سارد الصحراء: عواض شاهر العصيمي
- فريق التحرير
- 8 ديسمبر 2025
- 29 دقيقة قراءة

في المشهد الروائي السعودي المعاصر يبرز اسم عواض شاهر العصيمي بوصفه صاحب تجربة سردية خاصة ومتميزة. فهو روائي سعودي جمع في أعماله بين عوالم الصحراء بكل ما تزخر به من تراث وذاكرة، وبين تجليات الحياة الحضرية وتحوّلات المجتمع السعودي الحديث. تتسم رواياته بقدرة فريدة على رصد تفاصيل البيئة البدوية ونقلها بحس أدبي راقٍ إلى المتلقي، فمنذ أواخر الثمانينات وهو ينسج الحكايات؛ بدأها بالقصص القصيرة ثم انطلق إلى فضاء الرواية الطويلة، ليقدّم للمكتبة العربية أعمالًا روائية متعددة تعكس تطور تجربته وعمق رؤيته الفنية. وفي هذا التقرير السردي الموسّع، نسبر أغوار التجربة الروائية لعواض العصيمي منذ البدايات الأولى وحتى أحدث إصداراته، ونستعرض مسيرة تطوره الأسلوبي والفكري، ونوثّق ما قيل عنه نقديًا وإعلاميًا من قبل نقّاد الأدب والصحافة. كما نتوقف عند محاولات تحويل رواياته إلى أعمال بصرية، مسلّطين الضوء على ظروف تلك التحولات وتفاعل الجمهور والنقّاد معها.
النشأة والبدايات
وُلد عواض شاهر العصيمي ونشأ في بيئة كانت فيها الحكاية الشعبية جزءًا أصيلًا من الحياة اليومية. منذ صغره استمع إلى القصص التي يتناقلها كبار السن شفاهيًا في المجالس، وتأثر بتلك الأجواء الحكائية الدافئة. في سن الرابعة عشرة بدأ يتعرّف على عالم القراءة الجادّة؛ فكانت أولى قراءاته في مكتبات أحياء مكة المكرمة حيث جذبه الأدب الشعبي وكتب التراث والشعر النبطي التي توافرت هناك. قرأ سِيَر وأعمال من التراث الشعبي مثل قصة الأمير حمزة البهلوان وملحمة سيف بن ذي يزن وغيرها، قبل أن ينتقل لاحقًا إلى قراءة الروايات والقصص الكلاسيكية العربية والعالمية وبعض المسرحيات، وهي القراءات التي فتحت أمامه آفاق الأدب الحديث. هذه المرحلة المبكرة – مرحلة الانتقال من سماع الحكايات إلى قراءتها – كانت حاسمة في تكوينه الثقافي، إذ رسّخت فيه شغف السرد وقدرة التخييل.
مع مطلع عقد الثمانينات الميلادية، وتحديدًا حوالي عام 1986، بدأ العصيمي يجرّب الكتابة السردية بنفسه . نشر أولى قصصه القصيرة في مجلة اليمامة آنذاك. وجد العصيمي دعمًا وتوجيهًا من الوسط الثقافي منذ خطواته الأولى؛ فقد كان الشاعر محمد جبر الحربي – محرر القسم الأدبي في مجلة اليمامة حينها – يتلقّف النصوص الواعدة ويقدّمها تشجيعًا لأصحابها. قام الحربي بنشر قصص العصيمي المبكرة على صفحات المجلة من باب الدعم غير المباشر، مما عزز ثقة الكاتب الشاب بنفسه وشجّعه على مواصلة الكتابة. يعترف العصيمي بأن ذلك الاحتضان النقدي المبكر كان له أثر بالغ؛ فلو قوبلت محاولاته الأولى بتجاهل أو تعالٍ من المحررين آنذاك، ربما كان سيتوقف عن الكتابة تمامًا. لكن ما حصل هو العكس، إذ تولّدت لديه ”فكرة الاستمرار“ كما يصفها، وأصبح شغوفًا بتنمية موهبته وصقلها بالقراءة والتجربة.
الأعمال القصصية
في عام 1997 أصدر العصيمي باكورة إنتاجه المكتوب في كتاب مستقل، حيث جمع قصصه القصيرة المبكرة في مجموعة صدرت عن دار البلاد للنشر في جدة حملت عنوان ”ذات مرة“. شكّلت تلك المجموعة القصصية خطوة أولى نحو دخول المشهد الأدبي السعودي ككاتب قصصي. تميزت قصص ”ذات مرة“ بالتكثيف والإيجاز، وقد تعلّم العصيمي من خلال ممارسته لفن القصة القصيرة أهمية «الكتمان الفني والإيجاز السردي وعدم إفشاء سرّ النهاية» كما يذكر. هذا الوعي ببناء القصة وخاتمتها شكل قاعدة صلبة انطلق منها لاحقًا إلى فضاء الرواية الطويلة. ويمكن القول إن أواخر التسعينات مثلت فترة التأسيس الفعلية لمشروعه السردي؛ فإلى جانب نشر المجموعة القصصية، كان يكتب مقالات وقصصًا متفرقة في الصحف، ويطالع بشغف إبداعات روائية عربية وعالمية ليستزيد من تقنيات السرد. كل ذلك هيّأه للانتقال إلى مرحلة جديدة مع مطلع الألفية الجديدة، هي مرحلة كتابة الرواية، التي ستجعل اسمه لاحقًا أحد الأسماء البارزة في المشهد الروائي السعودي.
أما المجموعة القصصية الثانية فتأتي تحت عنوان لافت: «ما من أثر» (2007)، وهو عنوان يعكس جوهر القصص التي تتحدث – كما لاحظ بعض النقاد – عن بشر «يمرّون في الدنيا ولا يتركون أثراً». صدرت المجموعة عن دار طوى، وتضم نحو خمسة عشر نصاً قصصيًا، من بينها «الغراب»، و«حياة على جرف»، و«المحفظة»، و«عدوى»، و«حالات خمس لشجرة ليمون في حقل فارغ»، و«فضول»، و«صانع الأبواب». تتنوع القصص بين اليومي العابر والمجاز العميق، وبين الحالة النفسية المضغوطة والمشهد الخارجي الخافت، لكنّها جميعاً تتقاسم روحاً واحدة: الوجود بوصفه لغزاً لا يُرى إلا من خلال الانكسارات الصغيرة. تُكتب القصص بأسلوب شديد التكثيف، يعتمد على الوصف المشحون بالمناخ قبل بناء الحبكة. أشار أحد النقاد إلى أن العصيمي يبدأ قصصه «دون تمهيد»، ثم يرفع كثافة السرد تدريجيًا حتى يصل إلى ذروة صادمة أو مدهشة، دون أن يصرّح بالغاية، تاركًا القارئ يطارد المعنى عبر «الجمل المخبأة» في النص. لغته نحتٌ لغوي لا يعرف الزوائد؛ جُمل طويلة، معقدة، تذكّر أحيانًا بأسلوب «الجملة الذهنية» في الرواية الحديثة، لكنها تبقى مشدودة بإيقاع داخلي يوازن بين التأمل والدقة. ولهذا اعتُبرت المجموعة من الأعمال التي تُقرأ ببطء، لأن جمالياتها تتشكل من طبقات دقيقة لا تُمنح بسهولة. أما الثيمات، فتكمل المشروع الوجودي الذي سيتضح لاحقًا في رواياته الكبرى: عزلة الإنسان، الاغتراب، وطأة الزمن، هشاشة الحقيقة، والخوف من العالم. شخصيات العصيمي هنا محاصرة بتوتر دائم؛ أحيانًا لا تعرف ما الذي تخشاه، لكنها تستشعر أن هناك «عينًا تراقبها»، أو قوة غامضة تفصلها عن الواقع كما لو كان حاجزًا زجاجيًا. الطبيعة المحيطة – في بعض القصص – ليست حليفة، بل مصدر تهديد خافت: الغراب، الحقول الفارغة، الصمت، والأشياء التي تتحرك بلا سبب ظاهر. وخلف هذه التفاصيل اليومية تتولد الأسئلة الوجودية: لماذا يبدو كل شيء معتماً؟ وما الذي يجعل الحقيقة بعيدة وصعبة المنال؟
على المستوى الاجتماعي، تطرح بعض القصص ملفات مثل الفساد، والنزعات الشهوانية، ومشكلات العلاقات الإنسانية، لكن العصيمي لا يتناولها بسياسة مباشرة، بل عبر معالجة فنية توظف الرموز والإيحاءات. العالم في هذه المجموعة يبدو مائلاً نحو العتمة، والزمن بطيئاً ومثقلاً، والشخصيات مترددة كأنها تعيش في «ممر ضيق بين الحياة والمعنى». ولهذا لم يكن غريبًا أن يصف أحد النقاد المجموعة بأنها نصوص «محاطة بالغبار والدخان»، ليس بمعنى الضبابية فحسب، بل بمعنى أن الحقيقة لا تُرى إلا بعد إزالة طبقات كثيفة من الظلال. تندرج «ما من أثر» ضمن أعمال العصيمي المبكرة، بعد مجموعته الأولى «ذات مرة» (1997)، وقبل مجموعته اللاحقة «فكرة واحدة صالحة للدور الأرضي» (2010). وقد أصبحت – لاحقًا – مرجعًا لفهم تطور أسلوبه، إذ إنها تجمع بين الجملة المعقدة والرمز الكثيف والنبرة الوجودية التي ستصبح سمة بارزة في رواياته. كما لاحظ النقاد أن هذه المجموعة تكشف ميل العصيمي إلى الكتابة عن الهواجس المخفية، وعن أبطال «مُعذّبين» يعيشون صراعهم الأكبر مع أنفسهم لا مع العالم الخارجي. حظيت المجموعة بإشادة نقدية معتبرة؛ فقد وصفتها إحدى الصحف بأنها «مجموعة متفوقة»، وأشادت بقدرة الكاتب على التقاط التفاصيل الدقيقة ورسم «نمنمات خلّابة» من المشاهد والمشاعر. كما أشار ناقد عربي إلى أن القصص «تضمر أسراراً» وتتطلب من القارئ صبرًا وتأملاً، لالتقاط المعاني التي لا تُقال. وفي مراجعة أخرى، قورنت أجواء المجموعة بفيلم سوداوي، حيث يتعانق السرد المبطّن مع المزاج النفسي المكثف. ومع ذلك، فإن غموض القصص لم يُفقدها أثرها؛ بل جعلها – بشكل متناقض – واحدة من المجموعات التي تبقى في ذاكرة القارئ، لأن رموزها «تتسلل ببطء»، ولأن نهاياتها المفتوحة تستدرج القارئ إلى التفكير بعد إطفاء الصفحة.
تتخذ مجموعة «فكرة واحدة صالحة للدور الأرضي» (2010) موقعًا لافتًا في المسار القصصي لعواض شاهر العصيمي، لأنها تمثل انتقالًا من السرد الواقعي المشحون بالرمز—كمل في «ما من أثر»—إلى سرد يقوم على تفكيك الفكرة نفسها بوصفها وحدة بنائية، واعتبارها محرّكًا للحكاية لا نتيجتها. وإذا كانت أعمال العصيمي اللاحقة (مثل «نار المرخ» و«المهرّب» و«تباريح غبنة») تعتمد طبقات الرمزية الوجودية، فإن هذه المجموعة تكشف جذور ذلك التوجّه في شكل تجريب قصير، مكثّف، ومشحون بالمفارقة. صدرت المجموعة عن دار سندباد بالقاهرة، وجاءت في نحو 80 صفحة، لتكون العمل القصصي الثالث في تجربته بعد «ذات مرة» (1997) و«ما من أثر» (2007). تضم نصوصًا قصيرة، أهمها القصة الحاملة لعنوان المجموعة، التي تُبنى على سلسلة «أفكار» مرقّمة؛ كل فكرة مشهد، وكل مشهد خطوة جديدة نحو فهم معقّد لشخصية الراوي، الذي يبدو كاتبًا شابًا يواجه اتساع العالم بضيق التجربة. في هذه القصة، يحرّك العصيمي السرد عبر التخييل الداخلي؛ الفكرة الأولى تؤسس لقاءً مصيريًا يَعِد بالتحرّر؛ الفكرة الثانية تصنع مفارقة بين حلم الشهرة وحقيقة الجلوس وحيدًا على الرصيف؛ الفكرة الثالثة تستعير من رائحة العود رمزًا للتسوّل المعرفي؛ والرابعة والخامسة تلمّحان إلى تفتّت الذات في مواجهة الفشل؛ أما السادسة والسابعة فتتقدمان نحو غموض أكثر كثافة: جيبٌ يَخشْخِش بسرّ خفي، وهاتفٌ ينادي البطل باسمه («يا منيف») في تجاهل يخلق صمتًا أكثر قوة من النداء نفسه.
هذه البنية—القائمة على «الأفكار» بدل المشاهد التقليدية—تجعل النص قريبًا من المونتاج السينمائي، لكن بمحتوى نفسي لا بصري؛ تقطع، تومض، وتترك وراءها هواءً مفتوحًا. يتعامل العصيمي مع الفكرة كما لو كانت كائنًا قصصيًا مستقلًا، لا مجرد أداة. الفكرة تُضيء، ثم تنطفئ، وتبقى آثارها في المساحة البيضاء بين الفقرات. أسلوب العصيمي هنا يختلف عن تكثيف الظلال الذي ميّز «ما من أثر». ففي هذه المجموعة، يصبح الاختصار طاقة سردية: الجمل قصيرة، حادة، متوترة، لكنها محمّلة بإيحاءات تُحوِّل كل مشهد بسيط إلى علامة رمزية. لا توجد ديكورات لغوية؛ اللغة تؤدي وظيفة كشف الداخل، لا وصف الخارج. المفارقة جزء من الأسلوب: الكاتب يقتل البعوض بسيجارة، لكنه يحلم برواية عظيمة؛ يرسل العود إلى الأثرياء، لكنه يفتقر إلى أي ثراء حقيقي؛ يسمع هاتفًا يناديه، لكنه لا يجيب. وهكذا يتحول الدور الأرضي إلى طبقة مجازية: قاع الوجود، الدنوّ من الواقع الأدنى، نقطة الانطلاق من الصفر. الثيمات في هذه المجموعة تنبع من هواجس الكاتب والفنان: صراع الرغبة بالتحقق مع عجز الواقع، الانفصال عن الناس، الحلم كمخرج، والفكرة كملجأ أخير. تتكرر ثيمة العزلة؛ البطل جالس على الرصيف، محاط بالبعوض، بعيد عن الصحافة التي تطارده في خياله. وتظهر ثيمة الفشل والخوف، لكنها ليست فشلًا اجتماعيًا بقدر ما هي فشل ذهني: خوف من أن لا تكون هناك «فكرة ناجية» ترفعه من قاع الدور الأرضي. كذلك، تحضر الإحالة الضمنية إلى الواقع الثقافي: هوس الإعلام بالروائيين، وضبابية النقد، وسوء الفهم بين الكاتب وعالمه. ورغم محدودية التغطية النقدية المتخصصة، إلا أن المجموعة وردت في الفعاليات الأدبية، منها أمسية في نادي القصيم الأدبي عام 2011، كما أكدتها ببليوغرافيا منشورات عام 2010 ومقابلات صحفية مع العصيمي. ويظهر من هذه السياقات أن المجموعة احتُفي بها بصفتها خطوة متقدمة في تجريب العصيمي القصصي، إذ مزجت بين الرؤية الوجودية واللغة الموجزة والهيكل المفتوح. بهذا، تمثل «فكرة واحدة صالحة للدور الأرضي» حلقة انتقال مهمّة في أدب العصيمي: الانتقال من القصة القصيرة التي تصنع حدثًا رمزيًا، إلى القصة التي تشكّل الفكرة نفسها موضوعها. ومن هنا يمكن قراءة أعماله اللاحقة بوصفها امتدادًا لتجريب بدأ مبكرًا: تجريب يضع الإنسان أمام مراياه الداخلية، ويجعل الفكرة—لا الحدث—هي التي تحدّد مصير الشخصية، وتطرح سؤالها الوجودي العميق: أيُّ فكرةٍ يمكنها أن تردّ الإنسان من حافة الدور الأرضي إلى الأعلى؟
أما آخر مجموعة قصصية نشرها عواض العصيمي فهي مجموعة «رفيقة إلى البيت» (2016) وتأتي بوصفها خطوة ناضجة في مسار عواض شاهر العصيمي القصصي، وهي تكثّف -ربما أكثر من أي مجموعة سابقة- جوهر مشروعه في كتابة الأقصوصة الصحراوية-الوجودية: نصوص قصيرة للغاية، مشحونة بالرمز، وبعوالم هامشية تُروى بحدس سردي حساس يجعل من الوقائع الصغيرة مشاهد كبرى ذات دلالة. وإذا كانت «ما من أثر» قد عمّقت منطقة الغموض والقلق الوجودي، و«فكرة واحدة صالحة للدور الأرضي» قد فجّرت بناء الفكرة بوصفها وحدة سردية، فإن «رفيقة إلى البيت» تغلق هذا الثالوث بتجريب أكثر حدّة في التكثيف، وأكثر قربًا من الوعي الصحراوي الذي يرى في أدق الأشياء علامات لهوية تتلاشى وتتجدد باستمرار. صدرت المجموعة عن «مؤسسة الانتشار العربي» في 88 صفحة، وتضم عشرات القصص القصيرة جداً، تتفاوت أطوالها بين سطور قليلة وصفحة أو صفحتين، لكنها جميعًا تمسك بخيط واحد: تحويل المشهد اليومي المتفلت إلى ومضة دلالية. شخصياتها تنتمي إلى الطبقات الريفية والبدوية والهامشية، تبدو كأنها «نسخة منقّحة من البنى الاجتماعية» كما وصفها الناقد، حيث تُستعاد من خلال السرد حياةٌ عامة وبسيطة، لكنها محمّلة بقلق الإنسان تجاه وجوده وحدود عالمه. القصة التي تحمل عنوان المجموعة، «رفيقة إلى البيت»، ليست وحدها المركز، بل تتوزع المركزية على قصص متعددة: «نزاع في الأعلى»، «تأخرت كثيرًا»، «نقرة على الآتي»، «الكلاب»، «احتمالات»، «خاتمة»، «تثاؤب»، «دويبة الحريش» وغيرها. هذه القصص—على قصرها—ترتكز على بناء داخلي يضفر بين المشهد الواقعي والرمز، وبين السرد والتعليق، وبين النبرة الشفوية واللغة الأدبية المحكمة. في «نزاع في الأعلى»، يدور الحدث في عمارة آيلة للسقوط، حيث الخوف من «الموت الفجائي» يضرب السكان في لحظة تكثّف رمزية عن هشاشة الإنسان في مواجهة الإهمال الاجتماعي. أمّا «تأخرت كثيرًا» فتمزج الذاكرة بالحنين؛ رجل يبحث في ذهنه عن صورة الريف البدوي الذي رحل، فيتجلى النص بوصفه تأبينًا لذاكرة جماعية تتلاشى. في «نقرة على الآتي» يشتبك التاريخ مع الحاضر، وتتناص الحروب القبلية القديمة مع صراعات العرب المعاصرة، ليصبح النص تعليقًا مريرًا على الدوران التاريخي. بينما تُعيد قصة «الكلاب» رسم الصحراء من خلال ولادة جراءٍ في فضاء مهجور، وتربط مصير الإنسان الصحراوي بالتحولات البيئية التي أصابت الحيوان والطبيعة. وفي «احتمالات»، يدخل الذئب بوصفه رمزًا دينيًا وأدبيًا، تتنازع دلالاته بين الغدر والافتراس والخوف، وتنتهي القصة بلا نهاية، في تجلٍّ لحداثة سردية تفكك مركزية الحكاية. قصة «خاتمة» تستخدم قائمة احتمالات تتعلق بمصير «النحّال الأخير»، وتعمل بوصفها مرثية لزمن يختفي، بينما تجسد «تثاؤب» حكاية جبل يحتضر، ويُعاد خلقه عبر حركة حجرٍ يسقط، في أسطورة وجودية عن دورة الحياة. أما «دويبة الحريش»، فتذهب نحو أصغر عناصر الطبيعة؛ حشرة صغيرة تتعلّق بحذاء الراوي، فيحوّلها النص إلى درس استبطاني في العناية بالهامشي وبما لا يُرى.
البنية السردية في هذه المجموعة تُعيد تعريف شروط القصة القصيرة جداً: تكثيفٌ لغوي، وحدة حدث، اقتصادٌ دلالي، ومفارقة ختامية. لا يحتفي العصيمي بالوصف الخارجي، بل يبني قصصه على «الانزياح اللحظي»—تغير مفاجئ في المشهد أو الدلالة—يترك أثرًا يمتد أكبر من حجم النص. لغته متقشفة، خالية من الزوائد، لكنها مشحونة بصور بصرية تُحيل إلى عالم رمزي: الجبل، الذئب، الحشرة، العمارة المتهالكة، الريح، السطوح، آثار النوم. تتنوع الأصوات السردية، فيأتي الراوي مرة بصوت شاهد خارجي، ومرة بضمير المتكلم، وأحيانًا بصوت جمعٍ هامشي، ما يُظهر قدرة الكاتب على تطويع الإيجاز لبناء تعدد منظورات. الرمزية في «رفيقة إلى البيت» ليست زينة أسلوبية، بل هي جزء من البناء الدلالي: الذئب رمز الخطر؛ النحّال رمز الفناء؛ الجبل رمز الزمن؛ الحشرة رمز الوجود الجزئي؛ الحروب القبلية رمز التاريخ الذي لا ينتهي. التناص حاضر: من يوسف عليه السلام إلى حروب داحس والبسوس إلى رموز المسيح الدجّال. هذه الإحالات لا تُستخدم للتزيين، بل لإنتاج مخيال صحراوي–وجودي تتردد فيه أسئلة الإنسان أمام كوارثه الصغيرة والكبيرة. ضمن المسار الأدبي للعصيمي، تأتي «رفيقة إلى البيت» بعد سلسلة من الأعمال الروائية والقصصية التي اشتغلت على ثيمة الصحراء والوجود والهوامش البشرية. إنها أشبه ما تكون بمرحلة ناضجة في وعي الكاتب بالجنس القصصي نفسه—مرحلة يعرف فيها أن القصة القصيرة جداً ليست «قِصَرًا في الحجم»، بل توسيعٌ للمجاز وتشذيبٌ للغة حتى يبقى جوهر واحد: لحظة الوجود المكثفة. ولهذا تُقرأ المجموعة بوصفها امتدادًا لأسلوبه المعروف، ولكن أيضًا بوصفها تجربة فردية صافية، تعيد تأكيد رؤيته للكتابة بوصفها فنًّا لالتقاط الخفيّ والمتفلّت في حياة الإنسان. النقد الذي كُتب عن المجموعة -سواء في الصحافة أو في الدراسات الأكاديمية- ركز على شاعريتها الصحراوية، وعلى جمالية التكثيف ومهارة التحويل الدلالي. تناولت مستورة العرابي (عكاظ) فضاء الصحراء بوصفه مركزًا رمزيًا للأقصوصة، ودرست جامعة طنطا الجانب السيميولوجي للنصوص، مسلطة الضوء على علاقة المكان بالحرمان والهوية. وتواترت تعليقات أخرى في مواقع القراءة والناشر تشير إلى قوة الأصوات السردية وتعدد مستويات المعنى. بهذا، تشكل «رفيقة إلى البيت» واحدة من أهم مجموعات العصيمي القصصية؛ فهي تعكس خبرته الناضجة في توظيف الأقصوصة لالتقاط نبض الحياة القلق، وإعادة صياغته في نصوص قصيرة تلمع بسرعة وتختفي، لكنها تترك—على خلاف عنوان مجموعته السابقة—أثرًا شديد الوضوح في تجربة القارئ وفي مسار الكاتب نفسه
الأعمال الروائية
دخل عواض العصيمي عالم الرواية من أوسع أبوابه في بداية الألفية. جاءت روايته الأولى بعنوان ”أو .. على مرمى صحراء.. في الخلف“ عام 2002 عن دار الشروق. في هذه الرواية – كما يوحي عنوانها – تظهر ملامح الصحراء بقوة كمسرح للأحداث أو خلفية دلالية للسرد. لم يتردد العصيمي منذ البداية في استلهام البيئة الصحراوية التي خبرها وعايش تفاصيلها، ليجعل منها عالمًا قائمًا بذاته داخل نصه الروائي. وقد أعقبتها رواية ثانية صدرت عام 2003 بعنوان ”أكثر من صورة وعود كبريت“ عن دار شرقيات؛ ورغم غرابة العنوان، إلا أنه يعكس أسلوب العصيمي في التوليف بين العناصر (الصورة، عود الثقاب) لإشعال شرارة السرد، وربما حمل العمل في طياته رمزية لعوالم تتجاوز الظاهر، لكن التفاصيل حول هذه الرواية تحديدًا نادرة في المصادر المتاحة. ما نعرفه أن الروايتين المبكرتين رسّختا قدم العصيمي كروائي بدأ يشق طريقه بخطى ثابتة.
غير أن الانطلاقة الحقيقية والصيت الأوسع جاء مع روايته الثالثة ”قنص“ التي صدرت في 2005 عن دار الجديد ببيروت. قنص تعني الصيد أو القنص، وبالفعل فإن الرواية تغوص في عالم البادية وصيد الفرائس، ولكنها تقدّم ذلك العالم بنظرة مغايرة تنأى عن الصورة النمطية الرومانسية للصحراء. يرى نقّاد الأدب أن العصيمي في قنص بدا وكأنه «يستعيد عالمًا من العدم»؛ فقد أعاد بعث الصحراء كفضاء روائي مركزي بعد أن زحفت الحداثة واكتسحت مظاهرها معظم جوانب الحياة في المملكة. لم تعد الصحراء في قنص مجرد مكان جغرافي، بل أصبحت عالمًا متكاملًا من القيم والتحوّلات. يقول أحد النقاد في معرض قراءته للرواية: «يتفرد العصيمي من بين الروائيين السعوديين باشتغاله على موضوع الصحراء، لا يرتكز إلى ذاكرة قرائية أو مرويات شفاهية، إنما يذهب في كتابة حياته نفسها كبدوي حقيقي عاش شطرًا من حياته في الصحراء»، هذا التصريح يكشف جانبًا مهمًا من تجربة العصيمي؛ فهو يكتب عن الصحراء من واقع معايشة وتجربة شخصية، ما يضفي على نصه صدقية واقعية ولمسة حنين دفينة. رواية قنص لم تكن تمجيدًا ساذجًا للصحراء ولا نوستالجيا مثالية لحياة البدو، بل على العكس تمامًا؛ يعمد العصيمي فيها إلى كسر صورة الصحراء الطاهرة مقابل المدينة المدّنسة. يصوّر العالم الصحراوي بكل ما فيه من قسوة وصراع على البقاء، حيث تتحكم قيم القنص والافتراس في العلاقات الإنسانية. فالبدوي يمكن أن يكون صيادًا وفريسة في آن واحد، وهذه الازدواجية في الحالة الوجودية هي ما سعى الروائي إلى الإمساك به. وحقًا، تنقلب الأدوار داخل النص ليجد الصياد نفسه مطاردًا، مما يخلق توترًا عميقًا يعكس إشكالًا وجوديًا لدى الشخصيات. وقد تجلّى ذلك دراميًا عبر حبكة الرواية: البطلة الشابة ”هذلا“ يُجبرها والدها على التنكر في زي صبي صغير اسمه ”ناشي“ هربًا من ثأر وتهديد اجتماعي، فتعيش صراعًا داخليًا بين أنوثتها المكبوتة وهيئتها الذكورية المفروضة. وفي الوقت نفسه يطارد أحد شخصيات الرواية (فرحان القناص) أشباح خوفه وهاجس خيانة المرأة له، فيهيم على وجهه في البراري طلبًا لموت بطولي يفخر به بدلًا من أن يكون فريسة للخوف. هذه الحبكة المعقدة والمتشابكة، وما تضمّنته من تقمّص للهوية الجندرية (امرأة تتنكر كرجل) وصراع بقاء، قد أدهشت القرّاء والنقّاد على حد سواء. وأصبحت قنص علامة فارقة في مسيرة العصيمي، إذ أثبتت نضجه السردي وقدرته على بناء عالم روائي غني بشخصيات متعددة الأبعاد وتقنيات سردية حديثة (كالسرد متعدد الأصوات بين الراوي العليم وحوارات الشخصيات).
بعد قنص، انتقل العصيمي في مشروعه الروائي إلى مساحة مختلفة جغرافيًا وثقافيًا. ففي عام 2009 نشر رواية ”المنهوبة“ (صدرت عن نادي حائل الأدبي ومؤسسة الانتشار العربي). وإذا كانت أعماله السابقة قد انغمست في رمال البادية، فإن المنهوبة حملت القارئ إلى مدينة الطائف وإلى نبض الحياة اليومية فيها. تتألف الرواية من تسعة فصول، وتركز على شخصيات رئيسية مثل ”سلمان“ و”جبر“ و”منازل“. يفتتح العصيمي الرواية بوصف دقيق لأحياء الطائف وأزقتها، متنقلًا بين مناطقها من حي النخب إلى الجال ثم جبرا فغيرها من الأحياء التاريخية، كأنه ”يتنقل بالقارئ في أحياء مدينة الطائف وأزقتها وحواريها“. في شخصية ”سلمان“ يمزج الروائي بين وجهين من ثقافة الطائف: فن المجرور (وهو رقصة فلكلورية حجازية مشهورة في الطائف) وبين عمل سلمان كسائق ينقل الركاب بسيارته. هذا المزج سمح للعصيمي بأن يقدّم بانوراما تفصيلية لحياة الناس في الطائف، جامعًا بين الفن الشعبي (لعبة المجرور وأغانيها) وتفاصيل المهنة اليومية المتمثلة في قيادة السيارة ومجالسة الركاب والاستماع لقصصهم. يعلّق أحد الكتّاب في صحيفة المدينة على ذلك بقوله إن الرواية نجحت في نقل أدق تفاصيل حياة الناس بالطائف عبر تنقل الشخصيات في فضاءات المدينة المختلفة. وليس ذلك فحسب، بل تحمل المنهوبة بُعدًا بوليسيًا وتشويقيًا أيضًا، يتجلى في حبكة الرسائل الغامضة التي يكتبها ”جبر“ لـ”منازل“ وشكوك ضابط التحقيق حول صحّتها. من هذه الرسائل مثلاً رسالة يكشف فيها جبر سرًا صادمًا عن نسبه الحقيقي وعلاقته بالشخصية الأخرى ”مرزوق أبو ريال“، وهو سرّ يقلب فهمنا لعلاقات الشخصيات رأسا على عقب. لعلّ عنوان الرواية ”المنهوبة“ – أي المسلوبة أو المسروقة – يومئ إلى ما تسلبه الحياة من شخصياتها: براءتهم ربما، أو حقوقهم، أو حتى أحلامهم في خضم صراع اليومي. لقد قدّم العصيمي في هذه الرواية صورة حيّة لمدينة الطائف في منعطف زمني، بواقعية اجتماعية ممزوجة بلمسة من الغموض، مما أكد تنوّع مواضيعه الروائية وقدرته على الخوض في بيئات سردية مختلفة (من الصحراء إلى المدينة).
في عام 2011 عاد العصيمي إلى حضن الصحراء ولكن برؤية سردية أكثر حداثة وتشابكًا، وذلك في روايته ”طيور الغسق“ الصادرة عن دار أثر. حظيت طيور الغسق باهتمام نقدي خاص، ورآها النقاد نقلة نوعية في مسيرة العصيمي الإبداعية. فهي رواية تتميّز ببنية معقدة ولعبة سردية متداخلة تفرض على القارئ جهدًا وتفكيرًا. تصف الناقدة أحلام حادي هذا النص بأنه «مختلف حقًا، يدوّخ قارئه بتعقيده التقني: تعددية الحكايات ورواتها، وتداخلها، وتقويضها بعد نسجها». إذ تحتوي الرواية على عدة طبقات من السرد؛ حكايات عديدة ترويها شخصيات متعددة، وتتداخل فيما بينها بطرق غير تقليدية بحيث تُبنى الحكاية ثم تُهدم وتُعاد صياغتها. ورغم هذا التعقيد، إلا أن القارئ لا يملك إلا أن يتفق مع إحدى الشخصيات داخل الرواية حين تصف تلك الحكاية المتشعبة بأنها «حكي متقن يخطف الألباب». إن طيور الغسق تشهد – بشهادة النقاد – على تطور فن الرواية السعودية فكرًا وتقنيةً ولغةً. فقد استطاع العصيمي عبرها أن يثبت وعيًا عميقًا بشروط اللعبة السردية وأسرارها، وأن يوظف قراءاته المتشعبة في الإبداع والنقد لصالح نصه. الرواية تطرح أسئلة عن الحقيقة والوهم عبر تعدد الرواة، وربما تمثّل نوعًا من الميتاسرد (Meta-narrative) الذي يعلق على نفسه ضمنيًا. وليس غريبًا أن تأتي نبرة السرد فيها واثقة ومعتدة بالنفس الإبداعية للمؤلف، فهي نبرة كاتب مثقف ”كافح في تثقيف نفسه وتجويد فنه، ومارسه بعشق وفرح، فأثمر كتابة أصيلة فريدة“. ومع ذلك، تشير الناقدة أحلام حادي إلى أن هذه النبرة الواثقة نفسها لم تخلُ من مرارة عايشها العصيمي؛ إذ يبدو أنه قوبلت بعض نصوصه في البداية بشيء من الاستعلاء أو الضيق النقدي ربما بدافع الغيرة أو ضيق الأفق. وهنا تتجلى إحدى سمات مسيرة العصيمي: إصراره على المضي قدمًا رغم أي عراقيل أو تهميش، حتى صنع لنفسه مكانة معتبرة.
تكللت مسيرة العصيمي الروائية بعمل ملحمي النَّفَس صدر عن دار مدارك عام 2021 هو رواية ”نار المرخ“. هذه الرواية يمكن اعتبارها ذروة مشروعه في تسريد الصحراء وتأريخ تحوّلاتها. يأخذنا العصيمي في نار المرخ في «رحلة حنين عاصف إلى الصحراء، إلى الأصل، إلى الجذور» التي ما برحت المدنية الحديثة تحاول بترها بذريعة التحضر. يبدأ النص بحكاية ذات طابع أسطوري وينتهي بحكاية أسطورية أيضًا، ليؤطّر السرد ضمن دائرة من الميثولوجيا المحلية الموروثة. استخدم الكاتب هذه التقنية عن قصد لجذب القارئ وإبقائه في جو الأسطورة المتوارثة وأثرها المستمر. أما متن الرواية نفسه فغاص عميقًا في مرحلة تاريخية حاسمة هي مرحلة توطين البدو الرحّل في القرى والمدن خلال منتصف القرن العشرين. يصوّر العصيمي لحظة التحول الكبيرة تلك حين «نُقل البدو من الصحراء إلى القرى، من الترحال المضني في عمق الصحراء إلى فضاء عمراني مستقر على الأرض». لقد انتهت في رأيه ”البداوة الخالصة“ في تلك المرحلة، وبدأت تظهر بداوات صغيرة وهامشية ضمن المجتمع البدوي المستقر. يسلط نار المرخ الضوء على ما خسره أهل الصحراء وما كسبوه في رحلتهم نحو الاستقرار: الجنة الممكنة التي كانتها الصحراء بقسوتها وشظف عيشها بدأت تتلاشى، وحلّت محلها المدينة بوعودها وإغراءاتها التي لم تكن دومًا صادقة. الرواية بهذا المعنى ليست مجرد تأمل في الماضي، بل هي بحث في الهوية البدوية في مواجهة اجتياح الحداثة. وقد اتخذ العصيمي أسلوبًا فنيًا لافتًا في هذه الرواية، هو أسلوب تعدد الأصوات والإنصات؛ بحيث نشعر أحيانًا كأننا أمام «تعليم مسموع» أو سرد يُحكى لنا شفوياً، مما يشد القارئ ويجعله جزءًا من الحكي. من الناحية اللغوية، تميزت نار المرخ بجرأة استخدام اللهجة العامية البدوية في مواضع عديدة، لا سيما على لسان الشخصيات. وحول هذا الأمر صرّح العصيمي نفسه أنه يرى اللهجة المحلية ”كائنًا حيًا يضيف إلى نفسه الكثير… واستخدام اللهجة في الرواية مَلمَح جمالي ومحلي يُبرز جوانب من الفضاء الشعبي لا تستطيع اللغة الفصحى إيصالها بنفس الدقة“. لقد استثمر اللهجة بوصفها «وسادة الحكي» التي تتيح للشخصيات راحة التعبير خارج قيود اللغة الرسمية والتقاليد، فأتت الحوارات باللهجة طبيعية وصادقة، وأضافت أبعادًا اجتماعية وثقافية للنص. لم يغفل العصيمي أيضًا البُعد التأملي في روايته هذه؛ إذ نجد شخصياتها تعيش بين عالمين – عالم البداوة وعالم الحضارة – ويطرح السرد أسئلة ضمنية عن فقدان الجذور وثمن التحضر. وقد درس بعض الباحثين نار المرخ بوصفها رواية تأملية متعددة الأصوات، تركّز على ثيمة الإنسان الشجرة – حيث يُشبه البشر بالأشجار الجذرية في الصحراء – وعلى مسألة توطين الحكاية البدوية في قالب حديث . نالت الرواية قبولًا طيبًا بين القراء، ولاقت اهتمامًا نقديًا ظهر في دراسات أكاديمية خصصت لتحليلها، منها دراسة تتبع ”ثيمة الشجر في رواية نار المرخ“ بوصفها ثيمة محورية تخترق العمل . بهذا، تكون نار المرخ قد أكملت دائرة مشروع العصيمي الروائي، الذي ركّز معظمه – كما يقول – على ”عوالم الصحراء، أو على تسريد الصحراء إن جاز الوصف“ ، مقدمًا صورًا جديدة غير مسبوقة محليًا لهذه العوالم.
ولم يتوقف إنتاج العصيمي الروائي عند هذا الحد؛ ففي عام 2022 صدر له عمل روائي آخر بعنوان ”المهرّب“ عن مركز الأدب العربي للنشر. تستكمل رواية «المهرّب» مسار العصيمي السردي، ولكنها تمثّل هنا انعطافة مختلفة في طريقة النظر إلى الصحراء والإنسان أكثر مما تمثّل امتدادًا مباشرًا لمشروعه السابق. صدرت الرواية في ما يقارب 300 صفحة، وجاءت – بشهادات النقاد – محمّلة بحشد من الرموز والطبقات النفسية والفلسفية، حتى غدت نصًا عن الهروب بوصفه قدرًا وجوديًا أكثر من كونها رواية عن التهريب بمعناه الضيق. ينقلنا العصيمي في «المهرّب» إلى ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، حيث كانت مهنة التهريب – في الوعي الشعبي – فعلًا من أفعال الجرأة والشجاعة، لا جريمة أو وصمة. كانت مغامرة تتطلب مهارة ورجولة وذكاءً في اجتياز الحدود الرملية الوعرة، ولهذا شرع الكاتب في استحضار تلك المرحلة لا بصفته مؤرخًا، بل بوصفه منشئًا لمخيلة جديدة تحيي ما لم تدوّنه المصادر المكتوبة، معتمدًا على الروايات الشفوية وأحاديث كبار السن ليعيد بناء عالم منسيّ. تبدو الرواية في ظاهرها سردًا عن شاب يُدعى شَبّاب، يمارس التهريب بحثًا عن لقمة العيش، لكنه يتبدّى للقارئ تدريجيًا بوصفه هاربًا قبل أن يكون مهرّبًا: هاربًا من المدينة وضغطها، من التاريخ الذي لا يتسع له، من نظرات الآخرين، ومن هشاشة الهوية في زمن لا يثبت على حال. ولهذا رأى بعض النقاد أن عنوان الرواية الحقيقي هو «الهارب»، لأن النص مشغول بما تحت الفعل أكثر مما هو منشغل بالفعل نفسه. اعتمد العصيمي في هذه الرواية بناءً جماليًا لافتًا، يقوم على استنطاق العناصر الأربعة: الأرض، الماء، النار، والهواء. فالأرض هنا ليست جغرافيا فحسب، بل هي الأم، الرحم الأول، الأصل الذي تنفصل عنه الذات ثم تعود إليه في سلسلة من الطقوس الحدّية. يظهر هذا بجلاء في مشهد البئر، حين يهبط شَبّاب إلى قاعه، فيغتسل في ظلامه، ويخرج منه كما يخرج الطفل من الماء الأول: منكشفًا، ضعيفًا، مولودًا من جديد. هذا التوظيف الرمزي للأرض يجد امتداده في رمزية «العنزة البيضاء»، التي تمثل النقطة المضيئة في حياة البطل، والشيء الوحيد الذي يأنس إليه ثم يفقده، فتغدو علامة على الصفاء الضائع والأصل الذي لا يُستعاد. أما النار فتتجسّد في صورة «الونيت الحمر» – السيارة التي يتنقل بها المهرّب – وقد صوّرها العصيمي بوصفها كائنًا حيًا، يتحول من أداة مقاومة وتمرد إلى بيت مؤقت يأوي إليه البطل، أو امرأة خيالية تمنحه سكينة مؤقتة. هذا التداخل بين الرمزي والواقعي يخلق ازدواجية تحتفي بها الرواية: كل شيء في النص يحمل وجهين، أو كما سمّته القراءة النقدية التي قدمها محمود تراوري، وعلي المجنوني، والدكتورة رانية العرضاوي في أدبي مكة: ”جماليات التخم“. فالرواية تتحرك بين تخوم متقابلة؛ الصحراء والمدينة، الماضي والحاضر، الحكي والكتابة، الحرية والقيود، الهرب والبحث عن الذات. في المستوى السردي، بدت «المهرّب» رواية أفكار وتأملات أكثر من كونها رواية حدث، بما يعني أنها نصّ يتقدم عبر الوعي الداخلي للشخصيات لا عبر حبكة تصاعدية تقليدية. اختلط السرد الزمني والجغرافي فيها، متراوحًا بين الخمسينيات، وحقبة ما قبل الطفرة، وبين الحجاز، والصحراء الحدودية، وصولًا إلى العراق. هذا التشظّي لم يكن عيبًا بنيويًا بقدر ما كان تمثيلًا لعقل البطل نفسه: عقل يعيش على الحافة، يتذكر أكثر مما يعيش، ويهرب أكثر مما يستقر. من حيث اللغة، لجأ العصيمي إلى لغة واضحة في ظاهرها لكنها مشحونة بالاستعارات، وبنى كثيرًا من جمله على الإيقاع الداخلي لا على الوصف الخارجي. وحين تتكثف التجربة، يتحول السرد إلى شبه تهويمات، كأن الرواية لا تروي مسارًا بقدر ما تفتح منفذًا إلى وعي إنسانٍ يتغير تحت ضغط الزمن وانكساراته. أثمرت القراءات النقدية التي قُدّمت حول الرواية عن كشف طبقات جديدة للنص، ولا سيما في تحليل العلاقة بين المكانين الكبيرين: الصحراء والمدينة. فالصحراء في الرواية ليست مكانًا أصليًا فحسب، بل مختبرًا للهوية، في حين تبدو المدينة فضاءً خانقًا، يضاعف شعور الشخصيات بالاغتراب. أما فعل التهريب نفسه فليس سوى مجاز لعبور الإنسان بين عالمين، ومحاولة دائمة لتأكيد الذات في لحظة مطاردة كبرى: مطاردة الحياة نفسها. بهذا المعنى، تشكّل «المهرّب» رواية انتقال لا رواية استقرار؛ رواية إنسان يفقد النقاط البيضاء في حياته، ويطارد نجاته عبر الصحراء، ويبحث عن جسر يربط ماضيه بحاضره. وإذا كانت «نار المرخ» هي ذروة تسريد الصحراء في مشروع العصيمي، فإن «المهرّب» تمثّل تجريبًا جديدًا لتلك الصحراء: ليست صحراء الأسطورة هذه المرة، بل صحراء النفس وهي تواجه هشاشتها العميقة.
تستأنف رواية «تباريح غبنة» الصادرة عن دار مدارك (2025) الخطّ الجمالي والفلسفي الذي أسّسه العصيمي في أعماله السابقة، لكنها تتقدّم خطوة أبعد نحو منطقة سردية أكثر انفتاحًا على الحلم والرمز، وأكثر ابتعادًا عن التمثيل الواقعي المباشر. وإذا كانت «نار المرخ» قد أعادت تشكيل الذاكرة البدوية في قالب ملحمي، و«المهرّب» قد حفرت في تخوم الهرب والوجود، فإن «تباريح غبنة» تذهب إلى منطقة ثالثة: منطقة الذات حين تُقصى من دورها في العالم الواقعي، فتجد نفسها مجبرة على ابتكار عالم بديل داخل النوم والحلم. تبدأ الرواية من نقطة تبدو بسيطة؛ قرار رسمي بمنع الاحتطاب يحرم سُرَيّان القرّاش من مهنته الوحيدة، فيتحول من رجل يعيش على إيقاع الغابة والصحراء إلى رجل عالق في بيته بلا حركة. ليست هذه الحبكة مجرد تسجيل لبطالة قسرية، بل هي – في البنية العميقة للرواية – لحظة انقطاع؛ اللحظة التي يتوقف فيها الزمن الخارجي، ويبدأ زمن آخر في التشكل داخل الذات. هنا يتكثف حضور الأحلام: تتدفق، تتكرّر، وتتشكل فيها رؤيا غريبة يقرر البطل أن يخبر زوجته بها بعد أسبوع كامل من وقوعها، وكأنه ينتظر أن يختبر صدقها أو أن يتأكد من أنه قد دخل مرحلة جديدة من الوعي. هذه اللحظة – لحظة انتقال الرواية من اليومي الواقعي إلى الحلم – تُشبه ما فعله العصيمي في «نار المرخ» حين أدخل قارئه في ميثولوجيا محلية، لكنها في «تباريح غبنة» ليست ميثولوجيا جماعية، بل ميثولوجيا فردية، تتخلق من داخل الضيق، من غبنة الروح حين تفقد وظيفتها في العالم. ولهذا يمكن اعتبار هذه الرواية امتدادًا لمشروع العصيمي في تسريد الهامشي والمخفي واللامرئي، مع انتقال واضح من الصحراء بوصفها فضاء خارجيًا إلى الصحراء بوصفها فضاءً نفسياً داخلياً. البنية السردية هنا تعتمد على راوٍ أول هو سُرَيّان نفسه، لكن طبيعة السرد توحي بتعدد طبقات الوعي: صوت يقصّ، وصوت يحلم، وصوت يحدّث الزوجة، وصوت يتأمل ما وراء الوقائع. هذه ليست رواية تسجيلية؛ بل رواية تتجاوز الواقعية السحرية نحو ما وصفه النقاد بأنه فانتازيا صحراوية، تنطلق في «ركض ممتد في سهول وجبال وأودية الصحراء… وأزقة وشوارع المدن الغارقة»، كما جاء في تعليق نقدي مبكر. تتوزع الرموز في النص كما تتوزع العلامات على «خارطة الوجود»، وهو توصيف يعكس طموح الرواية إلى بناء شبكة سيميائية تؤطر قلق البطل واهتزاز عالمه. على مستوى الشخصيات، يتصدر سريان المشهد بوصفه بطل الرواية وموضوعها في آن؛ فهو الحطّاب الذي فقد دوره، والزوج الذي يختبر عجزًا جديدًا، والإنسان الذي يكتشف أن حياته أصبحت محكومة بقوى لا يستطيع تفسيرها: قرار رسمي غيّر مصيره، أحلام تتدفق بلا إرادة منه، ورؤيا تفتح في داخله أسئلة لا يجد لها جوابًا. الزوجة تحضر بوصفها شاهدًا ومُساندًا وصوتًا واقعيًا مضادًا، لكن مركز الثقل يبقى في الداخل النفسي لسريان، حيث تنشأ الرواية الحقيقية. تأتي هذه الرواية في سياق تجربة عصيميّة تمتد منذ منتصف الثمانينيات، لكنها تقف بمعزل عن معظم أعماله من حيث جرأتها ورمزيتها وكثافتها. فقد وصفتها د. شتيوي الغيثي بأنها «رواية جريئة ومختلفة وغريبة عن كل ما كتبه العصيمي من قبل»، وأنها تنتمي إلى طبقة من السرد السعودي الذي يبتعد عن الواقعية التقليدية نحو فضاءات أكثر تجريبًا. وفي هذا المعنى، تمثل «تباريح غبنة» نقلة فنية في مشروع الكاتب: نقلة تتعالق فيها العوالم الداخلية مع الخارجية، وتتحول فيها الصحراء من جغرافيا إلى استعارة كبرى للوجود الإنساني. لا تزال التغطية النقدية للرواية في بداياتها بسبب حداثة صدورها، لكنها استقطبت اهتمامًا مبكرًا على منصات القراءة ووسائل التواصل. وقدمت دار مدارك الرواية في معرض الرياض الدولي للكتاب 2025 كعمل «يراهن على المخيلة»، واعتبر قرّاءٌ أنها نصّ يتطلب صبرًا وتأنّيًا لفهم طبقاته المتعددة. ومع ذلك، تبدو بوادر إجماع نقدي على أن الرواية تمثل تجربة طموحة وخارجة عن المألوف، وأنها قد تشكل فصلًا جديدًا في علاقة الأدب السعودي بالعالم الرمزي والصحراوي معًا. بهذا، تكمل «تباريح غبنة» الدائرة التي بدأها العصيمي منذ سنوات: دائرة سؤال الهوية، والبحث عن الذات، ومحاولة إيجاد معنى في عالم تتداخل فيه الحقول، وتتزاحم فيه الأصوات، وينهض فيه الحلم بوصفه شكلًا من أشكال الحقيقة.
التحليل النقدي للتجربة
حظيت التجربة الروائية لعواض العصيمي باهتمام ملحوظ من النقاد والدارسين، الذين وجدوا في أعماله مادة غنية للتحليل والتأمل. ويمكن القول إن العصيمي من أكثر الكتّاب السعوديين الذين تناولهم النقد بالدراسة في العقدين الأخيرين؛ حيث كُتبت عنه مقالات نقدية عديدة، وأُنجزت حول رواياته دراسات أكاديمية على مستوى الماجستير والدكتوراه . ويرجع ذلك إلى فرادة عالمه السردي من جهة، وإلى التطور الفني المضطرد في أعماله من جهة أخرى. أحد أبرز الجوانب التي لفتت انتباه النقاد هي ثيمة الصحراء وكيفية تجليها في نصوص العصيمي. فقد أُشير مرارًا إلى أنه روائي الصحراء بامتياز في الأدب السعودي الحديث . لكن المفارقة أن العصيمي لا يتعاطى مع الصحراء بوصفها خلفية جامدة أو مكانًا رومنسياً هادئًا، بل يجعلها شخصية فاعلة تكاد تنطق وتؤثر في مصائر الأبطال. كتب محمد الحرز مثلاً عن روايته قنص مسلطًا الضوء على هذه النقطة، فقال إن العالم الصحراوي في الرواية حضر “سلسًا وتلقائيًا، يستعيده الكاتب كعالم قائم بذاته وكأنما لم تُقوَّض أركانه بعد رغم ثورة النفط والتمدن” . وأشاد الحرز بأن حضور الصحراء لدى العصيمي غير مفتعل البتة، لأنه نابع من تجربة الكاتب الشخصية كبدوي سابق يعرف تفاصيل حياة الصحراء من داخلها . كما نوّه نقاد آخرون إلى أن العصيمي تفرّد بين مجايليه بهذا الموضوع (أي حياة البدو والصحراء) في وقت اتجه فيه الكثيرون إلى مواضيع المدن والاغتراب والتغير الاجتماعي السريع. ومن هنا برز صوت العصيمي كصوت مختلف يحمل رائحة الرمال ولغة السراب وسط ضجيج المدن. زاوية أخرى للقراءة النقدية اهتمت بـالبناء الفني والتقنيات السردية في أعمال العصيمي. فناقدة مثل أحلام حادي رصدت بتمعن بنية رواية طيور الغسق ووصفتها بأنها «نص يشهد على تطور الرواية السعودية فكراً وتقنيةً ولغةً» . وقد عدّت حادي طيور الغسق مثالاً على وعي الروائي السعودي المعاصر بأسرار اللعبة السردية، من حيث تعدد الأصوات وتداخل القصص وجرأة التقنيات المستخدمة . كذلك أثنت على لغة العصيمي، واعتبرتها لغة حميمية حارّة تعكس اجتهاده الكبير في الاشتغال عليها . فالكاتب – كما يظهر في حواره الطويل معها – قارئ نهم في مجالات الإبداع والنقد، وقد مكّنه ذلك من صقل أدواته وتطوير أسلوبه باستمرار. ثمّة إجماع نقدي على أن طيور الغسق تمثل مرحلة النضج الفني للعصيمي، حيث استطاع فيها تجاوز الأساليب التقليدية للرواية السعودية ودخول أفق التجريب الواعي. وقد تناول النقاد أيضًا موضوع تعدد الرواة والمنظورات في هذه الرواية وكيف أدى ذلك إلى كسر أحادية الصوت وإثراء النص برؤى متباينة، مما جعل القراءة تجربة ذهنية شيّقة تتطلب يقظة من القارئ لالتقاط الخيوط المتناثرة وإعادة حبكها.
الروايات الأخرى لم تكن أقل حظًا من التحليل. فمثلاً رواية المنهوبة التي انتقل فيها العصيمي إلى بيئة حضرية (الطائف) لقيت قراءة نقدية معتبرة، حيث كتب الناقد د. محمد صالح الشنطي قراءة عنها بعنوان ”نافذة على الإبداع“ (مجلة اليمامة) محاولًا تفكيك رموزها. ومما أورده الشنطي أن المنهوبة كُتبت بتقنية ناضجة ورؤية واسعة الأبعاد لا يمكن أن تصدر إلا عن قلم متمكن. وأشار إلى أن الرواية تبحر عميقًا في جوهر المواقف الإنسانية من خلال حبكة محكمة وشخصيات نابضة بالحياة. كما نوّه آخرون إلى تمكّن العصيمي من أنسنة الأماكن والأشياء في الرواية، حيث بدت أحياء الطائف وطرقها كشخصيات في السرد توازي البشر . فمزجه بين تفاصيل المكان (منعطفات الطرق، الأحياء القديمة) وبين مصائر الشخصيات أعطى الرواية عمقًا واقعياً وأبعادًا اجتماعية مهمة. إلى جانب ذلك، اهتم النقد باللغة والأسلوب لدى العصيمي. فمن المعروف أنه يراوح في كتابته بين الفصحى المحكمة واللهجة الدارجة وفق مقتضى الحال. وقد أثنى نقاد على جرأته في تضمين الحوارات باللهجة المحلية عندما يتطلب السياق، كما في نار المرخ، معتبرين ذلك إضافة للصوت الروائي وصدق التعبير. وأشار حاتم الزهراني في قراءة لمنصة ”معنى“ إلى أن نار المرخ نجحت في تحقيق معادلة صعبة هي تقديم عمل “إنساني تأملي من الداخل، يقوم على تعدد هائل للأصوات” مع المحافظة على الجو الصحراوي المحلي بعيدًا عن أي استشراق أو فلكلرة سطحية . أي أن الكاتب قدّم بيئته المحلية بلغتها وأصواتها الأصيلة، ولكن بروح فنية حديثة تستوعب تنوع الأصوات وتعدد وجهات النظر.
جانب آخر لا يمكن إغفاله في التحليل النقدي لتجربة العصيمي هو رصد التطور عبر الزمن. فالنقاد الذين تابعوا مسيرته يشيرون إلى أن كل عمل جديد له كان أفضل من سابقه من ناحية البناء الفني والنضج الفكري. وربما يعود ذلك إلى منهجية العصيمي نفسه في التحضير للكتابة؛ فهو يقرّ بأنه قبل كتابة أي رواية ينهمك في فترة إعداد معرفي طويل يقرأ فيها بنهم لعدة شهور أو سنوات، لتتكوّن لديه ”جرعة كبيرة من القراءة“ تسبق لحظة الشروع بالكتابة . هذه العادة منحته زادًا معرفيًا وجماليًا يرفع من سقف تجاربه الإبداعية كل مرة. وقد صرّح: «القراءة… هي ما يكون عليه الكاتب في طور جديد من تشكّله معرفيًا وثقافيًا، بل حتى ذهنيًا وروحيًا» . من هنا، يمكن فهم كيف استطاع العصيمي الانتقال من مرحلة الكتابة البسيطة المشجَّعة بالمجلات في التسعينات، إلى روائي تُرجمت إحدى رواياته إلى الفرنسية وحظيت أعماله بالدراسة الأكاديمية. إنه مثال حيّ للمبدع الذي يطوّر أدواته باستمرار ولا يكرر نفسه، بل يبحث عن التحدي الجديد في كل نص. وربما هذا ما جعل له قراء مخلصين باتوا ينتظرون أعماله ويتابعون بصمته الخاصة ويجادلون حولها، كما أشار هو نفسه في حوار حديث.
على صعيد التقييم العام، يُجمع عديد من النقاد على أن عواض العصيمي اليوم أحد أبرز الأصوات الروائية في المملكة العربية السعودية. حتى أن صحيفة عكاظ وصفته مطلع 2025 بأنه ”واحد من أهمّ كُتّاب الرواية في السعودية“ ، وذلك في معرض تقديمها لحوار مطوّل معه. هذه المكانة لم تأتِ من فراغ، بل نتيجة تراكم أعمال قوية ومتفردة في طرحها، إضافة إلى حضور فكري للمؤلف في المشهد الثقافي عبر مقالاته ومشاركاته.
التلقي الإعلامي والإبداعي
رافقت مسيرة عواض العصيمي تغطية إعلامية ملحوظة وحضور في المنابر الثقافية على مدى سنوات نشاطه. فقد كان الإعلام الثقافي السعودي حريصًا على إجراء الحوارات معه وتغطية نشاطاته وإصداراته الجديدة. فعند صدور كل عمل روائي تقريبًا نجد الصحف تفرد له مساحة إما في شكل خبر ثقافي أو قراءة أولية أو حوار مع الكاتب. على سبيل المثال، حين صدرت رواية طيور الغسق (2011) نُشرت عنه عدة مقالات تحليلية أبرزها حوار مطوّل في المجلة العربية (أجرته أحلام حادي) ناقش الرواية بالتفصيل وخلفيات كتابتها . كذلك عند صدور نار المرخ (2021)، أجرت معه صحيفة الجزيرة لقاءً موسعًا تطرق لمسيرته كاملة وتفاصيل العمل الجديد . وفي مطلع 2025 أجرت عكاظ حوارًا شاملاً معه تناول قضايا الأدب والنقد والجوائز ورؤيته للمشهد الثقافي الراهن . هذا الزخم من الحضور الإعلامي يشير إلى أن العصيمي شخصية أدبية تحظى باهتمام ومتابعة، وأن تجربته أصبحت مادة للإعلام الثقافي تستأثر باهتمام القرّاء. من النقاط التي شغلت الإعلام في حديثه هي آراؤه في واقع الكتابة والنشر. فعواض العصيمي لا يتردد في التعبير عن مواقفه بصراحة. في إحدى الأمسيات الأدبية عام 2019 (أقامها نادي تبوك الأدبي)، صرّح بشكل جريء أن ”لا يوجد لدينا كاتب محترف ومتفرغ للكتابة“ في المملكة ، موضحًا أن جميع الروائيين والشعراء وكتاب القصة السعوديين هم في الأصل موظفون وهواة، مما يحدّ من إنتاجهم الإبداعي. وطالب حينها بضرورة تفريغ المبدعين للكتابة كخطوة لدعم الحركة الأدبية . نقلت صحيفة عكاظ هذه التصريحات في خبر تصدّر صفحتها الثقافية ، الأمر الذي أثار نقاشًا في الوسط الثقافي حول الحاجة لإنشاء مؤسسات ترعى الأدباء. مثل هذه التصريحات الجريئة من العصيمي جذبت الإعلام إليه بوصفه ليس فقط روائيًا يكتب، بل مثقفًا عضويًا يحمل هموم الوسط الأدبي ويتحدث عن مشكلاته (كالنشر ومعاناة المؤلف مع دور النشر، وهي قضية تطرق لها أيضًا في حواره مع الجزيرة الثقافية حيث وصف النشر بأنه ”معاناة الكاتب العربي المؤلمة“).
جانب آخر من التلقي الإعلامي لتجربة العصيمي يتمثل في الإنجازات والانتشار الدولي. فحين تُرجمت روايته طيور الغسق إلى اللغة الفرنسية عام 2019، حظي الخبر باهتمام الصحافة المحلية التي اعتبرت ذلك مؤشرًا على وصول الأدب السعودي إلى العالمية. وقد ذكرت صحيفة الجزيرة أن ترجمة الرواية تولتها المستشرقة ناتالي بونتان ، وأن الملحقية الثقافية السعودية في فرنسا تبنّت دعم الترجمة حتى مراحلها النهائية . لكن العصيمي نفسه علّق على هذه التجربة بواقعية أمام الإعلام، إذ صرّح أن صلته انقطعت بكتابه في فرنسا بعد صدوره هناك ولم يحقق أي انتشار يُذكر بسبب عوائق اللغة والتوزيع . وقال مازحًا إنه ربما يمر به قارئ فرنسي بالصدفة أو قارئ عربي مغترب، فيلتقطه ويقضي معه سهرة ممتعة . هذا التصريح المتواضع نقلته الجزيرة، ما أعطى انطباعًا عن إدراك الكاتب لتحديات ترجمة الأدب العربي وتسويقه عالميًا. ومع ذلك، تُحسب للعصيمي كسبقة أنه من القلة الذين تُرجمت أعمالهم من الروائيين السعوديين، وهذا رفع اسمه في الإعلام كأحد الوجوه الممثلة للسرد السعودي خارج الحدود.
على المستوى المحلي، حظي العصيمي أيضًا بتكريمات ضمنية عبر تناوله في المنتديات والملتقيات الأدبية. فكثيرًا ما دُعي للمشاركة في أمسيات ثقافية وندوات عن الرواية السعودية، سواء داخل المملكة أو خارجها . هذه المشاركات نقلت الصحف أخبارها وأبرزت حضور العصيمي كمتحدث عن تجربته وعن وضع الرواية عامة. من ذلك مشاركته في إحدى الندوات التي نظمتها جمعية الثقافة والفنون والتي ناقشت تحويل الروايات السعودية إلى أفلام، بحضور روائيين آخرين مثل عبده خال وأميمة الخميس . وفي تلك الندوة تحدث العصيمي عن مسألة الزمن والمكان في الرواية السعودية وعلاقتها بصناعة الفيلم ، مما يدل على انشغاله بتطوير الرواية السعودية وإمكانيات انفتاحها على الفنون الأخرى كالسينما.
أما نظرة الإعلام العربي الأوسع لتجربة العصيمي فجاءت إيجابية بشكل عام. فنشرت صحف عربية (مثل دار الحياة اللندنية) مقالات عن رواياته، منها قراءة مطوّلة لرواية قنص عام 2005 أكدت فرادة طرحه كما أسلفنا . كذلك تناولت صحف ومواقع عربية أخرى أعماله ضمن مقالات عن الرواية السعودية ككل، مشيدة بجهوده في نقل بيئة البادية إلى صفحات الأدب الحديث. وفي الجزائر، أجرت مجلة ثقافية حوارًا معه وصفته فيه بأنه “روائي مقتدر تحمل نصوصه نكهة خاصة متميزة ومتدفقة” ، وأثنت على حميمية لغته وحرارتها. هذا التقدير الخارجي يبرهن أن صدى تجربته تجاوز حدود بلده ليُسمَع في الساحة الثقافية العربية الأشمل.
ومن المظاهر الإعلامية الجديرة بالذكر الاهتمام الأكاديمي بأعمال العصيمي، وهو شكل من أشكال التلقي أيضًا. فوجود أطروحات جامعية حول نتاجه (وهذا ما أكده هو بنفسه) يعني أن الجامعات والأقسام الأدبية تنظر له كأحد المؤلفين السعوديين الذين تستحق أعمالهم الدرس والتحليل. وعادة ما تُنشر نتائج هذه الدراسات في كتب أو مقالات، فتعود لتغذي الإعلام الثقافي بمواد جديدة عن الكاتب. وهكذا تتكامل حلقة التلقي بين الإعلام العام والإعلام الأكاديمي، في حالة العصيمي، لترسّخ صورته ككاتب مرموق يُدرّس وتُناقش أعماله في الندوات العلمية.
التحولات السينمائية (الرواية والفيلم)
مع انطلاق صناعة السينما السعودية في السنوات الأخيرة، برز سؤال حول إمكانية تحويل الأعمال الأدبية المميزة إلى أعمال درامية أو أفلام. وفي حالة عواض العصيمي، فإن عوالمه السردية الغنية بالصور والمشاهد كانت مرشحة بقوة للاستفادة سينمائيًا. وقد تحقق بالفعل شيء من ذلك خلال العامين الماضيين عبر مبادرة فريدة بعنوان ”الغلاف الثالث“. هذه المبادرة – التي أطلقتها هيئة الأدب والنشر والترجمة بالتعاون مع جهات إعلامية – تقوم على فكرة انتقاء مجموعة من القصص والروايات السعودية وتحويلها إلى أعمال درامية قصيرة . وقد وقع الاختيار على رواية ”قنص“ للعصيمي لتكون إحدى الأعمال التي جرت معالجتها في هذا الإطار. وبالفعل تم إنتاج فيلم قصير مستوحى من رواية قنص، عُرض ضمن سلسلة حلقات برنامج ”الغلاف الثالث“ الذي عرض على القناة الثقافية في رمضان 2025. حمل الفيلم نفس عنوان الرواية (قنص) وجسّد على الشاشة بعض شخصياتها وأحداثها الرئيسية، تحت إشراف مخرجين وكتّاب سيناريو سعوديين شباب.
يُذكر أن حسابات وزارة الثقافة وهيئة الأدب روّجت لهذا الفيلم عند صدوره، ونشرت القناة الثقافية تغريدات عن برنامج الغلاف الثالث على موقع X (تويتر سابقًا) رابط مشاهدة الفيلم معلنة أنه ”فيلم قنص، المستوحى من رواية عواض العصيمي“. وقد لاقى هذا الأمر تفاعلًا إيجابيًا من الجمهور، حيث أبدى الكثيرون إعجابهم بفكرة تحويل رواية سعودية بدوية الأجواء إلى عمل مرئي. وأشاد بعض المعلقين عبر وسائل التواصل بأداء الممثلين وبالحبكة المشوقة المقتبسة من الرواية الأصلية، معتبرين التجربة خطوة مهمة في اتجاه تعزيز المحتوى المحلي في السينما السعودية. كما أثنى آخرون على رؤية العصيمي البصرية في الرواية وكيف أنها سهلت مهمة صناع الفيلم في تخيّل المشاهد؛ فالنص الأدبي نفسه غني بالوصف الدرامي والصور الحية من قلب الصحراء، مما جعله مادة خام مناسبة لتصور سينمائي. إلى جانب قنص، لم تسجل حتى الآن تحويلات أخرى مباشرة لروايات العصيمي إلى أفلام سينمائية طويلة أو مسلسلات تلفزيونية. لكن نجاح تجربة ”الغلاف الثالث“ ربما يفتح الباب لمشاريع أوسع. إذ يمكن تخيّل تحويل روايات مثل المنهوبة أو طيور الغسق إلى دراما تلفزيونية، لما تحتويه من حبكات اجتماعية وتشويق وتقنيات سردية يمكن ترجمتها بصريًا. وقد أبدى العصيمي نفسه انفتاحًا على فكرة تحويل أعماله، مؤكدًا في تصريحات متفرقة أن الرواية السعودية غنية بالأفكار والصور القابلة للاقتباس البصري. ومما قاله في إحدى الندوات أن على صناع الأفلام التعاون مع الروائيين لاستثمار عنصر المكان والزمان المتجذر في الرواية السعودية لخدمة الفيلم المحلي . وهذا يدل على إيمانه بتكامل الفنون وقدرة كل منها على إثراء الآخر.
الجدير بالذكر أن حضور العصيمي في هذا المضمار الفني كان أيضًا من خلال مشاركته في لجان أو ندوات نقاشية. فمثلاً استُضيف في مهرجان أفلام السعودية 2020 ضمن ندوة حول ”حراك تحويل الرواية إلى فيلم“ إلى جانب روائيين آخرين ، حيث ناقشوا معًا التحديات والفرص في اقتباس الأدب السعودي للسينما. وأكد العصيمي خلال حديثه هناك أن سيطرة المكان والزمان في الرواية السعودية تشكل ميزة يمكن توظيفها لصالح السينما – فهو يرى أن الرواية السعودية تحمل هوية مكانية وزمانية واضحة (سواء صحراء أو مدينة أو قرية) وهذه الهوية تمنح الأفلام خصوصية وتميزًا حين تُنقل للشاشة. في المحصلة، يمكن القول إن تجربة تحويل أعمال عواض العصيمي إلى الشاشة قد بدأت بخطوة صغيرة لكنها واعدة. وإذا استمرت هذه الجهود، فقد نرى في المستقبل فيلمًا روائيًا طويلاً مستوحى من إحدى رواياته، خاصة وأن كثيرًا من مواد أدبه تغري المخرجين (مثل مشاهد الصحراء الخلابة في نار المرخ أو حبكة الرسائل الغامضة في المنهوبة). وحتى يتحقق ذلك، تبقى القيمة في أن العصيمي بات حاضرًا ليس فقط في صفحات الكتب بل أيضًا – وإن بشكل محدود بعد – على الشاشة، وهذا دليل آخر على ثراء مشروعه وقابليته للتكيف مع وسائط متعددة.
خاتمة
في ختام هذه الجولة البحثية في عالم عواض شاهر العصيمي الروائي، يتضح لنا أننا أمام كاتب نسج تجربته بخيوط الصبر والموهبة والمعرفة. بدأ فتًى متعطشًا للحكايات، يصغي لموروث أجداده من القصص حول النار في ليالي البادية، ثم راح يُعمل خياله وقلمه ليحول تلك الروح الحكائية إلى أدب مكتوب يمزج الأصالة بالحداثة. على مدى ما يقارب ثلاثين عامًا من الكتابة والنشر، تطورت التجربة الروائية للعصيمي من قصص قصيرة يتلمس فيها طريقه، إلى روايات ملحمية ناضجة أصبحت علامة في الأدب السعودي الحديث. تميّزت رحلته بتنوع الموضوعات؛ فمن بيداء الصحراء وأهوالها إلى أزقة المدن وأسرارها، ومن حكايات البدو إلى تعقيدات الإنسان المعاصر. كما تميزت بتطور أسلوبي لافت؛ حيث انتقل من سرد تقليدي بسيط إلى تقنيات معقدة كتنوع الأصوات وكسر التسلسل الزمني وتوظيف الرمز والأسطورة.
لقد حظي العصيمي بما قلّ أن يحظى به كاتب في حياته: اهتمام نقدي مستمر وتفاعل إعلامي وأكاديمي مع منجزه. نقديًا، تناولت أقلام بارزة أعماله بالتحليل والإشادة، مؤكدة فرادة صوته السردي وعمق رؤيته . إعلاميًا، تصدّر اسمه الصفحات الثقافية مرارًا، سواء للإعلان عن إصدار جديد أو إجراء حوار يكشف آرائه ومواقفه. وأكاديميًا، أصبحت رواياته موضوعًا للأطاريح الجامعية والبحوث المحكمة، ما يرسّخ حضوره في الذاكرة الأدبية بشكل راسخ. كذلك بدأت أعماله تشق طريقها نحو وسائط فنية أخرى كالسينما، في دلالة على غنى تلك الأعمال وقابليتها لإلهام مبدعين في مجالات مختلفة .
أسلوب عواض العصيمي الروائي يتميز بصدق التجربة وأصالة الصوت. فهو يكتب عما يعرفه ويحبّه؛ كتب عن الصحراء لأنه عاشها وأحبها بعمق حتى قال: ”أنا أطيل مراقبة الصحراء من كوة المدينة“ ، وكتب عن البشر لأنه خَبِر طبائعهم المتنوعة في البادية والحاضرة. وفي كل ما كتب، حافظ على قدر من الروحانية والوجدانية في نظرته للأدب، إذ يعتبر الكتابة ”نشاطًا روحيًا بقدر ما هي عملية فنية“، وهذا يظهر في حرصه على صدق المشاعر في شخصياته ودقة نقل انفعالاتها . وهو إلى جانب ذلك مثقف قارئ ظل ينهل من كتب التراث كما من أحدث الروايات العالمية، فانعكس ذلك عمقًا ثقافيًا وحكمة في أعماله.
إن تجربة العصيمي الروائية مثال ساطع على ما يمكن للأدب السعودي أن يقدمه من فرادة وتميّز. فقد استطاع أن يعرّف القارئ السعودي – والعربي عمومًا – بجوانب من حياته وتراثه هو أقرب إليها من كثير من التنظيرات: جعلنا نشعر بحرارة رمال الصحراء ليالي الصيف، وبرودة نسائمها فجراً، جعلنا نسمع هدير الشاحنات على طرق المكدة في السبعينات، ونشم رائحة القهوة والمرخ في خيام البدو، ونطوف في حواري الطائف القديمة برفقة سائق تاكسي حكّاء. إنه يكتب هويّة مكانه وزمانه بحب وأمانة، وفي الوقت ذاته بلغته الخاصة التي توصل تلك الهوية إلى قارئ العصر الحديث بقالب روائي شيّق.
واليوم، بعد ثمان روايات والعديد من القصص، يمكن القول إن عواض العصيمي قد رسخ اسمه في سجل السرد السعودي. تجربته لم تنتهِ فصولاً بعد؛ فما زال يطمح ويخطط، وربما يعمل على مشاريع روائية جديدة. لكنه بلا شك قدّم حتى الآن رصيدًا أدبيًا منجزًا أفنى فيه شطرًا كبيرًا من عمره، كما عبّر هو نفسه. هذا الرصيد كفيل بأن يضعه بين أهم أعمدة الرواية في المملكة مطلع القرن الحادي والعشرين. وإن القيمة الحقيقية لأعماله – كما يؤكد هو – تكمن في أنها هي ما يعرّف به، وهي إرثه الأهم للقارئ والنقد. فالمبدع يزول وتبقى أعماله تتحدث عنه. وروايات العصيمي ستظل تتحدث عنه طويلًا بما فيها من صدق وجمال وتميّز، وسيستمر القراء والنقاد على حد سواء في العودة إليها لاستكشاف طبقاتها ومعانيها.
المراجع: جاءت المعلومات والاقتباسات الواردة أعلاه معزوة إلى مصادر موثوقة، منها حوارات صحفية أجراها الكاتب مع صحيفة الجزيرة وصحيفة عكاظ ، إضافة إلى مقالات نقدية في صحف ومجلات مثل دار الحياة والمجلة العربية وصحيفة المدينة. وقد تم توثيق كل معلومة مباشرة من المصدر الخاص بها كما هو موضح في متن التقرير أعلاه. هذا الحرص على التوثيق يتيح للمهتمين الرجوع إلى النصوص الأصلية للتوسّع والاستزادة، ويؤكد في الوقت نفسه مصداقية ما أوردناه عن التجربة الروائية الثرية للكاتب عواض شاهر العصيمي.
.png)



تعليقات