ملخص محاضرة: أزمة الحضارة الغربية – الجزء الأول للدكتور سعد البازعي
- أحمد المطلق

- 7 أكتوبر 2025
- 3 دقيقة قراءة

استهلّ الدكتور سعد البازعي حديثه بأن هذه المحاضرة تختلف عن أعماله السابقة، فهي ليست محاضرة مستقلة بل جزء من مشروع فكري ممتدّ يعكف عليه منذ التسعينيات بعنوان ”أزمات الحضارة الغربية“، وهو كتاب في مراحله الأخيرة، يهدف إلى دراسة التحولات الفكرية والتاريخية للحضارة الغربية من داخلها، لا من منظور هجائي أو تمجيدي، بل من موقع الفهم والتحليل.
خلفية المشروع واهتمامه بالموضوع
يروي البازعي أنه جمع مواد غزيرة عن الموضوع في تسعينيات القرن الماضي، لكنه أهملها فترة طويلة قبل أن يعود إليها. ويعترف بأن تراكم المعلومات وتغير المشهد العالمي جعلاه يعيد التفكير في طريقة المعالجة. يشير إلى أن هذا المشروع امتداد لمفاهيم طرقها في كتبه السابقة مثل:
”استقبال الآخر“: تناول فيه تفاعل المثقفين العرب مع الفكر الغربي.
”أزمات الثقافة“: الأقرب إلى هذا المشروع من حيث الفكرة والمنهج.
ويقول إن اهتمامه بنقد الحضارة الغربية جاء من قناعته بأن علاقتنا بالغرب عضوية وحتمية، فكل مؤسساتنا التعليمية والاقتصادية والاجتماعية متأثرة بالغرب، ولهذا لا بد أن نتعامل معها بوعي نقدي لا انبهاري ولا عدائي.
بين الرفض المطلق والانبهار الأعمى
ينتقد الدكتور سعد طرفي الموقف العربي من الحضارة الغربية:
فريق يرفض الغرب جملةً وتفصيلاً بدافع أيديولوجي.
وآخر يرى منجزاته مثالية لا يجوز نقدها.
ويؤكد أن كليهما يفتقر إلى الوعي التاريخي. فالغرب نفسه يعيش أزمات داخلية عميقة يعترف بها مفكروه وفلاسفته، ومن هنا جاءت فكرة مشروعه: أن نقرأ الغرب من خلال أزماته لا عبر انتصاراته.
الحرب العالمية الأولى وبداية وعي ”الأزمة“
يُبرز البازعي أن الحرب العالمية الأولى كانت نقطة التحوّل الكبرى في الوعي الأوروبي، إذ هزّت إيمانهم بعقلانية التنوير والتقدم الخطي للحضارة.
ومن رحم تلك الصدمة وُلدت عشرات الكتب التي ناقشت ”أزمة الغرب“، منها:
إدموند هوسرل: أزمة العلوم الأوروبية – رأى أن الفلسفة انحرفت منذ ديكارت وأنها بحاجة إلى تأسيس جديد.
أوزفالد شبنجلر: انحدار الغرب – طرح تشاؤمي حول أفول الحضارة الغربية.
بول هازار: الأزمة الأوروبية – قدّم رؤية أكثر تفاؤلاً، معتبرًا أن الأزمات قد تولّد نهضة جديدة.
أرنولد توينبي: تحدّث عن صعود الحضارات وانحدارها كدورات طبيعية.
مدرسة فرانكفورت وفلاسفة ما بعد الحرب
يشير البازعي إلى أن مدرسة فرانكفورت قدّمت نقدًا عميقًا لمشروع التنوير ذاته، معتبرة أن العقل الأداتي هو الذي مهّد لظهور الشموليات والحروب. ومن أبرز رموزها: أدورنو وهوركهايمر وهابرماس. كما يلفت إلى الدور الكبير للمفكرين اليهود في هذا الحقل، مثل هوسرل وباومان وهابرماس، ويعلّق ساخرًا: “كلما درست مفكرًا اكتشفت أنه يهودي!”، مشيرًا إلى حضورهم المؤثر في الفكر الغربي الحديث نتيجة معاناتهم التاريخية من الاضطهاد والحروب.
المفكران الأهم في دراسة ”التأزم“
إدغار موران (Edgar Morin)
يُعدّه البازعي المؤسس الحقيقي لما سمّاه ”علم الأزمة“ (Crisisology) في مقال نشره عام 1976.
يرى أن الأزمة ليست حدثًا، بل منهجٌ في الفهم والتحليل.
الأزمات عنده تمتد من الاقتصاد إلى الثقافة والفكر والعلم، وهي مرآة تكشف عمق التحولات.
يشرح أصل كلمة ”Crisis“ الإغريقي التي كانت تعني “الاختيار والتشخيص”، بينما اليوم أصبحت تعني ”الارتباك وعدم اليقين“، أي أن الكلمة نفسها دخلت في أزمة دلالية.
زيغمونت باومان (Zygmunt Bauman)
صاحب مفهوم ”الحداثة السائلة“.
في كتابه State of Crisis (مع كارلو بوردوني، 2014) يناقش أزمات الدولة والحداثة والديمقراطية.
يرى أن الأزمة تعني غياب اليقين والرغبة في التدخل، بينما أضاف بوردوني فكرة ”التخلي عن المسؤولية“ حين يُلقى اللوم دائمًا على ”الأزمة“ لا على الفاعلين.
المفارقة اللغوية والفكرية لمفهوم ”الأزمة“
أوضح البازعي نقلاً عن موران أن كلمة Crisis كانت في الأصل لحظة الوضوح عند الأطباء الإغريق لتشخيص المرض، أما اليوم فصارت لحظة الغموض والحيرة، أي أن المفهوم انقلب على نفسه. ويصف موران هذا التحول بأنه ”تأزيم للأزمة نفسها“، أي أن حتى فكرة الأزمة أصبحت تمر بأزمة دلالية تعكس عمق التحول الحضاري.
الأزمة كعلامة وعي لا كارثة
استشهد البازعي بقول هايدغر: إن مرور العلوم بأزمة علامة صحية لأنها تدل على وعي الذات بمشكلاتها. ويضيف البازعي: ”نحن لا نتحدث عن الأزمة للتقريع أو الرفض، بل للفهم؛ لأن الفهم بداية الحل“. فالأزمة إذًا ليست مرضًا، بل حالة مخاض حضاري قد تفضي إلى تجدد أو انحدار، تبعًا لكيفية التعامل معها.
الأزمات في الحضارات الأخرى
شبّه البازعي أزمات الغرب بأزمات الحضارة الإسلامية:
أزمة خلق القرآن في عهد أحمد بن حنبل.
أزمة ابن رشد في المغرب.
أزمات فكرية أخرى غيّرت مسار التاريخ الإسلامي، وأكد أن التأزم جزء من المسار الطبيعي لأي حضارة حية.
نحو وعي جديد بالأزمة المعاصرة
في ختام حديثه، دعا الدكتور سعد إلى النظر في الأزمات الجديدة التي يعيشها الغرب والعالم اليوم:
أزمة الذكاء الاصطناعي وتأثيره على الإنسان والعمل.
أزمة وسائل التواصل الاجتماعي.
أزمة العلاقة بين الدين والعلم في أوروبا.
أزمة الأقليات وما بعد الثورة الصناعية.
وقال إن كتابه القادم سيتناول هذه المحاور تحت عنوان جامع هو ”أزمة الحضارة الغربية“، مؤكدًا أن الحديث عن أزمة الغرب ليس ترفًا فكريًا بل ضرورة لفهم واقعنا المعاصر.
اختتم البازعي محاضرته قائلاً:
”التأزم حالة طبيعية في كل حضارة. المهم أن نعيها، نفهمها، ونعيد تشكيل وعينا من خلالها. الحديث عن الأزمة ليس نهاية التاريخ، بل بدايته.“
.png)

تعليقات