top of page

روايات من عسير

تاريخ التحديث: قبل 3 ساعات

تشكل منطقة عسير، بتضاريسها الجبلية المعقدة، وقراها المتوارية بين قمم السروات وسهول تهامة، فضاءً خصباً وعميقاً للتشكيل السردي في الأدب السعودي المعاصر. لم يعد المكان في الروايات التي تتناول هذه المنطقة الجغرافية مجرد خلفية صامتة، أو مسرح جامد تدور عليه أحداث الحكاية بشكل عرضي، بل تحول، بفعل التراكم الإبداعي والنقدي، إلى "بطل" محوري وفاعل ديناميكي يوجه مصائر الشخصيات، ويشكل هوياتها، ويعيد صياغة وعيها بذاتها وبالعالم المحيط بها. تكشف الممارسة النقدية للإنتاج السردي المتعلق بمنطقة عسير ومدنها وقراها عن وجود مشروع روائي تراكمي متعدد الأبعاد، يمزج باحترافية عالية بين التوثيق الأنثروبولوجي الدقيق، والسرد التاريخي الملحمي، والتحليل السوسيولوجي للتحولات العميقة التي مر بها المجتمع الجنوبي في المملكة العربية السعودية.


إن دراسة هذا المنجز الروائي تتطلب تفكيك الأنساق الثقافية المضمرة، وفهم ثنائيات مكانية وزمانية معقدة مثل (القرية/المدينة)، و(الأصالة/التحديث)، و(الرجل/المرأة)، و(الحياة/الموت). تتقاطع جميع هذه الثنائيات في طرق جبلية وعرة، وبيوت طينية متعاضدة، وحقول خضراء تتجاوز كونها تفاصيل مادية لتصبح رموزاً سيميائية مشحونة بالدلالات الكثيفة. ويبرز في هذا الإطار الواسع مجموعة من الروائيين الذين حملوا على عواتقهم مهمة نقل "القرية العسيرية" من حيزها الجغرافي المحلي الضيق إلى فضاء العالمية الواسع، كما هو الحال مع أحمد أبو دهمان في روايته المركزية "الحزام". كما يبرز أولئك الذين غاصوا في الميتافيزيقا المكانية والصراعات الاجتماعية الطاحنة، مثل إبراهيم مضواح الألمعي، وعبد العزيز مرعي القحطاني، وعبير العلي، جنباً إلى جنب مع النظرة الاستشراقية التي وثقت المكان من الخارج وصنعت مقارباتها التاريخية عبر أعمال مثل رواية الطبيب البريطاني ويليام نيوتن. تسعى هذه القراءة المعمقة والموسعة إلى استقصاء الجذور التأسيسية للسرد العسيري، بدءاً من القصيدة الشعرية التي مهدت الطريق للرواية، مروراً بالأعمال الروائية الكبرى التي فككت البنية القبلية والاجتماعية، ووصولاً إلى المؤسسات الحاضنة لهذا الإبداع.


التأسيس الشعري للمكان وتمهيد السرديات الروائية

قبل أن تتشكل الرواية العسيرية بهيكلها المعماري الواسع، كان الشعر هو الأداة الأولى لترويض المكان واستنطاق تضاريسه. تتسم جغرافية منطقة عسير بالتنوع الحاد بين الانخفاض التهامي الساحق والارتفاع الجبلي الشاهق، وهو ما انعكس بشكل مباشر على البنية الوجدانية للمبدعين. إن الجبل في المخيلة العسيرية ليس مجرد تضاريس جيولوجية، بل هو حصن منيع، وذاكرة أزلية، وسلطة قاهرة تفرض شروطها على إيقاع الحياة اليومية. يتجلى هذا الارتباط الوجودي الذي لا فكاك منه بين الإنسان وبيئته في التأسيسات الشعرية التي مهدت لظهور السرد الروائي. ويمكن رصد هذا بوضوح في تجربة الشاعر إبراهيم طالع الألمعي، التي تعد مدخلاً ضرورياً لفهم التجاذب المكاني في الأدب الجنوبي. فمدائن إبراهيم طالع الألمعي في شعره هي مدائن "ألمعية" صرفة، وقراه "تهامية"، وشوقه للمكان "عسيري" يفوق أي لحظة عبور نحو مدائن بديلة تلوح في الأفق. يعبر هذا التأسيس عن حالة من القلق الوجودي؛ فحينما يغادر المبدع قريته نحو مدن مفتعلة لا تأبه إلا للمادة والتمظهر الخادع، يدرك أن نبع الإبداع سيتوقف، فلا يملك إلا أن يصمت حتى يعود إلى "خوابي وأوكار تلك الجبال الشاهقة". هذا التجاذب الآسر بين (أبها) و(رُجال ألمع)، حيث يقبع الشعر وتفر الحقيقة في كل جهات الأرض، شكل البنية التحتية النفسية التي استند إليها الروائيون لاحقاً. فالروائي الذي ينحدر من هذه المنطقة يجد نفسه مدفوعاً، بوعي أو بدون وعي، إلى استدعاء الجبل كمعادل موضوعي للثبات، والضباب كمعادل للغموض والصمت الجبلي، والمدرجات الزراعية كمعادل للجهد البشري التراكمي. لقد مهدت القصيدة التهامية والعسيرية الطريق للرواية كي تتعامل مع الجغرافيا ليس كديكور، بل ككائن حي يتنفس، ويغضب، ويمنح الحياة.


الأنثروبولوجيا الروائية وتصدير الهوية: قراءة مكثفة في "الحزام"

تمتلك الرواية، كفن أدبي حديث نسبياً في المشهد الثقافي السعودي، قدرة استثنائية على استيعاب مفردات الهوية الثقافية التي قد تتسرب من بين أصابع كتب التاريخ الجافة والمفرطة في رسميتها. وفي حالة عسير، تحولت الرواية إلى ما يشبه الوثيقة الأنثروبولوجية الشاملة التي تحفظ العادات، وطرق العيش، والأهازيج، وأنظمة القرابة، والممارسات اليومية الدقيقة. تتصدر رواية "الحزام" للروائي أحمد أبو دهمان المشهد كظاهرة أدبية وثقافية فريدة تجاوزت حدود المحلية لتلامس العالمية بجدارة. اختار المؤلف طريقاً استراتيجياً غير مألوف في تاريخ السرد السعودي، حيث تعمد كتابة روايته، التي تقترب من السيرة الذاتية، باللغة الفرنسية أولاً، مخاطباً المجتمع الغربي والفرانكفوني من مقره في باريس، قبل أن يتم نقلها لاحقاً إلى اللغة العربية. لم يكن الخيار اللغوي الذي اتخذه أبو دهمان عبثياً أو مجرد استعراض للمهارات اللغوية، بل كان يمثل تحدياً حضارياً عميقاً ومحاولة لكسر الصورة النمطية. يصرح المؤلف في هذا السياق: "لقد أنجزت في الرواية ما لم أنجزه في بحث الدكتوراه". كانت الرواية بالنسبة له هي الطريقة المثالية لتعريف المجتمع الغربي بالمجتمع السعودي، ولتقديم "قصة بلاده لزوجته وابنته". هذا البوح السردي الذي أُرسل لأربع دور نشر فرنسية كبرى وحظي بقبول فوري من أكبرها، يعد اختراقاً ثقافياً يضع القرية العسيرية جنباً إلى جنب مع القرى العالمية المخلدة في الأدب الإنساني. يعتبر أبو دهمان الجزيرة العربية "نصاً عظيماً، ليس فيها ذرة رمل لا توجد وراءها قصيدة". بناءً على هذه الرؤية الفلسفية، لا يعتبر الكاتب عمله مجرد رواية أو سيرة ذاتية كلاسيكية، بل يصفه بأنه "نص شعري أنثروبولوجي". وقد ساهمت علاقته بالمفكر الراحل محمد أركون في تعميق هذا المنحى، حيث تعلم منه منهجية القراءة والتحليل العلمي والتفسير التاريخي للظواهر الاجتماعية، مما انعكس على نضج البنية السردية في "الحزام".


تتجلى قوة "الحزام" في قدرتها على التقاط اللحظات الهامشية وتحويلها إلى مركزيات ثقافية. يعزو النقاد نجاح العمل إلى تنوع البناء اللغوي للشخوص وقدرة الروائي على تحويل قريته إلى قصيدة، مستخدماً تكتيكات الشعر العربي القديم في الوقوف على الأطلال وبكاء الديار، ولكن برؤية حداثية تسعى لتوثيق كل شبر من المكان وجعله حياً ينبض. تبرز في الرواية أدوات ورموز مادية تتحول بفعل السرد التراكمي إلى أيقونات ثقافية حاسمة. فالحزام (الذي يرتديه الرجل كجزء من لباسه التقليدي) والسكين (الجنبية) ليسا مجرد أدوات نفعية أو زينة للتباهي، بل هما رمزان دلاليان للمروءة، والشرف، والانتماء العضوي للأرض. إن ارتداء الحزام في الثقافة العسيرية يمثل طقس عبور إلزامي من مرحلة الطفولة والهشاشة إلى مرحلة الرجولة والمسؤولية الكاملة. التمسك بهذه الرموز، كما يطرحه العمل، هو في جوهره تمسك بالوطن وعاداته في وجه سيول التغريب. على المستوى السوسيولوجي، توثق الرواية لغياب الأنا الفردية المتضخمة وإحلال الـ "نحن" الجماعية مكانها. سكان القرية في "الحزام" يتصرفون كالبنيان المرصوص، حيث تذوب هويات الأفراد ومصالحهم الضيقة داخل هوية الجماعة القوية المتماسكة التي تتشارك الأفراح والأتراح ومصادر العيش. هذا التوثيق يمتد ليشمل ذاكرة المكان والأشخاص بتفاصيل بالغة الدقة؛ بدءاً من الطقوس الاجتماعية لتقسيم اللحم ورفع حصة العائلة في البيت، مروراً بمشاهد رمزية كـ "سقوط الخفاش" وما تقوم به الأم من تفاعل غريزي وبيئي لإنقاذه أو التعامل معه، وصولاً إلى مراسم الزواجات الممتدة وحماية الحقول والزرع من هجوم الطير. هذه التفاصيل المشهدية ليست مجرد حشو سردي فائض، بل هي العمود الفقري الذي يحمل الهوية الثقافية للمنطقة الجنوبية ويحافظ على ذاكرة الأجيال السابقة.


يرى الباحثون في النقد الثقافي، من خلال الدراسات المعمقة، تقاطعات قوية بين رواية "الحزام" لأحمد أبو دهمان ورواية "النهايات" للأديب الرائد عبد الرحمن منيف. فإذا كانت "النهايات" ترتكز بقوة على البيئة الصحراوية القاحلة وتجعل منها فاعلاً يحدد طبائع البشر (من خلال شخصية "عساف")، فإن "الحزام" ترتكز على البيئة الجبلية المطيرة والقاسية في آن واحد (من خلال شخصية "حزام"). كلا العملين يجسدان الصراع من أجل البقاء، ويوثقان لقيم الجود، والكرم، والشجاعة، ونجدة المغيث التي كانت تحكم مجتمعات ما قبل الطفرة.


هندسة السرد والميتافيزيقا المكانية: مشروع إبراهيم مضواح الألمعي

إذا كان أحمد أبو دهمان قد صدر القرية العسيرية إلى الآخر، فإن الروائي والكاتب إبراهيم مضواح الألمعي قد قرر الغوص عمودياً في طبقات المكان الجيولوجية والميتافيزيقية. يعتمد مشروع الألمعي الإبداعي على جناحين أساسيين: الجناح الأول يتمثل في المقالات والدراسات الفكرية والأدبية (مثل "روائع الطنطاوي"، "عندما كان الكبار تلامذة"، "من طيبات أبي الطيب") ، والجناح الثاني، وهو الأهم في سياقنا، يتمثل في مشروعه السردي المتنامي الذي يشمل الروايات والمجموعات القصصية المتعددة التي اتخذت من عسير منطلقاً لها. يمتلك الألمعي مدونة سردية غنية تضم مجموعات قصصية مثل: "قطف الأشواك" (2001)، "على رصيف الحياة" (2003)، "التابوت" (2008)، "أوشال حزينة" (2008)، "حديث الرخام" (2008)، "فتاة الفراشات"، وصولاً إلى رواياته الكبرى التي توجت بجوائز مرموقة مثل رواية "جبل حالية" (2009 - جائزة الشارقة للإبداع العربي)، ورواية "عتق" (2012 - جائزة نادي حائل الأدبي للرواية)، ومؤخراً رواية "فراغ مكتظ" (2023).


تمثل رواية "جبل حالية" ذروة التجريب المكاني في السرد السعودي، حيث نالت نصيباً وافراً من الدراسات النقدية الأكاديمية. تتناول دراسة الدكتور عبد الرحمن بن حسن المحسني، الموسومة بـ "جماليات المكان في رواية جبل حالية لإبراهيم مضواح الألمعي"، تتبع تقنيات المكان وحضوره السردي كقوة مركزية تدير البناء الروائي بأكمله. يطرح الألمعي صراعاً فنياً بالغ التعقيد بين المكان الهندسي (الجغرافي الحقيقي المتمثل في منطقة رجال ألمع وعسير) والمكان الروائي (المتخيل والمعدل فنياً لخدمة النص). الأبعاد السردية والدلالية لرواية جبل حالية تتمثل في عدة أمكنة منها الجبل نفسه الذي يمثل المكان المركزي الأهم، ويرتبط هندسياً باسم مقبرة معروفة في بيئة الكاتب. اجتماع المفردتين يمنح المكان دلالة ميتافيزيقية ممتدة بين الحياة (حالية) والموت (المقبرة). يصفه البطل بأنه "جبل الحياة". أما قرية السورجة وهي الفضاء الذي تنتمي إليه شخصية البطل (عمر السورجي). هي قرية تحفها الجبال من ثلاث جهات، مما يولد إحساساً سيكولوجياً بالانغلاق. اختار الروائي هذا الاسم المتخيل ليبتعد بالنص عن التوصيف الجغرافي المباشر لـ "رجال ألمع". الفضاء الذي تنتمي إليه شخصية البطل (عمر السورجي). هي قرية تحفها الجبال من ثلاث جهات، مما يولد إحساساً سيكولوجياً بالانغلاق. اختار الروائي هذا الاسم المتخيل ليبتعد بالنص عن التوصيف الجغرافي المباشر لـ "رجال ألمع". أما المدينة فهي الفضاء البديل الذي ينتقل إليه بطل الرواية للتعليم، فتمثل المدينة العزلة الفردية وفقدان الدفء الجماعي، وهي الوجه المقابل تماماً لـ "السورجة".


تبدأ الرواية بأسلوب سردي فانتازي وصادم يعتمد على أسلوب "الاسترجاع الفني" (الفلاش باك). لا يتبع السارد مسار الحياة الكرونولوجي من الميلاد إلى الموت، بل تبدأ الرواية بعد دفن بطلها "عمر السورجي". يتخذ الكاتب من القبر نقطة انطلاق للسرد؛ حيث يجد الإنسان نفسه في لحده، مسجى في الظلام الدامس، يستعيد تفاصيل حياته في الدنيا ويحللها في لحظة تاريخية محددة. يصف السارد هذا العبور الميتافيزيقي ببراعة: "تمر به لحظات سكون لم يتذوقها من قبل، برودة التراب تلامس خده. يفتح عينيه، يحدق في الفضاء الذي يفصل وجهه عن الجدار الترابي أمامه... يتمنى لو يستطيع أن يمد يده فيلمسه، لم يحاول فهي لا تستجيب لرغباته". هذا التقاطب الحاد بين ضيق اللحد (الموت) والاتساع الذاكراتي (الحياة في القرية) يجعل من القبر نفسه فضاءً سردياً، ويعزز من التماسك الجمالي للرواية. ولتعزيز هذه الجمالية المشحونة، يوظف الألمعي الألوان دلالياً بدءاً من عتبة الغلاف وحتى المتن السردي. يُستخدم اللون الأصفر ليتماهى مع طين المقابر مصوراً ملامح النهايات الإنسانية الكئيبة، في حين يُطرح اللون الأحمر كلون مركزي أثير يعبر عن احتدام الحياة، والدم، والصراعات التي تموج بها القرية قبل أن يبتلعها صمت "جبل حالية". كما يوظف الألمعي الأبعاد العجائبية المرتبطة بالمخيلة الشعبية لإنتاج "واقعية سحرية" ذات طابع محلي. يتجسد ذلك في تناول حكايات "الجن" في السورجة وتخلقهم في صور حيوانات عند حلول الغروب، مما يكسر جمود الواقعية المفرطة ويضفي صبغة غرائبية تحول المكان إلى كيان سحري يفيض بالأسرار المتوارثة.


لا تكتفي الرواية العسيرية بالوصف الجمالي والمكاني، بل تتجاوزه لتصبح مشرطاً نقدياً يشرح التحولات العنيفة التي ضربت المجتمع السعودي في مرحلة ما يسمى بـ "زمن الطفرة" وما رافقها من تغيرات اقتصادية واجتماعية، أو ما يصطلح عليه بـ "زمن الصحوة". ترصد هذه الروايات الانتقال من نمط الإنتاج الزراعي التكافلي إلى النمط الاستهلاكي المديني، وما ولده هذا الانتقال من نتوءات التمرد والتشظي المجتمعي. أظهرت الدراسات النقدية، ومنها بحث د. عبد الرحمن المحسني، أن رواية "جبل حالية" تضفر داخلها عشرة أنساق ثقافية مركزية تحرك شخوصها وتشكل وعيهم. من أبرز هذه الأنساق:

  1. النسق القروي في مقابل النسق المدني: صراع الانتماء بين طهرانية القرية وفساد/تعقيد المدينة.

  2. النسق المحافظ في مقابل النسق المنفتح/المتمرد: التوتر بين سلطة التقاليد والأجيال الشابة الباحثة عن التحرر.

  3. النسق الجمعي في مقابل نسق التفرد/الفردانية: الذوبان في هوية القبيلة والأسرة الممتدة مقابل الاستقلال الذاتي.

  4. النسق الغرائبي/الأسطوري في مقابل النسق العلمي/المعرفي: صراع المعرفة القادمة مع المدارس الحديثة ضد الخرافات العتيقة.

  5. نسق الذكورة في مقابل النسق النسوي: التراتبية الجندرية الصارمة، والسلطة الأبوية التي تتصادم مع رغبات المرأة في تقرير مصيرها.


تنسحب هذه الأنساق وتتعمق أكثر في رواية "عتق" لإبراهيم مضواح الألمعي (2012م)، والتي تقدم معالجة تراجيدية لمفهوم "التضحية" وتأثير التقاليد الأبوية العمياء على سعادة الأفراد. ترتكز الرواية على حكاية زواج تقليدي بامتياز؛ زواج "سعد" من ابنة خالته "زاهية". هذا الزواج لم ينبع من إرادة حرة، بل فرضته الأم المصابة بالسرطان، والتي أصرت على رؤية ابنها مستقراً قبل أن تفارق الحياة، خوفاً من أن تطير العروس من بين يديه. يرضخ سعد لهذا النسق المحافظ بدافع بر الوالدين، مجيباً أمه: "أنت بخير يا أمي، وسأتزوج زاهية، وترقصين في زواجي". تكتمل مراسم الزفاف في حفل مقتصر لكي تشعر الأم بأنها "تدق باب الأبدية" وقد أدت رسالتها، لتموت لاحقاً مخلفة وراءها زوجين محاصرين بالتبعات. تتجلى ذروة الصراع السوسيولوجي عندما يتأخر إنجاب الزوجين، وتبدأ ضغوط المجتمع (الذي يقدس الإنجاب ويعتبره المعيار الأوحد لنجاح مؤسسة الزواج) في محاصرتهما. وفي موقف نبيل ولكنه مدمر، يتقمص سعد دور صاحب العلة ويوهم زوجته بأنه رجل عاقر لا ينجب، عارضاً عليها استرداد حريتها والبحث عن فرصة مع رجل آخر: "القرار بيدك، إن رغبت أن تأخذي فرصتك مع غيري فلن أغضب منك". ترفض زاهية التخلي عنه وفاءً لتضحيته المزعومة، لتعيش معه سنوات من الحرمان. الصدمة الكبرى تحدث عندما تفتح الزوجة حقيبته الخاصة وتكتشف تقارير طبية تثبت أن العلة الحقيقية تكمن فيها هي، وأن سعد كان يتحمل نظرة المجتمع القاسية لانتقاص فحولته ورجولته من أجل حماية كرامتها الاجتماعية. تفضح هذه الحبكة المتقنة كيف تتحول "التضحية" في مجتمعات القرى المغلقة إلى قيد يخنق كلا الطرفين، وكيف أن وصايا الأجيال السابقة (الأم) تورط الأجيال اللاحقة في مصائر مأساوية لا فكاك منها. كما تمرر الرواية نقداً مبطناً للحياة الوظيفية المدينية الحديثة التي تستنزف طاقة الشباب، وهو ما يتضح من تشبيه سعد لوظيفته في قبو البريد الرطب، تحت إدارة رئيس متكلس يجلس "كصخرة يغطي نصفها التراب"، بأنها تسلبه أجنحته وتشده إلى الأرض.


«الإرهابي 20» أكثر روايات عسير إثارة للجدل

تمثل رواية "الإرهابي 20" للكاتب والشاعر السعودي عبدالله ثابت وثيقة أدبية بالغة الحساسية، تضيء فضاءً زمنياً واجتماعياً معقداً شهدته المملكة العربية السعودية والمنطقة العربية طوال العقود التي تلت عام 1979م. كُتب هذا العمل الإشكالي في الفترة الممتدة بين عامي 1999م و2005م، وصدرت طبعته الأولى في عام 2006م عن دار المدى في دمشق. تجري أحداث الرواية بين أبها وتحفيظ القرآن والقرية الجنوبية، وتقدّم «زاهي الجبالي» مرشحاً محتملاً ليكون «الإرهابي العشرين» في هجمات سبتمبر 2001 وتظل أبرز رواية ربطت بين الجغرافيا العسيرية والصحوة الدينية المتطرفة لا يقدم هذا العمل مجرد مقاربة تخيلية لأحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001م، بل يتجاوز ذلك ليطرح تشريحاً عميقاً للبيئة السوسيولوجية والمنظومة التعليمية والدينية التي هيأت العقول لتبني خيارات العنف والراديكالية. ومن خلال تتبع مسيرة البطل "زاهي الجبالي"، يضع النص القارئ أمام رحلة سيكولوجية شائكة ترصد الصعود إلى حافة الهاوية الأيديولوجية، ثم الانعطاف الحاسم نحو الخلاص والعودة إلى الفطرة الإنسانية البسيطة عبر بوابة المعرفة والفن. يرتبط نص "الإرهابي 20" ارتباطاً وثيقاً بالخلفية الثقافية والمهنية لمؤلفه عبدالله ثابت. ولد ثابت في مدينة أبها بمنطقة عسير عام 1393هـ/1973م، وتلقى تعليمه الجامعي في كلية اللغة العربية والعلوم الاجتماعية بجامعة الملك خالد، متخرجاً فيها عام 1418هـ/1998م. وقد منحه عمله اللاحق في قطاع التعليم -سواء في المنطقة الشرقية أو عسير أو جدة، وتوليه رئاسة الإعلام التربوي والإشراف على الأنشطة الثقافية والتربية الخاصة- عيناً فاحصة وخبرة مباشرة بآليات التنشئة والتحولات الفكرية داخل المؤسسات التعليمية. وإلى جانب ممارسته للتعليم، نشط ثابت في الكتابة الصحفية بجريدة "الوطن" السعودية لقرابة عقدين، قبل أن ينقل ركنه الثقافي "حس" إلى مجلة "اليمامة" عام 1411هـ/2019م.


تطرح الرواية تحليلاً نقدياً صارماً لدور المؤسسات التعليمية والمنابر الدينية والمساجد في صياغة الفكر الراديكالي. ويرى الكاتب أن التعليم يمثل الجهاز الأهم في بنية الدولة والمجتمع؛ فهو "المصنع" الذي يتولى تخريج الأجيال وإنتاجها صياغةً وفكراً ووجداناً. وفي البلدان التي تتراجع فيها جودة التعليم أو يسهل اختراق مناهجها وبناها التربوية، تنشأ البيئة الخصبة لاختطاف عقول الشباب وتفريخ التطرف والعنف. يصف السرد بالتفصيل كيفية تعرض الفرد اليومي والممنهج لضخ هائل من الأفكار التي تسعى لتغيير هويته الحقيقية، وإحلال هوية أيديولوجية منغلقة ومجتزأة محل ثقافته الشعبية المتسامحة ووجدانه الشعبي البسيط. وتبدأ هذه العملية بإلغاء التساؤل والشك المعرفي؛ حيث تزرع الجماعة المتطرفة نوعاً من "الخوف الأيديولوجي والتنظيمي" الذي يقمع السؤال مبكراً في نفس الشاب. فالمصادمة الفكرية والاتهام بالخروج عن خط الولاء المطلق تظل التهديد الدائم لكل من يستجيب لنداء التفكير الذاتي، في حين تبدي الجماعة استعداداً كاملاً للتجاوز عن أي ممارسات سلوكية خاطئة للشاب شريطة أن يظل خاضعاً لولائها التام ومستعداً للتوبة والامتثال الدائم لأوامرها. وتجمل الرواية هذا التكوين النفسي القائم على الخوف وتغييب الوعي عبر إبراز التباين الحاد بين الأمن والخشية؛ حيث يكتب ثابت معبراً عن هذا البعد السيكولوجي: "المشقات تبتكر لنا قواميسنا الخاصة، فما نتعلمه من الخوف أضعاف ما نتعلمه من الأمن، والدمعة تقول كلاماً كثيراً عن الحياة، لا تجيده الابتسامة".


جزيرة كُدُمبل والهوامش الساحلية في عسير

أما رواية "كدمبل: مطر الدم" (الصادرة عام 2025) للكاتب والروائي السعودي فهد العودة فتبرز كواحدة من أهم الأعمال التي استلهمت الطبوغرافيا المحلية لنسج عالم روائي يتأرجح ببراعة بين الواقعية المفرطة والفانتازيا الرمزية. لا تقف أهمية هذا العمل عند حدود البناء الفني أو الحبكة السردية، بل تستمد قيمتها الكبرى من قدرتها على إحياء الاهتمام بموقع جغرافي حقيقي ومتميز يقع في جنوب غرب المملكة العربية السعودية؛ ألا وهو جزيرة "جبل كُدُمبل" في منطقة عسير. إن هذا الاختيار الدلالي العميق لاسم الرواية لم يكن محض مصادفة أو مجرد رغبة في استدعاء عنوان غريب يثير فضول المتلقي، بل هو إعلان صريح عن نية النص في الاشتباك مع الذاكرة المكانية، وإعادة إنتاج تاريخ هذه الجزيرة المعزولة عبر أدوات السرد. فيتحول المكان من فضاء للحنين إلى فضاء للندوب والمحاسبة. تتخذ الرواية من قرية "القحمة" الساحلية في منطقة عسير مسرحاً لعودة رجل مثقل بالفقد بعد غياب طويل. لا تستقبله القرية بحفاوة العائدين، بل بوصفها كياناً لا ينسى أحداً، وكأنها تنتظر لحظة الحساب لتفتح دفاتر الماضي. تكتظ الرواية بالرموز القيامية والكئيبة التي تبرز حالة من الانهيار والضياع؛ حيث الطرقات الضيقة، والبيوت المتلاصقة كصدور تخفي الأسرار، وانهيار مكتبة توصف بأنها "قشرة لم تعد تحمي أسرارها"، فضلاً عن تساقط الطيور الميتة كإعلان عن نهاية يوم ثقيل. في خضم هذا الانهيار والموت الخافت، يصبح "الصوت الصغير" أو وتر الحكاية هو الأمل الوحيد المتبقي لحمل القرية نحو غد غامض.


لا تعتمد الرواية في بنيتها على خط سردي خطي بسيط (Linear Narrative)، بل تبني معمارها من خلال تقاطعات الذاكرة، والتنقيب النفسي، والعودة إلى الجذور. تفتتح الرواية مسارها الدرامي من نقطة النهاية والفقد؛ حيث تبدأ الأحداث بمشهد العزاء إثر وفاة والدة البطل المحوري "راشد". يمثل هذا الموت انقطاعاً عن الحاضر الآمن، وتدشيناً لرحلة إجبارية نحو الماضي الغامض. نقطة التماس الأكثر عمقاً وتراجيدية بين الواقع المادي للجزيرة والخيال الروائي تتجلى في استدعاء المقابر المجهولة. تحتضن جزيرة كدمبل في الواقع بين 11 إلى 20 قبراً لبحارة مجهولين في قاع الجبل البركاني. التقط الروائي هذا المعطى القاسي، وصاغه أدبياً في مقطع مفصلي من الرواية يصف قسوة الموت في تلك الجغرافيا، حيث يقول السرد: "يُترَكُ تحت الحجارة من يسقط، كما تُترك حجارةٌ كثيرة لا تملك اسمًا في سجلات الناس". يمتد التوظيف الجغرافي ليشمل الحياة الفطرية للجزيرة. تعج جزيرة كدمبل الواقعية بالحياة المجنحة القوية، حيث تحلق الصقور وتمر قاصدة القمة البركانية الشامخة. إلا أن العودة، في سعيه لخلق فضاء سيكولوجي مأزوم، قام بعملية قلب وعكس لهذه الصورة الحيوية. فبدلاً من التحليق والشموخ، يتحدث النص الروائي عن "طيور تتهاوى بلا أسماء"، وطيور تهوي وكأنها تعلن نهاية يوم ثقيل الأثر.


حملت الرواية عنواناً فرعياً بالغ التأثير هو "مطر الدم". يمتلك هذا التركيب اللغوي شحنة هائلة من الإثارة، ويستدعي فوراً في مخيلة القارئ صوراً لظواهر طبيعية خارقة، أو عقابات سماوية، أو أساطير شعبية متجذرة في المخيال الإنساني. إن تساقط أمطار بلون الدم ليس ابتكاراً أدبياً محضاً، بل هو ظاهرة طبيعية ومناخية موثقة علمياً وتاريخياً. تاريخياً، سُجلت حالات لما يُعرف بـ "المطر الدموي" منذ القدم، وتم توثيقها في نصوص كلاسيكية مثل إلياذة هوميروس (التي كُتبت في القرن الثامن قبل الميلاد تقريباً)، حيث كان يُنظر إلى ظهور مطر الدم كطالع شؤم وكارثة تحل بالبشر. وظل الاعتقاد سائداً حتى القرن السابع عشر بأن هذا المطر هو دماء حقيقية تسقط من السماء عقاباً للعباد. علمياً، حسم الإجماع الحديث أسباب هذه الظاهرة الغريبة. يطلق على هذه الحالة مصطلح "المطر العكر" أو "المطر الأحمر"، والسبب العلمي وراءها يعود إلى اختلاط قطرات المطر بجراثيم هوائية تحملها الرياح تعود لنوع من الطحالب الدقيقة الخضراء تُعرف باسم "طحلب ترنتبول" (Trentepohlia)، والتي تفرز صبغة حمراء قوية عند تفاعلها مع عوامل معينة، مما يصبغ مياه الأمطار بلون قرمزي يشبه الدم. إن "مطر الدم" في الرواية لم يكن في السماء، بل كان ينهمر في "عيني البطل راشد". لقد استخدم الكاتب هذه الاستعارة العنيفة لتمثيل ذروة الألم النفسي، والدموع الممزوجة بالقهر، وصدمة الاكتشاف بعد أن عاد راشد إلى القحمة وواجه الإرث الثقيل والمأساوي لعائلته. إن بكاء العين دماً يعكس حالة من الانشطار الداخلي، ويحيل المطر من ظاهرة خارجية إلى نزيف وجداني داخلي يغسل الروح لكنه يتركها مصبوغة بالألم. لقد وظف العودة هذا الرمز ليخلق مساحة من الغموض الفانتازي الذي يتماهى مع الواقعية السحرية. من خلال أحاديثه المفترضة مع صيادي القحمة واستلهامه لحكاياتهم، بنى عالماً يكون فيه مطر الدم لعنة تتلبس كل من يجرؤ على الاقتراب من أسرار كدمبل ونبش ماضيها الدفين.


الجبال والصحراء في عسير بين «الباب الطارف» و «ضيار»

عبير العلي روائية وشاعرة وكاتبة رأي سعودية، درست الأدب الإنجليزي في جامعة الملك خالد، وعملت في الحقلين التعليمي والثقافي في عسير، وتولت أدوارًا ثقافية مرتبطة بجمعية الأدب المهنية في المنطقة. من أعمالها اللاحقة وهدانة وضيار ومدائن الغواية، لكن الباب الطارف (2012) ظل العمل الذي عُرفت به على أوسع نطاق، ليس فقط لأنه العمل الأول، بل لأنه أدخل أبها إلى واجهة النقاش الروائي الحديث. تتخذ الرواية من قصة الحب بين حنين وسعد مسارًا أوليًا، لكنها لا تبقى داخل الرومانسية السهلة. فحنين، بحسب تقديم ناقدة الاتحاد، تعرف مجتمعها معرفة عميقة، ثم تصطدم بعاداته وتقاليده "الراسخة مثل الجبال" في الأرواح. هذا التشبيه ليس عرضيًا، لأن الرواية اختارت أبها لا كخلفية جميلة فقط، بل كمدينة تجمع بين اللطف الطبيعي والصلابة الاجتماعية. من غرفة منزوية في بيت قديم، ومن "الباب" بوصفه عتبة مادية ورمزية، تنفتح الرواية على أسئلة الجسد، والاختيار، وحق المرأة في الحياة والتعبير والتفكير. وصف دار أثر للرواية يركز على كونها رواية حداثية، تنشغل بهموم الإنسان، وتنقد المجتمع ثقافيًا، وتسعى إلى "تأنيث" موقع لائق بالمرأة، بينما تؤكد شهادة الكاتبة في الشرق الأوسط أنها عمدت إلى "تعميد" الرواية بملامح عسير وبأناسها ولهجتهم وفضاء أبها الحالم. بهذا المعنى، تتحول قصة حنين وسعد إلى وسيلة لفحص الحد الفاصل بين الحب والسلطة الاجتماعية، وبين الحنين إلى البيت القديم والرغبة في اقتحام المستقبل. صورة عسير هنا أقرب إلى المدينة-الممر: أبها بوصفها معبرًا من البيت القديم إلى الأسئلة الجديدة، ومن الحميمي إلى العام. اللهجة والعادات حاضرتان، لكن بمقدار يخدم الشخصية لا الاستعراض الفولكلوري.


على النقيض من فضاء الجبل العسيري الأخضر والمعقد، اختارت عبير العلي، أن تلقي بأبطالها في عملها اللاحق "ضيار" في قسوة التخوم الصحراوية الموحشة، وتحديداً عند "أطراف صحراء الربع الخالي" في منطقتي سلطانة والقابل. يشكل المكان هنا شخصية فاعلة، قاسية، وضاغطة تساهم في صقل البعد المأساوي للشخصيات الممزقة بين قمة الحاضرة وقمة البداوة. استلهمت العلي عنوان "ضيار" من تقنية بدوية شديدة القسوة والمكر تُمارس على الناقة التي تفقد فصيلها (وليدها)؛ حيث تُخدع وتُسْتَغْفَل عبر إدخال قطعة خشبية ملفوفة بقماش ملطخ بدماء وليدها الميت في رحمها، لإيهامها بأنها ولدت من جديد لتستمر في إدرار الحليب. هذه الاستعارة الفذة تنسحب بالكامل على البطل والراوي "سالم"، الذي يروي حياته واضطراباته النفسية من سن السابعة حتى الأربعين، كاشفاً عن حالة من الخداع الوجودي الذي يمارسه الإنسان المعاصر على نفسه ليتمكن من الاستمرار في الحياة بعد فقدانه لجوهرها. يُحسب للكاتبة، وهي أنثى، نجاحها الاستثنائي في تقمص صوت راوٍ ذكر بتعقيداته النفسية وتقلباته وانفعالاته في بيئة صحراوية قاحلة، مما يؤكد تجاوز المبدع العسيري لحدود الجندر والجغرافيا معاً.


السرد النسوي: تحطيم "الكترة" والتمرد على بيوت الموت

لم تكتفِ الرواية العسيرية بالرصد الخارجي للمكان، بل غاصت عميقاً لتفكيك البنى التحتية للمجتمع، مركزة على السلطة الأبوية، وقهر المرأة، والتحولات الأيديولوجية الحادة التي عصفت بأجيال كاملة. تُظهر المدونة الروائية العسيرية تركيزاً متصاعداً وجريئاً على قضايا المرأة، محاولة اختراق الجدران السميكة للمجتمع الذكوري. تقدم الأديبة والفنانة التشكيلية سعاد عسيري في روايتها "نبية وبيوت الموت" (الصادرة عام 2025 عن دار المفكر العربي) سردية إنسانية عميقة تنتمي بوضوح إلى تيار روايات ما بعد الحداثة. تنقل الكاتبة القارئ إلى داخل مصحة نفسية تروي منها البطلة "نبية" حكايتها، محولة مصطلح "البيت" من دلالته المعتادة كحضن آمن وسكينة إلى "بيوت للموت" الرمزي والفعلي، حيث تُسحق المرأة تحت وطأة العنف الأسري، والزواج القسري، وقهر الزوجة الثانية أو "زوجة الأب". اعتمدت الكاتبة أسلوباً قصصياً يمزج بين الواقع والتحليل النفسي، مستخدمة تقنيات سردية حديثة تتجاوز السرد الخطي، مع توظيف ما أطلق عليه النقاد "العدسة السينمائية الباردة" و"فلسفة السطح في مواجهة العمق"؛ مما أتاح للقارئ التورط المباشر ليكون هو المحلل النفسي للشخصيات المعقدة المكتئبة. تبرز في الرواية الهوية الثقافية للبيئة المحلية في جنوب المملكة، لتنتهي برؤية انتصارية تؤكد إمكانية تفكيك هذه السلطة القهرية والتغلب عليها بأساليب ذكية.


وتستمر ثيمة التمرد النسوي والانعتاق في رواية "من الكترة" (2023) للدكتور عبدالعزيز مرعي القحطاني. تغطي الرواية حقبة تاريخية ممتدة من أربعينيات القرن الماضي وحتى التسعينيات في جنوب منطقة عسير. تتخذ الرواية من مصطلح "الكترة" وتعني في التراث المعماري الجنوبي النافذة الطينية الصغيرة جداً التي توضع أعلى غرف الطين لتمرير النزر اليسير من الضوء والهواء، ومنع المتلصصين. في الرواية، تتحول "الكترة" إلى منفذ استراتيجي لتقصي الحقائق وكذلك ربما تمثل الكترة استعارة بصرية ورمزية عبقرية لضيق الرؤية، والاختناق، ومحدودية الآفاق التي كانت تعانيها المرأة. بطلة الرواية هي المرأة والأم المكافحة "خديجة"، التي قُدر لها الزواج من رجل سيء الطباع والأفعال يُدعى "مفلح" في قرية "الموفي". يمارس مفلح أبشع صور القهر الاجتماعي مستغلاً القوانين القبلية التي تتيح له تهميشها والزواج عليها عدة مرات. تتصاعد وتيرة القهر عندما يقرر الزوج الارتباط بـ "ابنة الساحر". ترفض خديجة هذا المصير وتحاول منع الزواج، إلا أن نقطة التحول المركزية تحدث عندما تسترق السمع من خلال "الكترة" لتكتشف مؤامرة ومكيدة خبيثة تُحاك ضدها من قبل ابنة الساحر وإخوانها. هذا الاكتشاف عبر النافذة الصغيرة يمثل لحظة اليقظة الوجودية، حيث تتخذ خديجة القرار الصعب بهجر القرية بكل إرثها الثقيل، والهرب في رحلة شاقة ومخيفة ليلاً على ظهور الحمير نحو مدينة "أبها" برفقة أبنائها. في أبها، تلتقي بصديقتها "فضة" التي تشكل معها جبهة تضامن نسوي قوية تعينها على بدء حياة جديدة من الصفر والنهوض بأبنائها نحو القمة، تاركة الزوج السيئ لمصيره. توضح الرواية، المكتوبة بأسلوب يمزج الفصحى باللهجة المحلية العسيرية لتعزيز الواقعية، أن الجغرافيا تلعب دوراً حاسماً في التمكين؛ فالقرية (الموفي) هي فضاء القمع الذكوري والتآمر المغلق، بينما المدينة (أبها) هي فضاء الخلاص وفرص البدء من جديد.


وفي سياق أحدث وأكثر تركيزاً على التشابكات الاجتماعية المعاصرة، تأتي رواية "حكايتنا" (2025) للكاتبة وجدان علي، وهي رواية تاريخية اجتماعية تدور أحداثها في جبال عسير زمن السعودية الأولى، وتتمحور حول شخصية مريم وما تعيشه من تحولات بين القسوة والخذلان والمقاومة. تظهر الرواية كحكاية عن الذاكرة والهوية والنساء في سياق تاريخي شديد الاضطراب، حيث يرتبط مصير البطلة بالإرث العائلي وبفكرة الدفاع عن الأرض والكرامة. حكايتنا هي رواية تستحضر تاريخ عسير بلغة سردية مشحونة، وتقدّم مريم بوصفها امرأة تصنع قدرها بين الألم والقتال والوفاء للجذور. وعلى الرغم من حداثة الإصدار، إلا أن عتبات النص والمؤشرات الأولية تضعها ضمن السياق السردي الذي يهتم بتفكيك العلاقات الإنسانية الدقيقة والتفاعل بين الذات والمحيط في بيئة تتجاذبها مؤثرات الحاضر والماضي، لتعكس استمرارية الإنتاج الروائي الذي يستلهم من البيئة تفاصيله لبناء سرديات المشاعر.


عسير وتقاطعات التاريخ، الاستشراق، و"الآخر"

في مواجهة الصورة النمطية التي تروج لعسير كمنطقة جبلية مغلقة ومعزولة، برزت أعمال روائية سعت إلى تفكيك هذه العزلة، كاشفة عن تقاطعات تاريخية معقدة جعلت من المنطقة ملتقى للحضارات، والأديان، والمطامع الإمبريالية. تخترق رواية "النماص: سفر الرحيل والبقاء" (2023) للروائية بلقيس الملحم، الصادرة عن دار غاف، التابوهات الثقافية والمناطقية ببراعة فائقة. تبدأ الحكاية بصدمة هوية كبرى تتجسد في نقش على حجر في قرية "آل ملّوح"، حيث يطرح البطل "ميمون بن هارون" تساؤلاً وجودياً مرعباً: "أنا اليهوديُّ إذاً؟ هكذا وبدون إذنٍ مني..". تتكشف أحداث الرواية لتبين أن ميمون هو في الأصل "أمانة" تركها والداه اليمنيان اليهوديان اللذان هربا من اليمن، عند رجل من أهل نجران قبل وفاتهما، لينتهي به المطاف في عهدة عائلة مسلمة (عمران وسعدة) قامت بتربيته. قضى البطل عمره في مدينة النماص بين مجتمع طيب لا يعرف عن أصوله شيئاً، ولم يرَ اليمن قط. تخلق الرواية أزمة هوية حادة وممزقة لدى البطل الذي يجد نفسه تائهاً "بين وهم وحقيقة، فوضى وركود، معبد ومسجد، وشيخ وحاخام". تقدم الرواية وصفاً بليغاً وساحراً لطبيعة الجنوب السعودي وأوديته، وتنتقل ببراعة لتشمل تفاصيل صنعاء، طارحة تساؤلات إنسانية كبرى حول التهجين الثقافي، والتسامح، وإمكانية التعايش في بيئات تُعد ظاهرياً ذات طيف ثقافي وديني واحد.


يُعد المكان في رواية "النماص" بطلاً موازياً لا يقل أهمية أو فاعلية عن شخصية "ميمون بن هارون". تلعب بلقيس الملحم ببراعة على وتر التضاد الجغرافي والثقافي بين مدينتين تمثلان قطبي روح البطل، وتحولهما من مجرد إحداثيات جغرافية إلى فضاءات سيميائية محملة بالدلالات. مدينة النماص، تلك المدينة الجبلية الوادعة والمعلقة في غيم جنوب المملكة العربية السعودية، لم تُقدم في الرواية كخلفية صامتة للأحداث، بل كبيئة عضوية فاعلة تتنفس وتؤثر في ساكنيها وتصوغ أرواحهم. تُطوف الكاتبة بحبكة مدهشة في ربوع الجنوب السعودي وطبيعته الساحرة، مسلطة الضوء بشكل خاص على البعد الأنثوي والأمومي للمكان من خلال تصوير "نسائه وهُن يسرحن في أوديته، يحتطبن العرعر أو يسقين النخيل". كذلك لم يكن اختيار الكاتبة لمدينة نجران كمنطقة تسليم وتسلّم اعتباطياً. فنجران تمثل تاريخياً وجغرافياً بوابة العبور بين اليمن وشبه الجزيرة العربية، ولها إرثها التاريخي الطويل في التعددية الدينية (مسيحيو نجران قديماً، والأخدود). العبور من اليمن عبر نجران وصولاً إلى النماص يمثل خطاً جغرافياً درامياً للنجاة من الموت نحو الحياة والاستقرار.على الجانب الجغرافي والنفسي الآخر، تحضر صنعاء العاصمة اليمنية كفضاء أثيري مفقود، يُستحضر من خلال الذاكرة، والجينات، والتاريخ أكثر من كونه واقعاً معاشاً للبطل. تصف الملحم صنعاء "بتفاصيلها وألوانها وروائح القهوة والبخور". يبرز هذا التقسيم المكاني الدقيق التبرير الفني لاختيار الكاتبة لعنوانها الفرعي "سفر الرحيل والبقاء" ؛ حيث يمثل "الرحيل" حركة الأبوين هرباً نحو المجهول، بينما يمثل "البقاء" ثبات الابن في النماص وتجذره فيها لسنوات. غير أن المفارقة تكمن في أن البقاء الجسدي في النماص يتحول لاحقاً إلى رحيل نفسي وفكري قسري نحو الماضي لاستكشاف الذات.


من زاوية خارجية استشراقية، تقدم رواية "سيدة أبها" للكاتب البريطاني ويليام نيوتن (التي صدرت بالإنجليزية عام 2010 وتُرجِمت للعربية عام 2013 عن دار بلاد العرب) قراءة مختلفة تماماً لجغرافية المنطقة. تتخذ الرواية من فترة الحرب العالمية الأولى وبدايات تشكل الدول في الجزيرة العربية زمناً مضطرباً لها. بنى المؤلف حكايته على رحلة شاب بريطاني"إيفور" يبحث عن والده "روبرت ويلوقبي" ي وهو ضابط في الجيش البريطاني فُقد خلال العمليات العسكرية التي استهدفت الأتراك إبان الحرب العالمية الأولى وما تلاها واختفى بشكل غامض في منطقة عسير، لا يقتصر العمل على ثيمة البحث عن الأب المفقود، بل يتشعب ليشمل بحث الشاب عن ذاته في بيئة قاسية وغريبة، وكشفه لأنماط حياة الكيانات العربية في تلك الحقبة الحرجة ليتوج ذلك كله بقصة حب جارفة تجمعه بامرأة بالغة الجمال من إحدى القبائل المحلية. تتقاطع مساعي هذا الشاب مع قصة دراماتيكية لبطلة القصة "نعيمة"، ابنة أحد شيوخ البحر الأحمر التي اختطفها القراصنة وبيعت كجارية لأحد زعماء مدينة أبها. تدمج الرواية ببراعة بين التاريخ، والسياسة، والمشاعر الملتهبة، وتقدم مدينة أبها التاريخية كمركز حضري كوزموبوليتاني تتقاطع فيه المصائر الإمبريالية الكبرى مع مآسي تجارة البشر والمصائر الفردية الممزقة، مما يضفي على جغرافية عسير بعداً تراجيدياً وعالمياً. إن هذا العمل يمثل اختراقاً استشراقياً مهماً، حيث يعترف الكاتب ضمنياً بأن تلك الحقبة التاريخية من الجزيرة العربية كانت تمثل "منعطفاً تاريخياً غير معروف جيداً في الغرب". ومن اللافت سوسيولوجياً وثقافياً التدخل الذي قام به المترجم العربي؛ حيث عمد إلى تعديل عنوان الرواية من (عشيقة أبها) إلى (سيدة أبها). يبرر النقاد هذا التعديل برغبة المترجم في التخفيف من حدة الوقع اللفظي على المتلقي العربي المحافظ، وتجنب الصدام مع "النسق القيمي" للمجتمع الذي يتوجس من مصطلحات قد تحمل إيحاءات تتنافى مع منظومته الأخلاقية، حتى وإن كانت القصة تركز ببراءة على عشق البطل لتلك المرأة. هذا التعديل يثبت قوة الرقابة الذاتية والنسق الثقافي المحلي في ترويض النصوص الوافدة.


كذلك لا بد من الإشارة إلى قرية "رجال ألمع" ليس فقط كمحافظة جغرافية في منطقة عسير، بل كـ "أيقونة سردية" ومرجعية بصرية وروحية طغت على العديد من الأعمال الروائية وحتى العربية منها فمثلاً الروائي المصري عمرو أحمد توفيق أصدر في بداية عام 2026 روايته "رجال ألمع" التي تُقدِّم حكايةً تتداخل فيها الأسطورة مع ملامح عسير الجبلية، حيث تتحرك الشخصيات في فضاءٍ موحشٍ تحرسه الذاكرة القديمة، وتنكشف أمامها أسرارٌ دفينة تتصل بكهفٍ غامض وكاهنٍ عائدٍ من العتمة. تدور الأحداث في أجواءٍ مشحونة بالخوف والترقب، ويظهر فيها باحثٌ مكلَّفٌ بمهمة تسجيل قرية رجال ألمع التاريخية في اليونسكو فيتحول من شاهدٍ على التاريخ إلى جزءٍ من اللغز، وعالمُ آثارٍ عربيٌّ يضيء خلفية الحكاية، وخبيرةُ ترميمٍ تحفظ الشواهد، ومؤرخةُ فنونٍ أوروبيةٌ تضيف بعدًا ثقافيًا، ومصورٌ أجنبيٌّ يوثق المكان، وممثلٌ دوليٌّ يحيطه الغموض، في سردٍ يمزج التشويق بالرعب واستدعاء الموروث الشعبي لعسير. لقد تحولت بيئة رجال ألمع بقراها المعلقة وحصونها الحجرية إلى استعارة كبرى للصلابة والانغلاق، وهي البيئة التي انطلق منها وتأثر بها العديد من الكتاب، مكرسين إياها كفضاء زمكاني تتوالد منه الحكايات وتتشكل فيه الهويات المتصارعة بين البقاء والتحديث.


أعمدة السرد العسيري المعاصر.. تفكيك لتجارب مركزية

لفهم الديناميكيات العميقة للسرد في المنطقة بشكل كامل، لا بد من التوقف التفصيلي عند مشاريع روائية مركزية، يمثل كل منها مساراً مختلفاً في التفاعل مع جغرافية الجبل وتاريخه، وأسهمت في تشكيل الهوية السردية للمنطقة.


يُعد الروائي إبراهيم محمد أحمد شحبي (المولود في محافظة رجال ألمع عام 1957م) واحداً من أهم الأصوات السردية السعودية التي وظفت جغرافية عسير كثيمة مركزية متكاملة. لا تنفصل سيرة شحبي الذاتية عن مشروعه الأدبي؛ فهو يصف نفسه بـ "القروي"، وقد عمل في سلك التعليم لعقدين في أبها، ثم قرر طوعاً التقاعد والعودة إلى جذوره الريفية ليعمل راعياً للأغنام ويمارس الزراعة في قريته. هذا الالتحام العضوي والفلسفي بالمكان انعكس بعمق على نتاجه الروائي الذي يشمل أعماله الكبرى: "أنثى تشطر القبيلة" (2003)، "السقوط" (2004)، و"حدائق النفط" (2013). يمتلك شحبي قدرة استثنائية على رصد الصراع العنيف بين التكوينات الاجتماعية التقليدية ومتطلبات التحديث. في روايته البارزة "أنثى تشطر القبيلة"، يعالج التحولات الدقيقة والانشقاقات داخل النسق القبلي المغلق، مبرزاً كيف يمكن للأحداث العاطفية وعناصر التغيير البسيطة التي تتزعمها الأنثى أن تحدث شروخاً زلزالية في البنية الأبوية الصلبة. أما في رواية "حدائق النفط"، فيصل الصراع إلى ذروته السوسيولوجية، مصوراً التصادم العنيف والمفاجئ بين الاقتصاد الزراعي الرعوي المكتفي بذاته من جهة، وبين اقتصاد الريع النفطي الذي اكتسح البنى التقليدية وأعاد صياغة منظومة القيم بالكامل من جهة أخرى. حظيت أعماله باهتمام نقدي واسع تناول الجوانب السيميائية، وتحليل الانزياحات في تقاليد النص الروائي، ودراسة ظواهر الجنون والتمرد في شخصياته المأزومة.


كذلك، ينطلق الكاتب والروائي عبدالوهاب آل مرعي في مشروعه السردي من خلفية شعرية وإسلامية ملحمية؛ فهو صاحب ديوان "ملحمة المجد"، وهي قصيدة طويلة في السيرة النبوية تقع في ألف بيت، فضلاً عن مؤلفاته في الإعلام الإسلامي. هذا النفس الملحمي الواسع أثر بشكل جوهري على البنية السردية لأعماله، وهو ما يتجلى بوضوح في روايته "اليهودي والفتاة العربية: قصة الحب الخالدة" (2008). لا تركن هذه الرواية إلى محلية المكان، بل تنقل القارئ من قمم جبال الحجاز والسراة في بيئة يغلفها الفقر والشجاعة البدائية، لتقفز به نحو فضاءات كونية شاسعة تشمل دمشق، ثم تأخذه في رحلة بحرية إلى إيطاليا، وألمانيا، وصولاً إلى مراكز البحوث العلمية في أوروبا. لا تقدم الرواية قصة حب رومانسية سطحية، بل تتخذ من هذا الإطار السردي ذريعة لطرح حوارات فكرية وفلسفية عميقة ومباشرة مع الفكر الصهيوني والثقافة الغربية، متجسدة في التقاطعات مع شخصيات مثل العجوز الإيطالية المتدينة والصهاينة في مراكز الأبحاث. يعتمد أسلوب آل مرعي على ما يُعرف بـ "القصة الإطارية" وتضمين الحكايات داخل الحكايات، مستفيداً من الموروث السردي الكلاسيكي (مثل ألف ليلة وليلة) ليحول روايته إلى سجل حافل بالتاريخ والأفكار، مبرزاً قدرة الروائي الجنوبي على مناطحة القضايا الجيوسياسية والعقائدية الكبرى.


كذلك ينتمي الروائي محمد حسن علوان إلى منطقة عسير من جهة الجذور العائلية على الرغم من ولادته ونشأته في مدينة الرياض، وهو أحد الأسماء الروائية السعودية البارزة التي امتد حضورها من السرد الأدبي إلى المشهد الثقافي الأوسع. وتكشف أعماله المتعددة، بدءاً من سقف الكفاية ومروراً بـ صوفيا وطوق الطهارة، عن اهتمام واضح بأسئلة الإنسان المعاصر، والهوية، والاغتراب، والتحولات الوجدانية والفكرية. لم يكتب علوان عن منطقة عسير بوصفها جغرافيا مباشرة في تلك الأعمال، بل اتجه إلى فضاءات سردية متنوعة امتدت بين المدن السعودية والأمكنة العالمية، موظفاً المكان باعتباره إطاراً لتأملات إنسانية أوسع. وإلى جانب منجزه الروائي، يبرز انخراطه في الحراك الثقافي السعودي المعاصر، ونظرته المتفائلة للتحولات الثقافية التي تشهدها المملكة، بوصفها نتاجاً لتفاعل الإرادة المؤسسية مع الوعي المجتمعي، بما يعكس هوية ثقافية قادرة على التطور مع الحفاظ على خصوصيتها.


الانكفاء والتشظي.. النزوح المكاني لدى الروائيين العسيريين

تمثل الجغرافيا في الأدب قيداً إبداعياً كما تمثل هوية. وفي مرحلة من النضج السردي والتحرر، ظهر جيل من الكتاب والكاتبات المنتمين أصلاً لمنطقة عسير، والذين اختاروا بوعي كامل الخروج من جلباب المنطقة جغرافياً. لقد وجهوا بوصلتهم السردية لمقاربة قضايا وجودية، نفسية، أو عربية شاملة، مؤكدين أن المبدع لا ينبغي أن يظل أسيراً لمسقط رأسه، وأن أدواته قادرة على تفكيك أي فضاء زمكاني. في روايته المتميزة "ترف الانكفاء"، يغادر الكاتب العسيري وائل الحفظي تضاريس الجبال والأودية تماماً، ليغوص بجرأة في "الكهف النفسي" المظلم لإنسان العصر الحديث. تتناول الرواية مأزق الاغتراب الوجودي، حيث يساهم المجتمع الاستهلاكي والعالم الرقمي في تحويل الإنسان إلى "شيء من بين أشياء"، مما يفقده أصالته ويذيبه في حشود القطيع، ويدفع إلى "الانهيار الهادئ" للعلاقات والأدوار الاجتماعية. يُشكل العنوان بحد ذاته مفارقة لغوية وفلسفية؛ فـ "الانكفاء" أو العزلة قد بات ترفاً وامتيازاً لا يُتاح للجميع في عالم مفرط في الاتصال والضجيج، غير أن البطل المكتئب في الرواية يعيش هذا الانكفاء ليس كرفاهية مختارة، بل كحتمية مرضية لا فكاك منها. يعالج الحفظي ببراعة ظاهرة "الاحتراق الإنساني" (Burnout) تحت ضغط العمل واللاجدوى، طارحاً سؤالاً مريراً حول غاية الوجود: "هل عليّ أن أحترق أنا مقابل أن أوفر مالاً؟". تعتمد الرواية في بنيتها على فضاءات رقمية مدينية، حيث يبرز التناقض الساخر من خلال بناء البطل لعلاقة مع طبيبته النفسية عبر تطبيق علاجي رقمي، لتنقلب الأدوار تدريجياً ويصبح البطل المأزوم هو "المدرب على الحياة" والطبيب المعالج لها. وتصل الرواية إلى ذروتها الفلسفية في التناص مع الأدب الدستويفسكي (نسبة إلى دوستويفسكي) عندما يُقدم البطل على جريمة قتل جارته العجوز كنوع من الخلاص الموهوم من سخافات العالم، لينتهي به المطاف في السجن شاعراً بأنه حاز على الحرية بينما العالم بأسره هو المسجون، مما يجعل من هذه الرواية تحفة في التحليل النفسي الوجودي، مفارقة تماماً للهموم العسيرية التقليدية.


تمثل رواية "التشظي" للكاتبة عائشة الحشر امتداداً جلياً لمفهوم الهروب المكاني نحو آفاق عالمية. تجدر الإشارة هنا إلى مفارقة تصنيفية؛ فعلى الرغم من أن الرواية تُدرج أحياناً ضمن قائمة "روايات منطقة عسير" بالنظر إلى الجذور الجغرافية للكاتبة، وقد تمت مناقشتها بالفعل في مؤتمرات "نادي أبها الأدبي" ضمن محاور الهوية والسرد ، إلا أن الرواية تصنف فعلياً ضمن الأعمال التي نأت بنفسها عن محاكاة البيئة المحلية العسيرية. يمتد المسرح الفعلي لأحداث الرواية ليشمل فضاءات جغرافية إقليمية وعالمية، تتوزع بين أوروبا، العراق، وعُمان. تتصدى الحشر في هذا العمل الكوزموبوليتاني لظاهرة "التشظي الإنساني" وضياع البوصلة، حيث يواجه السارد والشخصيات خطر السقوط المريع في عبثية العالم الحديث وعشوائيته المطلقة. قدمت الرواية نماذج بشرية شديدة التنوع (عربية، عراقية، عُمانية، وأوروبية) لتعكس أزمة الهوية العابرة للحدود والقوميات. تبتعد الحشر عن التركيز على أزمات القرية الجنوبية لصالح استكشاف أزمات الشتات، وتناقضات الفكر (السفسطة)، لتثبت أن السرد هو الأداة الوحيدة لـ "استعادة الهوية" وترميم الذات الممزقة في عالم يسعى لسحق التفرد.


في رواية "وجهة البوصلة" (الصادرة عام 2002 عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر) للروائية نورة الغامدي، نجد مفارقة نقدية بالغة الأهمية وعمقاً استعارياً استثنائياً. فرغم أن الرواية تقع أحداثها فعلياً في "قرية زراعية جنوبية" ، إلا أن منهجية معالجة الكاتبة للمكان أخرجته تماماً من كونه مجرد توثيق لمحلية عسيرية، ليصبح "استعارة كبرى" للوطن العربي المأزوم بأسره. ترسم الغامدي شبكة معقدة من العلاقات في بيئة زراعية تهيمن عليها التراتبية الطبقية والنظام الإقطاعي البطريركي المغلق، حيث يُمارس قهر منهجي يبلغ ذروته عندما يقرر كبير العائلة "السبتي" تزويج الفتاة "فضة" لابنه "حمود" قسراً، متجاهلاً رغباتهما، لأسباب طبقية وانتقامية بحتة معلناً: "سأقطع دابر هذا العرق الخسيس". يتم هنا تسليع النساء بوضوح وتحويلهن إلى أدوات خرساء في صراعات السلطة الذكورية. بيد أن العبقرية السردية والتمردية في "وجهة البوصلة" تتجلى في الربط المباشر والصادم الذي تعقده الساردة بين هذا الاغتصاب للحقوق داخل المخدع الزوجي القروي (الذي وصفته لغة النص بأبشع الصور كعملية افتراس همجية وكسر لعنق الزهرة الجبلية) وبين الاغتصاب الجيوسياسي والتدمير الذي طال المدن العربية الكبرى. تقارن الساردة صراحة بين زواج فضة القسري والقمع الممارس عليها، وبين احتراق مدن مثل بغداد والكويت والقدس، محملة العقلية الذكورية الاستبدادية مسؤولية الدمار الشامل على كافة الأصعدة. وهكذا، تستخدم الغامدي الفضاء الجنوبي كمجهر تحليلي لتشريح العقلية الاستبدادية، محولة الرواية من عمل اجتماعي محلي إلى بيان سياسي ونسوي عابر للحدود يقرأ مصير الأمة من خلال مصير امرأة.


القصة القصيرة في منطقة عسير

لا تقلّ القصة القصيرة في منطقة عسير حضوراً عن الرواية وإن تقدّمتها تاريخياً، إذ كانت الجنس الأدبي الأول الذي انفتح على البيئة الجبلية العسيرية وجسّد تحولاتها بعين داخلية دقيقة، فيما ظلّت الرواية تشقّ طريقها ببطء أكبر في ظل بنية اجتماعية كانت تُؤثر القصيدة والحكاية الشفاهية على السرد المكتوب الطويل. وقد تصدّر هذا المشهد محمد علوان العسيري الذي يُعدّ من أوائل من أرسوا القواعد الفنية للقصة القصيرة في المنطقة، متنقّلاً بين الصمت والصخب والعتمة والضوء في مجموعاته التي انطلقت من «الخبز والصمت» عام 1977م عبر دار المريخ، ليبلغ ذروة نضجه الفني في «دامسة» عام 1998م التي استجلب فيها روح القرية العسيرية بلغة موحية كثيفة الرمز، حتى استحقت عليها رسالة ماجستير أكاديمية درست «دلالة المكان» فيها بوصفها نصاً جديراً بالتحليل البنيوي. وإلى جانبه نهض ظافر الجبيري من النماص ليحمل مشعل السرد الجبلي في مجموعاته المتتالية بين «خطوات يبتلعها المغيب» (1997م) و«يوميات حب مزمن» (2014م) و«رجفة العناوين» (2018م)، مُسبغاً على قصصه تلك الملمس الخاص لإنسان القرية العسيرية الذي يحنّ إلى جذره دون أن يستطيع العودة إليه، مستحضراً الأم والجبل والصمت الليلي عناصرَ بنيوية لا زخارف بلاغية عابرة. كذلك أسهم إبراهيم مضواح الألمعي في تثبيت هذا الحضور عبر «الأعمال القصصية» (2014م) و«فتاة الفراشات» (2015م) و«ذاكرة الطباشير» (2015م)، مُحوّلاً القرية في رجال ألمع من مجرد فضاء جغرافي إلى حقل دلالي مشحون بالسؤال الوجودي. وقد انتبه نقّاد مؤتمر «الهوية والأدب 2» في أبها عام 2017م إلى هذه الكتلة القصصية، فخصّها أ.د. عبدالحميد الحسامي بورقة أجرى فيها مقاربة ثرية لـ«هوية المكان الريفي العسيري في المتخيّل القصصي لظافر الجبيري»، بينما تتبّع د. مصطفى الضبع جماليات الهوية المكانية في القصة القصيرة السعودية معتمداً نماذج عسيرية، مما يكشف أن هذا الجنس الأدبي لم يكن مجرد تمرين تعبيري أوّلي بل كان في حقيقته مختبراً سردياً موازياً حفر في طبقات المجتمع العسيري بعمق ما حفرت فيها الرواية لاحقاً.


الدراسات النقدية والمؤتمرات في حقل رواية عسير

لم تكن الرواية العسيرية حكراً على القراءة الصحفية العابرة، بل شقّت طريقها إلى المنابر الأكاديمية الرصينة، وكان أبرزها مؤتمر «الهوية والأدب 2 – السرد في عسير» الذي احتضنه نادي أبها الأدبي في الفترة من الثالث إلى الخامس من مايو 2017م، تحت رعاية أمير المنطقة آنذاك الأمير فيصل بن خالد بن عبدالعزيز، وقد جمع في جلساته نخبة من الباحثين العرب الذين قاربوا المتن الروائي العسيري من زوايا نقدية متعددة، تراوحت بين التحليل المكاني وتأويل الأنساق الثقافية وقراءة الهوية في المتخيَّل السردي؛ وقد أُفضي بهذه الأبحاث إلى كتابين محكّمَين أصدرتهما دار الانتشار العربي في بيروت عام 2021م، وهما اليوم مرجعٌ لا يُستغنى عنه لكل دارس يريد الإمساك بخيوط هذا الحقل. ومن أبرز ما احتواه هذا المجمع البحثي: دراسة أ.د. محمد نجيب العمامي في «الحزام لأحمد أبو دهمان والهوية الملتبسة»، وورقة د. قاسم آل قاسم حول «الأنساق الثقافية في رواية جبل حالية»، فضلاً عن مقاربة أ.د. محمد بن يحيى أبو ملحة الجدلية لرواية «الإرهابي 20» التي استفزّت الحضور وكشفت عمق الاشتباك بين الأيديولوجيا والنص. وعلى الصعيد الأكاديمي المؤسسي، جاءت رسالة الماجستير التي أنجزها مكي موكلي في جامعة الملك خالد عن «دلالة المكان في مجموعة دامسة» لمحمد علوان العسيري لتعكس اهتماماً جامعياً محلياً بأدب المنطقة، يوازيه في الأهمية ما أسهم به أ.د. عبدالرحمن المحسني في «النص والأمكنة» من قراءات مكانية صريحة في النماذج العسيرية، وما رصده تحقيق صحيفة الشرق الأوسط (يناير 2014م) من تشخيص جماعي لأزمة غياب المكان العسيري بوصفه «مكاناً روائياً متشكّلاً» بالمعنى الكامل، وهو تشخيص لا يقلّل من حجم الإنتاج بقدر ما يدعو إلى مزيد من الاشتغال النقدي والتأسيسي. دراسات ومقالات اعتمدنا عليها في هذا التقرير:

  • د. محمد بن مريسي الحارثي: «أدبيات الهوية في جبل حالية».

  • أ.د. حسين المناصرة: «الحكي داخل الحكي: قراءة في نماذج روائية عسيرية».

  • أ.د. محمد نجيب العمامي: «الحزام لأحمد أبو دهمان والهوية الملتبسة».

  • د. قاسم بن أحمد آل قاسم: «الأنساق الثقافية في رواية جبل حالية لإبراهيم مضواح الألمعي».

  • د. مصطفى الضبع: «الهوية المكانية في القصة القصيرة السعودية (نماذج من السرد في عسير)».

  • أ.د. محمد بن يحيى أبو ملحة: «تلبيس الهوية في الإرهابي 20 بين السيرة الروائية ورواية السيرة الذاتية».

  • د. كوثر القاضي: «ثنائية الموت والحياة في رواية جبل حالية».

  • د. سحمي الهاجري: «سرد الهوية في رواية الحزام».

  • د. طاهر الجلوب: «تصدع قيم الهوية في الرواية النسائية السعودية: الباب الطارف نموذجاً».

  • أ.د. عبدالحميد الحسامي: «هوية المكان الريفي العسيري في المتخيل القصصي لظافر الجبيري».

  • د. علي الشبعان: «أقصوصة البيت القديم لإبراهيم الألمعي – مقاربة سيميوطيقية بنيوية».

  • د. إبراهيم محمد أبو طالب: «بناء الشخصية في القصة القصيرة النسائية في منطقة عسير».

  • أ. أحمد ملبس محمد عسيري: «مستويات اللغة السردية وتجليات الهوية في روايتي جبل حالية وعتق».

  • كتاب «النص والأمكنة: فصول في السرد والشعر» لأ.د. عبدالرحمن بن حسن المحسني (جامعة الملك خالد) يتناول رواية «جبل حالية» ضمن قراءات مكانية أخرى.

  • دراسة «سيرة المكان في الرواية السعودية» على موقع المنور.

  • كتاب «جماليات المكان في الرواية السعودية» لحمد البليهد (مواقع أعضاء هيئة التدريس بجامعة الملك سعود).

  • رسالة ماجستير: «دلالة المكان في مجموعة دامسة» لمكي موكلي – جامعة الملك خالد، عن المجموعة القصصية لمحمد علوان العسيري.

  • تحقيق صحيفة الشرق الأوسط: «رواية منطقة الجنوب السعودية... مجرد سير ذاتية ومذكرات؟»

  • ورقة نادي أبها الأدبي ضمن مشروع «قراءات في نتاج أدباء منطقة عسير» 12/8/1433هـ: قراءة عن رواية «الباب الطارف» قدّمها د. عبدالحميد الحسامي.


الخاتمة

يستوقف الدارسَ لتاريخ السرد في منطقة عسير ذلك الغياب اللافت للرواية قبل مطلع التسعينيات، وهو غياب لا يُفسَّر بالعقم الإبداعي لأهل المنطقة، إذ كانت فيهم ينابيع شعرية وسردية شفاهية ثرية موثّقة، بل يُفسَّر في ضوء جملة من العوامل البنيوية التي رصدها الأديب أحمد التيهاني وعدد من الباحثين المشاركين في مؤتمر «الهوية والأدب 2» بأبها، في مقدمتها أن الفن الروائي ارتبط في جذوره السعودية بالتطور الاجتماعي والانفتاح الحضري اللذين سبقت إليهما الحجاز دون سائر المناطق، فكانت البدايات الروائية في المملكة مرتبطة بيئياً ببيئة مدينية ساحلية ذات امتدادات تجارية وثقافية متشعبة، وهو ما افتقرت إليه عسير التي ظلت حتى وقت قريب منغلقة على نفسها خلف تضاريسها الجبلية الوعرة وبنيتها القبلية المحكمة. فضلاً عن ذلك، كانت المخيلة الجماعية العسيرية تُفرغ طاقتها الإبداعية في القصيدة الشعبية والزامل والسامر والحكاية الشفاهية التي تناقلها الأجداد ليلة بعد ليلة أمام نيران القرى، مما أخّر تحوّل الموهبة السردية من القالب الشفاهي الجمعي إلى القالب الكتابي الفردي تأخيراً طبيعياً لا عارضاً. ثم جاء التعليم المتسارع ومدّ الطرق وانبثاق الجامعات وعلى رأسها جامعة الملك خالد بأبها، ليُطلق في مطلع التسعينيات طاقة سردية محبوسة وجدت في الرواية والقصة القصيرة وعاءها الأمثل، فانفجرت بصورة كثيفة خلال سنوات قليلة، وكأن المنطقة كانت تُراكم خبراتها ومآسيها وذاكرتها الجمعية طوال تلك العقود استعداداً لحظة البوح السردي الكبرى.


وحين انبثقت تلك الرواية العسيرية وترسّخت، كشفت عن منظومة من الموضوعات المتكررة التي لا تُمثّل قواسم جمالية فحسب، بل تُعدّ في جوهرها أنساقاً ثقافية تُجسّد الوعي العسيري بذاته ومصيره وتحولاته. ولعل أبرز هذه الموضوعات وأكثرها رسوخاً هو موضوع القرية الجبلية بوصفها رحماً للذاكرة ومستودعاً للهوية، فقلّما غابت القرية عن رواية عسيرية دون أن تترك أثراً دلالياً بالغاً؛ هي في «الحزام» لأحمد أبو دهمان قرية آل خلف بسراة عبيدة، كائن حي يتنفس ويتذكر ويحلم وينقل عبر طقوسه الصغيرة من الختان والحزام وقوس قزح ذاكرةً جماعية متشابكة الخيوط؛ وهي في «جبل حالية» لإبراهيم مضواح الألمعي قبرٌ في ذاكرة قرية، تُروى أحداثها من جوف الموت لا من حافة الحياة، مما يمنح المكان بُعداً وجودياً لا يقتصر على الوصف الجغرافي. ومتشابكٌ مع هذا الموضوع موضوعٌ آخر لا يقلّ إلحاحاً، هو الهجرة من الريف إلى المدينة وما تخلّفه من أعطاب في الهوية، إذ يظهر بطل الرواية العسيرية في صورة «منقطع الجذور غير واقف على أرض صلبة» كما وصف المحسني بطل «جبل حالية»، إنسانٌ فقد قرويّته دون أن يكتسب مدنيّته، معلّقٌ في الفراغ بين عالمين لا ينتمي لأيٍّ منهما انتماءً كاملاً. وإلى جانب ذلك يبرز الصدام مع الصحوة الدينية والتطرف موضوعاً محورياً لا يمكن تجاهله في قراءة هذه الكتلة الروائية، وقد بلغ ذروته في «الإرهابي 20» لعبدالله ثابت التي جعلت من جبال عسير ومدارس تحفيظ القرآن مسرحاً لتشكّل وعي متشدد ينحدر نحو الهاوية، كاشفةً عن الكيفية التي تتضافر فيها الجغرافيا والتنشئة الدينية المتصلّبة والهامشية الاجتماعية في صياغة الإنسان المأزوم. كما يمثّل الموروث الشعبي بوصفه بطلاً موازياً ظاهرة أسلوبية متكررة بامتياز، فالحزام والخنجر والثوب العسيري المطرّز والحصون الحجرية وأسماء الأعشاب والنباتات المحلية واللهجة الدارجة بمفرداتها الثرية لا تُوظَّف في هذه الروايات زينةً فلكلورية عابرة، بل تُدرَج في صلب البناء الدلالي للنص وتحمل على كاهلها عبء التعبير عن هوية تتشقق في مواجهة الحداثة المتسارعة. أما موضوع المرأة في البيئة العسيرية فهو من الموضوعات التي تعاملت معها الرواية العسيرية بتعدد لافت في الأصوات والزوايا؛ فالمرأة عند أبو دهمان والجبيري أمٌّ وأرضٌ وذاكرة، وعند عبير العلي في «الباب الطارف» حضورٌ مُدهَش يُعيد تشكيل المكان العسيري بعيون أنثوية تصف الصباحات الضبابية لأبها والجدة وعبير الثوب في الأعياد، وعند سعاد عسيري ووجدان علي ونورة الغامدي وعائشة الحشر صوتٌ يُفاوض الموروث ويتساءل عن حدود ما هو ثابت وما هو قابل للتحوّل، مما يجعل الرواية العسيرية بمجموعها مرآةً معقّدة لا تعكس صورة واحدة للمجتمع بل تعكس طيفاً من الصور المتقاطعة والمتوترة، وهو ما يمنحها قيمةً توثيقية وجمالية نادرة في خارطة الرواية السعودية.

 
 
 

تعليقات


bottom of page