكفر.

  2. أزمة المثقف والسلطة: يمثل أمية "المثقف" الذي يملك المعرفة (الكتب القديمة)، بينما يمثل النبي "الأمي" الذي يملك الوحي. الصدام هنا هو صدام بين المعرفة المكتسبة (الجهد البشري) والحقيقة المطلقة (الوهب الإلهي). الرواية تبرز هذا الشرخ: "أيسعى الرجلُ إلى ربه فيجافيه؟!".

  3. انخرام النبوة: يصف الناشر الرواية بأنها تكشف "حكاية نبي انخرمت نبوته". هذا التعبير البليغ يصف الحالة البرزخية التي عاشها أمية؛ فهو لم يعد جاهلياً، ولم يصبح مسلماً، بل ظل عالقاً في منطقة رمادية قاتلة، تآكلت فيها روحه بالحسد واليأس.


لجأ الروائي إلى حيلة "المخطوطة المكتشفة" (Found Manuscript) لإضفاء شرعية تاريخية على نصه المتخيل. تبدأ الرواية بإطار سردي معاصر، حيث يجلس السارد مع صديقه "أحمد" في القاهرة عام 2020، في لحظة وداع قبل سفر أحمد، ليسلمه الأخير أوراقاً غامضة، تكشف لاحقاً عن صوت أمية بن أبي الصلت القادم من القرن السادس الميلادي. في مقدمة هذه المخطوطة المفترضة، يقول أمية: "لقد قررت أن أقول الحق.. كل الحق.. ولا شيء غير الحق. عن حجيجي في هذه الدنيا.. عن نفسي وعن الآخرين". هذا القسم يمثل "ميثاقاً سردياً" (Narrative Pact) يبرمه البطل مع القارئ، موهماً إياه بالصدق المطلق، بينما هو في الحقيقة يقدم سردية ذاتية مشبعة بالتبرير (Apology). يقول أمية في تبريره لكتابة مذكراته: "ليس من حقه أبدًا [يقصد التاريخ أو الآخرين] أن يعرض الآخرين على الناس في الصورة التي يختارها هو لهم".هنا يبرز وعي الكاتب محمد يحيى بأهمية "امتلاك السردية"؛ فأمية يكتب ليدافع عن صورته أمام التاريخ، ليعيد تشكيل السردية التي شوهها انتصار خصمه. تُعد الرواية، التي تقع في 260 صفحة، إضافة نوعية للمكتبة العربية في باب "الروايات التاريخية النفسية". تشير المراجعات إلى أن الكاتب نجح في خلق لغة تحاكي الفصاحة الجاهلية دون أن تسقط في وحل التقعر اللغوي المنفر، مستخدماً تراكيب قرآنية وشعرية تخدم الجو العام. اقتباسات القراء مثل: "أما محمد، فلم يكن مثلك، بل كان رجلاً أميناً، لا يتكلف القول" ، تشير إلى أن الرواية، رغم تبنيها لوجهة نظر أمية، إلا أنها حافظت على توازن دقيق يظهر عظمة النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) من خلال عيون خصمه، وهو ما يسمى في النقد بـ"المدح بما يشبه الذم" أو الاعتراف الاضطراري.


سوسيولوجيا المدينة.. بين رومانسية "الأنس" وواقعية "الباب الموصد"

إذا كانت "نذير الطائف" تنبش في ذاكرة الجاهلية، فإن الرواية الاجتماعية الحديثة في الطائف تتصدى لتحولات المدينة المعاصرة، راصدة التوتر القائم بين الصورة الذهنية الحالمة للطائف (مدينة الورد والمصيف) والواقع الاجتماعي المعقد.


  • رواية سيرة حمى - خالد اليوسف

تُعد رواية «سيرة حمى» للروائي خالد أحمد اليوسف (2021) عملاً سرديًا ينتمي إلى سرديات الجائحة والعزلة، لكنها تتجاوز التوثيق الزمني المباشر إلى بناء تجربة روائية تتأمل هشاشة الإنسان المعاصر أمام حدث كوني مفاجئ. لا يتعامل النص مع الوباء بوصفه واقعة طبية فحسب، بل يُعيد صياغته كقوة وجودية تتدخل في أدق تفاصيل الحياة اليومية، وتفرض إعادة نظر جذرية في العلاقات الإنسانية وأنماط العيش واليقين السابق. تعتمد الرواية بنية سردية مركبة تتدرج من الواقعي إلى التجريبي، حيث ينتقل السرد من رصد الحياة قبل الجائحة إلى لحظة الصدمة، ثم إلى مستوى فني أعلى يستلهم فن المقامة بوصفه أداة للسخرية والنقد الاجتماعي. هذا الخيار الأسلوبي لا يأتي تزيينيًا، بل يعمل على تفكيك فوضى الواقع عبر لغة منضبطة وإيقاع بلاغي، يجعل من التراث ملاذًا تعبيريًا حين تعجز اللغة المباشرة عن احتواء التجربة. في قلب هذه العزلة القسرية، تحضر الطائف حضورًا استعادياً كثيفًا، بوصفها جغرافيا نفسية وفضاءً مضادًا للانغلاق. تستدعي الرواية أحياءها القديمة، ومعالمها التاريخية، وأوديتها وجبالها، لتصبح المدينة ذاكرةً حيّة تقف في مواجهة الحجر الصحي. الطائف هنا ليست مسرحًا للأحداث، بل صورة للحياة المفتوحة والحرية المفقودة، ومعادلًا موضوعيًا للصحة النفسية في زمن الخوف. كما تقدم الرواية تشريحًا اجتماعيًا دقيقًا لتحولات العلاقات الأسرية والجندرية تحت ضغط الجائحة، مستثمرة حيلة المجلس الافتراضي لإبراز أصوات النساء، وكشف اهتزاز صورة الرجولة التقليدية. في هذا السياق، تتبدل موازين السلطة داخل البيت، وتنكشف هشاشة الأدوار الراسخة، في معالجة سردية تجمع بين السخرية والمرارة والوعي النقدي. على مستوى التقنيات، تبرز هيمنة الوصف والتناص بوصفهما ركيزتين أساسيتين في بناء النص؛ فالوصف يتحول إلى أداة لاستعادة العالم المفقود، بينما يشكّل التناص التراثي والشعري سجلًا ثقافيًا للجائحة. وبهذا، تكرّس «سيرة حمى» موقعها ضمن روايات الطائف بوصفها نصًا يجعل من المكان ذاكرةً منقذة، ومن اللغة حصنًا أخيرًا للإنسان في زمن الانغلاق.


  • رواية طائف الأنس - عبدالعزيز الصقعبي

في روايته "طائف الأنس" (2011)، يقدم الروائي عبدالعزيز الصقعبي نصاً صادماً ومكثفاً (158 صفحة) 8، يفكك فيه الرومانسية التقليدية المرتبطة باسم الطائف. العنوان "طائف الأنس" يستدعي فوراً الموروث الغنائي (طلال مداح: "يا طائف الأنس يا مصيف بلادي")، محملاً بدلالات البهجة، السمر، والحرية النسبية التي يتيحها فضاء المصيف. لكن الرواية، كما تشير الدراسات النقدية والمراجعات، تقدم نقيضاً تاماً لهذا العنوان. الرواية تروي قصة حب يعيشها "إنسان حالم" ممتلئ بالأدب والشعر، يصطدم بـ"عالم صعب مغلق" يقضي على الأحلام. هذا التناقض بين جغرافية المكان (المنفتحة، الجميلة، الضبابية) وسوسيولوجيا المجتمع (المحافظ، الوظيفي، الضاغط) يشكل العصب الرئيسي للعمل. لا يُحمل الصقعبي المسؤولية لأفراد بعينهم بقدر ما يحملها للمنظومة الاجتماعية ككل. البطل يجد نفسه مكبلاً بقيود لا فكاك منها، تدفعه للتخلي عن طموحاته الأدبية والعاطفية. الرواية ترصد فترة زمنية حرجة كانت فيها الطائف، والمملكة عموماً، تعيش مخاضات التحول، مما جعل "الرومانسية" ترفاً لا يمكن تحمله في واقع يطحن الأفراد.


  • رواية قبل أن يوصد الباب - سعد الغريبي

ينتقل الروائي سعد الغريبي في روايته الضخمة "قبل أن يوصد الباب" (2023) إلى مستوى آخر من المعالجة الاجتماعية، متجاوزاً الهم الفردي إلى الهم الجمعي والتاريخي، رابطاً مصير الطائف بمصير الجار الجنوبي (اليمن). تمتد أحداث الرواية زمنياً من ستينيات القرن العشرين، وتحديداً مع اندلاع الحرب بين الجمهوريين والملكيين في اليمن، وصولاً إلى عام 2022. هذا المدى الزمني الطويل يسمح للغريبي برسم "بانوراما" للتحولات الديموغرافية والاجتماعية في الطائف، التي كانت حاضنة لموجات من الهجرة والعمل. تبدأ الرواية بمشهد "جلسة قات" في صنعاء، مما يؤسس للجذور، ثم تنتقل الكاميرا السردية لترصد حياة المغتربين في السعودية، وتحديداً في قطاع البناء والتعمير الذي نهضت عليه المدن السعودية الحديثة. تشكل الطائف المسرح الرئيسي الذي تنكشف فيه أخطر أسرار الرواية. شخصية "أحمد قايد"، اليمني الذي قضى خمسين عاماً في الغربة، يقرر العودة لبلاده "قبل أن يوصد الباب"، مطلقاً حكمته الوجودية التي صاغت عنوان الرواية. لكن الذروة الدرامية تتجلى في شخصية "حسين حمود منصور"، الذي يعيش في الطائف، ليكتشف الحقيقة الصاعقة: أحمد قايد ليس مجرد قريب، بل هو والده الحقيقي، وأن أمه تعيش معه في نفس المدينة (الطائف) على بعد دقائق منه دون أن يعلم. يقول حسين في لحظة مكاشفة مؤلمة: "لقد أخطأ أحمد قايد حين أبلغه أنه أبي، وأن أمي تعيش معه في مدينة الطائف نفسها التي أسكنها، وأنها لا تبعد عني إلا بضع دقائق بالسيارة". هنا تتحول الطائف من مدينة للسكن إلى "متاهة للهوية". كيف يمكن لمدينة متوسطة الحجم أن تخفي أماً عن ابنها لعقود؟ هذا السؤال يطرح إشكاليات حول طبيعة العلاقات الاجتماعية، ونظام الكفالة، والعزلة التي يعيشها الوافد والمقيم، وكيف تتشكل الهويات الهجينة في ظل الصمت والكتمان.


رواية قالب السعادة - مناهل سندي

تقدم الكاتبة مناهل محمد سندي في روايتها "قالب السعادة" (388 صفحة، 2023) رؤية نسوية للمكان الطائفي، وتحديداً "البستان" أو الريف الطائفي، باعتباره منفى وملاذاً في آن واحد. تدور الأحداث حول "رغد"، التي تُنفى من قبل أحب الناس إليها لتجد نفسها وحيدة في "مبنى أثري" وسط بساتين الطائف، مسؤولة عن "شاحنة حلويات". على خلاف الروايات التي تركز على المدينة الأسمنتية، تعيد سندي الاعتبار لريف الطائف. البستان هنا ليس مكناً للنزهة، بل هو "منفى". لكن هذا المنفى يتحول تدريجياً إلى فضاء لاكتشاف الذات.

  • الرمزية: "قالب السعادة" ليس مجرد قالب حلوى تصنعه البطلة، بل هو استعارة للقوالب الاجتماعية الجاهزة التي تُفرض على النساء (الزواج، الوظيفة التقليدية، الصورة النمطية).

  • عنصر التشويق: تكسر الكاتبة رتابة السرد الذاتي بإدخال خيوط من الغموض تهدد شخصية "ليلى"، مما يطرح تساؤلات حول جدوى "القالب" الذي وضعته لنفسها.15 الرواية تناقش بذكاء: هل يمكن صناعة السعادة كما نصنع الحلوى؟ وهل الطائف، بهدوء بساتينها، قادرة على شفاء جروح نسائها؟


الواقعية السحرية وأسطورة المكان.. عوالم "سادن"

في رواية "سادن"، يغادر الدكتور جريدي المنصوري فضاء المدينة الحديثة ليعود بنا إلى "ديار بني سعد" والقرى الجنوبية للطائف، مقدماً عملاً ملحمياً ينتمي بامتياز لتيار "الواقعية السحرية". تتميز "سادن" بكثافة مكانية مذهلة. فالكاتب لا يذكر الأماكن كخلفيات، بل يوثقها بدقة المسّاح وشاعرية العاشق. الأودية، الشعاب، الجبال، وقرى بني سعد، تحضر بأسمائها وتضاريسها، مما يجعل الرواية "خارطة سردية" للمنطقة. تتقاطع في الرواية خطوط الطول والعرض السردية، فبينما يسير البطل في خط أفقي (رحلة البحث)، يغوص السرد عمودياً في ذاكرة المكان. تنبني الرواية على رحلة بحث شاقة يقوم بها البطل "جهار" ورفيقه "ذيبان" عن جمل مفقود يُدعى "غراب". هذا "الفقد" هو المحرك الأساسي للحبكة، لكنه يتحول من بحث عن حيوان إلى بحث عن معنى.

  • دلالة الأسماء: اختيار اسم "جهار" للبطل ليس عبثياً؛ فجهار كان صنماً ومعبوداً لقبيلة هوازن في الجاهلية (رابع المعبودات الكبرى). استحضار هذا الاسم يربط الحاضر بالماضي الوثني للمنطقة، ويضفي هالة من القداسة والغموض على الشخصية.

  • الميثولوجيا المحلية: تمتلئ الرواية بالكائنات والعناصر العجائبية: "البعير المجنح" الذي يتصدر الغلاف، قصص الجن في "وادي عبقر" (الذي يُعتقد أنه مسكن شعراء الجن)، وأسطورة "محمدة" (زعفران) المرأة التي تمتلك قدرات خاصة.

  • التداخل الزمني: يمزج المنصوري بين زمنين: زمن السرد الآني (الرحلة)، وزمن الذاكرة المسترجعة. يظهر هذا بوضوح في مشهد مغادرة جهار للطائف عائداً إلى قريته "عبقر"، حيث تلاحقه الهواجس والذكريات، مما يبرز التوتر بين "المدينة" (كمكان للدراسة والاغتراب) و"القرية" (كمكان للجذور والأسرار).


يستخدم النقاد استعارة "السدو" (النسيج البدوي) لوصف بناء الرواية؛ فالمنصوري يفتل خيوط الواقع بالأسطورة، والحقيقة بالخرافة، لينسج نصاً متماسكاً يشبه سجادة بدوية معقدة النقوش.17 هذا العمل يُعد وثيقة أنثروبولوجية هامة تحفظ مرويات المنطقة الشفهية من الاندثار، وتعيد إنتاجها في قالب روائي حداثي.


عثمان عابد وتأسيس "أدب الجريمة "

في تحول لافت عن المسارات التقليدية (التاريخية، الاجتماعية، الأسطورية)، يبرز اسم الروائي الشاب عثمان عابد كظاهرة فريدة في المشهد الأدبي بالطائف، حيث استطاع "تبيئة" (Localization) أدب الجريمة والرعب (Thriller/Horror)، جاعلاً من شوارع الطائف وساحلها مسرحاً لجرائم غامضة ومطاردات بوليسية.


  • رواية سفاح الأزقة

في روايته "سفاح الأزقة" (للمحقق أديم)، يضرب عثمان عابد على وتر حساس: "الأمان". الطائف، المدينة الوادعة، تستيقظ على سلسلة جرائم مروعة. سوق الرواية نفسها بعبارة: "القضية التي هزت الطائف بل المملكة بأسرها".21 هذا التضخيم الدرامي ضروري لبناء التوتر. القاتل هنا ليس مجرماً عادياً، بل "سفاح" (Serial Killer)، وهو مفهوم حديث نسبياً في الأدب السعودي. يستغل عابد "أزقة" الطائف القديمة، بظلالها ومنعطفاتها الضيقة، لخلق جو من "النوآر" (Noir). الأزقة هنا ليست مجرد ممرات، بل هي شرايين للموت والخوف.


  • رواية طائفة الشعيبة

ينقل عابد الرعب في روايته الثانية "طائفة الشعيبة" من الجبل إلى الساحل. "الشعيبة"، الميناء التاريخي لمكة الذي تحول لاحقاً إلى منطقة شاليهات ومنتجعات (بعضها مهجور)، يوفر بيئة مثالية للرعب (Gothic setting). تبدأ القصة بإجازة عائلية للمحقق "أديم" تتعكر بسماع إطلاق نار. يقوده الفضول لاكتشاف "منتجع مهجور" بداخله مسرح جديد، و"رأس ماعز يقطر دماً"، ورسوم لـ"نجمة خماسية".هذه الرموز (Satanic Imagery) تشير إلى وجود "طائفة" تمارس طقوساً غريبة. تتشعب الأحداث لتربط بين "الشعيبة"، و"مكة"، وحتى "تايلاند". يظهر شخصيات مثل "نعمان" و"مسعود" و"بركات"، وتدور صراعات حول الثروة والاتجار بالبشر. رغم النجاح الجماهيري الكبير (خاصة بين الشباب)، واجهت الرواية انتقادات نقدية. يشير القراء إلى أن "الحبكة ضعيفة" أحياناً ويمكن التنبؤ بالمجرم، وأن استخدام "اللهجة العامية" في الحوارات أضعف من جمالية السرد. ومع ذلك، يُحسب لعابد جرأته في طرق مواضيع "التابو" (طوائف، طقوس دموية) وكسر نمطية السرد المحلي.


أصوات روائية وتجارب متجددة

إلى جانب التيارات السابقة، يزخر المشهد الطائفي بتجارب فردية تستحق التوقف، تمثل تنويعات على وتر السرد.


  • رواية سدرة المنتهى - أحمد الهلالي

أحمد الهلالي، المعروف كشاعر ومثقف فاعل في النادي الأدبي، قدم روايته "سدرة المنتهى". يرى الهلالي أن الرواية وفرت له "مساحة أوسع لبوحي"، وجسراً بين الواقع والخيال. العنوان يحيل إلى مقام سامٍ في الموروث الديني (أقصى ما ينتهي إليه علم الخلائق). الرواية تناقش "مآزق الإنسان العربي"، مما يوحي بأنها رواية أفكار (Novel of Ideas) أكثر منها رواية حدث، تسعى لمقاربة الهموم الوجودية بلغة شعرية مكثفة.


  • رواية شهريار - خلف القرشي

يقدم القاص والمترجم خلف القرشي في روايته "شهريار" (2022) لعبة سردية ما بعد حداثية (Post-modernist). يبني القرشي نصه على أنقاض "ألف ليلة وليلة". يظهر "مارد" للبطل ويطلب منه استحضار الملك شهريار لمحاكمته أو سؤاله: "لماذا كنت صامتاً؟". تتبنى الرواية وجهة نظر دفاعية عن شهريار. فبدلاً من اعتباره سفاحاً للنساء، تقدمه الرواية كـ"فنان وإنسان" كان يقتل "بدافع الملل" والبحث عن الكمال، وعن امرأة تحبه لذاته.يمزج القرشي بين الفانتازيا والواقعية، مستفيداً من خبرته في القصة القصيرة جداً، مما يجعل النص مكثفاً ومتقشفاً في لغته.


  • رواية فجر- عبدالرحمن حامد الثقفي:

يطل عبدالرحمن الثقفي بروايته "فجر" (2025) عن مؤسسة الانتشار العربي. صدور الرواية حديثاً (2025) يؤكد استمرارية التدفق الروائي في الطائف. ورغم شح التفاصيل حول الحبكة، إلا أن العنوان يشي بالبدايات والتحولات، وتُصنف ضمن "الرواية السعودية الحديثة".


مقبول العلوي وسيميائية المكان في "أم الدوم" والارتحال الحجازي

رغم أن مقبول العلوي ينتمي لمدينة القنفذة، إلا أنه في تجربته الروائية رغم اهتمامه بالارتحال الحجازي والتاريخ الاجتماعي، قدم في رواية "سنوات الحب والخطيئة" (2011م) مثلاً بيئة جغرافية متميزة سماها "جزيرة أم الدوم". ورغم الصبغة الروائية للمكان، إلا أنه يتقاطع بشكل لافت مع منطقة "أم الدوم" الواقعة شمال الطائف، حيث استطاع العلوي توظيف المكان كعنصر أساسي في صنع الأحداث ورسم الرموز من خلال قصة البطل "حسان" وعلاقته ببيئته. في هذا العمل، يقدم العلوي مجموعة من الشخصيات التي تعيش في بيئة جغرافية واحدة، مبرزاً أسلوبه في التعامل مع المكان كعنصر أساسي ومقوم للحدث الروائي. تتناول الدراسة النقدية لهذه الرواية كيف شكل المكان مجموعة من الوظائف والقيم، وشارك في صنع الأحداث ورسم الرموز من خلال قصة البطل "حسان" وعلاقته بـ "رحمة". كما يبرز اهتمامه بالتاريخ الاجتماعي للمنطقة في روايته "سفر برلك" (2019م)، التي تتبع حكاية الفتى "ذيب" من مكة إلى المدينة، مستحضراً آلام التهجير القسري والضياع في الصحاري الحجازية التي تشكل الطائف جزءاً من مساراتها التاريخية.


فهد ردة الحارثي: العبور من خشبة المسرح إلى أفق الرواية

يعد فهد ردة الحارثي من الأسماء اللامعة في سماء الإبداع بالطائف، حيث عُرف لسنوات طويلة كواحد من رواد المسرح السعودي، لكن تحوله إلى كتابة الرواية عبر عمله "في انتظار ديسمبر" شكل حدثاً ثقافياً هاماً في المدينة. الرواية التي دشنت في نادي الطائف الأدبي ضمن برنامج "رَقّ منشور"، كشفت عن وجه روائي يمتلك أدوات سردية متميزة، تمزج بين البناء الدرامي المسرحي والتدفق الروائي. أظهرت القراءة النقدية للرواية تميزها في جميع التفاصيل، بدءاً من الغلاف ووصولاً إلى فصول الرواية وشخصياتها وأبطالها. الحارثي، الذي كتب أكثر من 47 نصاً مسرحياً، استطاع في "في انتظار ديسمبر" أن ينقل "السمت الطائفي" الهادئ والعميق إلى صفحات العمل، مبرزاً جماليات المكان وتأثيره على الشخصيات التي تعيش حالة من الانتظار والترقب. إن تجربة الحارثي الروائية تعكس رغبة المبدع في الطائف في اقتحام آفاق تجريبية جديدة، حيث شجعه المجتمع الثقافي المحلي على نشر هذا العمل بعد سنوات من التردد، مما يثبت أن الطائف تظل بيئة محفزة للنمو الإبداعي في كافة الفنون.


دور المؤسسات الثقافية في دعم الرواية الطائفية

لا يمكن بمعزل عن المؤسسة الثقافية فهم تطور الرواية في الطائف؛ فقد لعب نادي الطائف الأدبي دوراً محورياً منذ تأسيسه عام 1395هـ في احتضان هذه المواهب ونشر نتاجها. ساهم النادي في إصدار عشرات الكتب التي تؤرخ للمدينة وتدعم مبدعيها، كما أطلق برامج مثل "رَقّ منشور" لتدشين الروايات الجديدة ومناقشتها نقدياً، كما حدث مع رواية فهد ردة الحارثي. كما ساهم صالون الرواية الأولى الذي أسسته الكاتبة عهود القرشي عام 2025م، ويعمل تحت مظلة جمعية الأدب والأدباء لدعم الروائيات الأولى للكُتّاب المعاصرين وإبراز أصواتهم الجديدة عبر جلسات نقدية دورية. كما شكلت المقاهي الثقافية، مثل "مقهى نجمة"، نواة لالتقاء الأدباء وتبادل الخبرات، مما خلق جواً من "المثاقفة" التي انعكست في الروايات. إن هذا التفاعل بين المبدع والمؤسسة ساعد في تجاوز "فجوة الأجيال"، وربط الشباب بجيل الرواد الذين حفروا مشوارهم بتؤدة وصبر. وأخيراً لايمكن إغفال دور الناقد عالي القرشي الذي يُعد رمزاً نقدياً وفكرياً مهماً في الطائف، وله مؤلفات أثرت الساحة النقدية مثل كتاب "تحولات الرواية في المملكة العربية السعودية" الذي حاز على جوائز كبرى، وكتاب "شخصية الطائف الشعرية".


سيميائية المكان الطائفي ومستقبل الرواية

من خلال تحليل المدونة الروائية السابقة، يمكننا رسم "خريطة سيميائية" للطائف، حيث يتجلى المكان بوجوه متعددة ومتناقضة:

الصورة السيميائية

التمظهر الروائي

الدلالة

الطائف المقدسة/المحرمة

نذير الطائف

فضاء للتنافس مع مكة، أرض الأنبياء "الضائعين" (أمية)، ومركز للصراع العقدي.

الطائف الأسطورية (فضاء العجائبي)

سادن

أرض الجن (وادي عبقر)، الحيوانات الخرافية، والذاكرة الميثولوجية لبني سعد.

الطائف الرومانسية (الفردوس المفقود)

طائف الأنس، قالب السعادة

مدينة الورد والبساتين التي تعد بالسعادة والشفاء، لكنها قد تتحول إلى منفى.

الطائف المتاهة (فضاء الهوية)

قبل أن يوصد الباب

المكان الذي تختلط فيه الأنساب، وتضيع فيه الحقائق، وتتشكل فيه هويات المغتربين.

الطائف القوطية (Gothic Taif)

سفاح الأزقة، طائفة الشعيبة

فضاء للجريمة، الخوف، الطقوس الشيطانية، والأزقة التي تخفي السفاحين.

تشير الدراسات النقدية حول "المكان في الرواية السعودية" إلى أن الطائف تمتلك "شخصية شعرية" طاغية.32 لكن الرواية الحديثة نجحت في "تفكيك" هذه الشاعرية. لم تعد الطائف مجرد "مصيف"، بل أصبحت "مدينة درامية" تحتمل كل أنواع السرد. بناءً على الحراك الحالي (تأسيس أندية جديدة، جوائز، نشاط دور النشر)، يمكن رصد ثلاث اتجاهات مستقبلية:

  1. هيمنة أدب النوع (Genre Fiction): النجاح الساحق لروايات عثمان عابد يشير إلى أن الجيل الجديد (Gen Z) يميل نحو التشويق، الرعب، والفانتازيا. سنشهد مزيداً من الروايات التي تستثمر "جغرافيا الطائف" (الضباب، الجبال، القصور القديمة) كديكور لأحداث مرعبة أو بوليسية.

  2. السينما كرافعة للسرد: مع صعود السينما السعودية، تُعد روايات مثل سادن (بعوالمها البصرية المدهشة) وسفاح الأزقة (بإيقاعها السريع) مرشحة بقوة للتحول إلى أفلام أو مسلسلات. النقاشات في الأندية الأدبية تدور بالفعل حول "الرواية والسينما".

  3. العودة إلى "الأرشيف": نجاح نذير الطائف سيشجع كتاباً آخرين على العودة للتاريخ الطائفي الثري (الفترة العثمانية، حروب التوحيد، الأدارسة) لإعادة كتابته روائياً، مستفيدين من تقنيات الميتا-سرد.


خاتمة

إن الرواية في الطائف اليوم ليست مجرد صدى للرواية السعودية المركزية (الرياض أو جدة)، بل هي صوت مستقل يمتلك خصوصيته المستمدة من جغرافية المكان وثراء تاريخه. من "أمية" الذي بكى نبوته الضائعة، إلى "جهار" الذي طارد جمله في أودية الجن، وصولاً إلى "أديم" الذي يطارد القتلة في الشعيبة.. تتشكل في الطائف سردية بانورامية مدهشة. إنها مدينة تكتب نفسها من جديد، وتثبت أن "سوق عكاظ" لم يغلق أبوابه، بل تحول من خيمة للشعر إلى فضاء مفتوح للحكاية التي لا تنتهي.

المنشورات الأخيرة

إظهار الكل

تعليقات


bottom of page