top of page

الملف الأدبي: عبدالرحمن بن دخيل ربّه المطرفي


عبدالرحمن بن دخيل ربّه بن مرزوق المطرفي هو أديب وناقد سعودي يشغل منصب أستاذ الأدب والنقد الحديث في كلية اللغة العربية بالجامعة الإسلامية في المدينة المنورة. حصل على درجة الدكتوراه في تخصص الأدب والبلاغة عام 1429هـ/2008م من نفس الجامعة، حيث قدّم أطروحة تناولت فنون الشعر العربي القديم ونقدها. يُعرف المطرفي بثقافته الواسعة في التراث العربي وبحضوره الأكاديمي المميز، إلى جانب اهتمامه بالإبداع الأدبي. نشأ في بيئة تقدّر اللغة والشعر، مما ساهم في صقل موهبته الأدبية مبكرًا. جمع في مسيرته بين الدراسة الأكاديمية المتعمقة والإنتاج الأدبي الإبداعي، الأمر الذي كوّن له شخصية ثقافية متعددة الجوانب تجمع بين الناقد والأديب في آن واحد.


الهوية الأدبية والفكرية

يتميّز الدكتور عبدالرحمن المطرفي بهوية أدبية فريدة تمزج بين أصالة التراث وحسّ الحداثة. في كتاباته النقدية يظهر تأثره بالبلاغة العربية وقيمها الكلاسيكية، مع حرصه على تطبيق مناهج حديثة في تحليل الخطاب والنص. أمّا على مستوى الإبداع الفني، فقد قدّم المطرفي نفسه كروائي يحمل رؤية فكرية عميقة. روايته "المسدور" أبرز مثال على ذلك، فهي رواية تتناول حكاية الألم والأمل، تقاطُب البداوة والحضارة، وصراع التحدّي والطموح. يعكس أسلوبه السردي قدرة على المزاوجة بين السرد الروائي والسيرة الذاتية في آنٍ واحد، حيث تتقاطع في نصه أبعاد اجتماعية ونفسية وقيمية واضحة. هذه "سرديّة الخضرمة" – كما يسمّيها – تجسّد حالة العبور بين عالمين (عالم البادية بتقاليده وعالم المدينة بتحولاته) ضمن قالب فني جميل ومتماسك. يتميّز أسلوب المطرفي بلغة عربية فصيحة وأنيقة تنبع من خلفيته البلاغية، كما تظهر في كتاباته لمسات شاعرية وصور بيانية تستلهم البيان القديم بروح معاصرة. توجهه الفكري يميل إلى التأصيل والتجذير؛ فهو يستحضر الجذور الثقافية العميقة ليعبّر من خلالها عن قضايا الحداثة والتغيير. وبشكل عام، يمكن القول إن الهوية الأدبية للمطرفي تتسم بالتوازن بين الوفاء للتراث والانفتاح على التجديد الإبداعي، مما يجعل إنتاجه الأدبي ثريًا في مضمونه وأسلوبه معًا.


دوره في المشهد الأدبي والثقافي

للدكتور عبدالرحمن المطرفي حضور فاعل في المشهد الثقافي والأدبي على المستويين المحلي والعربي. فعلى الصعيد الأكاديمي، يُعد المطرفي مربيًا للأجيال الأدبية عبر عمله التدريسي والإشراف على البحوث والرسائل الجامعية في الأدب ونقده. أسهم في تخريج عدد من الباحثين والكتاب الذين نهلوا من علمه ومنهجه النقدي. وعلى الصعيد العام، شارك المطرفي في العديد من الفعاليات والملتقيات الأدبية؛ فهو عضو نشط في الأوساط الثقافية بالمدينة المنورة وخارجها. نظّم وقدم محاضرات وندوات تناقش قضايا الأدب المعاصر والتراث، ومن أمثلتها لقاء بعنوان "تسريد رموزنا" الذي قدمه في كلية اللغة العربية بحضور نخبة من الأكاديميين والمهتمين. كذلك يشارك المطرفي في معارض الكتاب وينشط في التعريف بالإنتاج الأدبي السعودي الحديث، وقد تواجدت روايته "المسدور" في جناح دار ريادة بمعرض جدة الدولي للكتاب عام 2024 لجمهور القراء. كما يُدعى أحيانًا في البرامج الإعلامية والحوارات الثقافية بوصفه شاعرًا وأديبًا ليتحدث عن قضايا الأدب والشعر في السعودية، مما جعله جسراً بين المؤسسة الأكاديمية والجمهور العام. إضافة إلى ذلك، ساهم المطرفي في اللجان الثقافية والاستشارية بعدّة مؤسسات أدبية، وكانت آراؤه النقدية محل تقدير في الأندية الأدبية والمنتديات. إن مساهماته تتجلى أيضًا في كتاباته بالمجلات والصحف؛ حيث نشر مقالات ودراسات تعنى بتقييم الحركة الشعرية والسردية في المملكة، مسلطًا الضوء على دور الأدب في الحراك الثقافي والاجتماعي. بذلك كله، لعب المطرفي دورًا ملموسًا في إثراء المشهد الأدبي السعودي وتفعيل حركة النقد فيه، وخاصة عبر الربط بين التجربة الأكاديمية النظرية والتطبيق الإبداعي الواقعي.


إنجازاته

حقق الدكتور عبدالرحمن المطرفي العديد من الإنجازات العلمية والأدبية التي رسخت مكانته كناقد وأديب مرموق. فيما يلي أبرز محطات إنجازاته:

  • المؤلفات العلمية: لديه العديد من المؤلفات العلمية منها دراسة وتحقيق "شرح ديوان المتنبي للأمام عبدالقاهر بن عبدالرحمن الجرجاني" صدر عام 2025 عن مجمع الملك سلمان للغة العربية كما أصدر كتابه النقدي "فن المديح في ميزان النقد الأدبي: دراسة وتقويم" وهو دراسة أكاديمية موسعة في الشعر العربي (طبعة أولى 1437هـ/2016م، 360 صفحة). يعكس هذا الكتاب قدرته على مزج التحليل الأدبي العميق مع تقييم موضوعي لجوانب التراث الشعري، وقد أصبح مرجعًا مهمًا في بابه. كما نشر المطرفي عددًا من البحوث المحكمة في دوريات عربية، تناول فيها موضوعات كتحليل الخطاب الشعري وقضايا النقد الحديث، مما أسهم في إثراء المكتبة النقدية العربية.

  • الإنتاج الإبداعي: تُوّجت مسيرة المطرفي الإبداعية بإصدار روايته الأولى "المسدور" عن دار ريادة عام 2024. هذه الرواية، التي جاءت في حوالي 146 صفحة، تعتبر علامة فارقة في تجربته، إذ انتقل بها من مجال النقد إلى ميدان السرد الروائي. تناولت "المسدور" تجربة إنسانية واجتماعية عميقة تتقاطع فيها حياة البادية مع تحديات الحضارة الحديثة، وقد لاقت صدى ملحوظًا في الأوساط الأدبية.

  • التكريم: رغم أن المطرفي لم يسعَ للشهرة عبر الجوائز، إلا أن جهوده نالت التقدير. تم تكريمه من قبل جامعتهم بعد حصوله على درجة الأستاذية تقديرًا لعطائه الأكاديمي. كما حظي بتكريم في بعض المحافل الثقافية المحلية لجهوده في خدمة الأدب السعودي.

  • المشاركات الثقافية: شارك المطرفي كمتحدث في ملتقيات أدبية عدة، منها مهرجانات شعرية وندوات رواية، حيث عُرف بأسلوبه الراقي في الطرح. كما مثّل الجامعة الإسلامية في مؤتمرات علمية داخل المملكة وخارجها، مقدّمًا أوراقًا بحثية حول النقد الأدبي الحديث.

  • الإسهامات العلمية والثقافية: شغل المطرفي مهامًا استشارية في مجلات أدبية محكمة، وأسهم في تحكيم مسابقات شعرية وقصصية على المستوى الوطني، مما يعكس الثقة بخبرته. وأسهمت مقالاته النقدية – المنشورة في مواقع متخصصة مثل شبكة الألوكة وغيرها – في توثيق وتقييم منجزات أدبية معاصرة. وبشكل عام، فإن إنجازات المطرفي تتوزع بين إنتاج المعرفة الأدبية النظري والإبداع الأدبي التطبيقي، في تكامل يبرز ثراء تجربته وشمول عطائه.


تمثل صدور "المسدور" حدثًا مهمًا في مسيرة عبدالرحمن المطرفي الإبداعية؛ يظهر الغلاف عنوان الرواية بخط بارز مع صورة فنيّة ترمز للصراع بين الحياة والألم (رمزية الرئتين والعقاقير) مما يعكس ثيمة المرض والأمل في الرواية. صدرت الرواية عن دار ريادة في أواخر عام 2024، وحملت في مضمونها إسقاطات على تحولات المجتمع السعودي بين الماضي والحاضر.
تمثل صدور "المسدور" حدثًا مهمًا في مسيرة عبدالرحمن المطرفي الإبداعية؛ يظهر الغلاف عنوان الرواية بخط بارز مع صورة فنيّة ترمز للصراع بين الحياة والألم (رمزية الرئتين والعقاقير) مما يعكس ثيمة المرض والأمل في الرواية. صدرت الرواية عن دار ريادة في أواخر عام 2024، وحملت في مضمونها إسقاطات على تحولات المجتمع السعودي بين الماضي والحاضر.

حضوره الإعلامي

في حسابه عبر منصة X ومن خلال عدد من اللقاءات والندوات، عبّر الدكتور عبدالرحمن المطرفي عن جملة من الأفكار والرؤى التي تعكس فهمه العميق للأدب ودوره في الحياة. أبرز ما قاله يمكن تلخيصه في النقاط التالية:

  • شدّد المطرفي على أن الرواية اليوم أضحت مرآة المجتمع، إذ تستطيع التقاط تحوّلاته وإيصال صوته بشكل يفوق ما كان يتيحه الشعر في الماضي. وقد أشار في حديثه إلى أن عصرنا الراهن، بحراكه الاجتماعي السريع، يجد في الفن الروائي وسيلة مناسبة لتوثيق التغيير وبث الوعي. فالرواية في نظره قادرة على احتواء التجربة الإنسانية كاملة: بأفراحها وأتراحها وتناقضاتها.

  • أوضح أيضًا أن روايته "المسدور" انطلقت من تجربة ذاتية وإنسانية، حيث قال: "أردتُ من خلال المسدور أن أكتب حكاية تجسّد معاناة حقيقية عايشتُ بعض فصولها، لتحمل للقارئ رسالة أمل" (على حد تعبيره). وبيّن أن اختيار عنوان «المسدور» له دلالة خاصة، فهو لفظ من لهجة البادية يُشير إلى الشخص المريض أو المكروب في صدره، وقد استخدمه كرمز لحالة الكبت والمعاناة التي يمر بها بطل الرواية. لكنه أكد أن هذه الحالة ليست إلا مقدمة للتحول، حيث ينتقل البطل من الألم إلى الأمل عبر الإصرار والإيمان.

  • تطرق المطرفي في اللقاء إلى أهمية المزج بين الواقعية والرمزية في العمل الأدبي. فهو يرى أن الأديب يجب أن ينطلق من واقع مجتمعه وينقل صوراً حية عنه، لكنه في الوقت ذاته مطالب بتسامي الخيال وتوظيف الرموز والدلالات لرفع مستوى الخطاب الأدبي. وفي "المسدور" تحديدًا، أشار إلى أنه استحضر بيئة البادية ليس على سبيل الفولكلور، بل كمخزون ثقافي وقيمي يواجه تحولات الحاضر.

  • تحدث المطرفي كذلك عن تجربته الشخصية في الانتقال من موقع الناقد إلى موقع الروائي. قال إنه استفاد من خلفيته النقدية في بناء هيكل الرواية وتنسيق أفكارها، إلا أنه أيضًا تعلّم أن يطلق العنان لقلمه بعيدًا عن قيود المنهجية الأكاديمية الصارمة. ووصف تجربة الكتابة الروائية بأنها كانت "رحلة تحرر إبداعي" سمحت له بالتعبير بصدق وعفوية عن مكنوناته ومشاعره تجاه أشياء عاشها أو تأمل فيها مطولاً.

  • من الرسائل التي حرص المطرفي على إيصالها في لقاءاته كذلك أهمية الحفاظ على اللغة العربية الفصحى في الإبداع. فقد أبدى اعتزازه بالفصحى قائلاً إنها وعاء فكر وهوية، وينبغي للأديب أن يصون جمالياتها حتى عند تناول مواضيع معاصرة. وفي الوقت نفسه، لا يرى مانعًا من تضمين بعض المفردات العامية المدروسة في السياق السردي إذا اقتضت حبكة العمل، كما فعل في "المسدور" لإضفاء صدق واقعي على حوارات الشخصيات.

  • كما لم يغفل المطرفي الإشادة بالحراك الثقافي السعودي الحالي، وعبّر عن تفاؤله بجيل الشباب من الأدباء والشعراء. وأشار إلى أن الانفتاح الثقافي وتأسيس هيئات أدبية جديدة أسهم في خلق منابر أوسع للأصوات الإبداعية. وقد قال في هذا الصدد: "نشهد نهضة أدبية مباركة، والأهم أن نتمسك بقيمنا ونروي حكاياتنا نحن بدلاً من أن يرويها غيرنا". هذه العبارة تلخص إيمانه بدور المثقف في صون الهوية عبر الإبداع.


خاتمة

إذا أردنا تكثيف أفكار د. عبدالرحمن المطرفي ومحور رسالته الأساسية، فسنجد أنها تدور حول الدعوة إلى الموازنة بين الأصالة والتحديث في الأدب والمجتمع. أكد الدكتور عبدالرحمن المطرفي في حديثه أن التجربة الإنسانية واحدة عبر العصور، تتغير مظاهرها ويبقى جوهرها، والأديب الحقّ هو من ينجح في التقاط ذلك الجوهر وتقديمه بلغته وزمانه. رسالة المطرفي في حضوره الإعلامي تمحورت حول الأمل والتفاؤل بالمستقبل دون التنكّر للماضي: فكما جسّد في روايته "المسدور" رحلة شاقة من الألم إلى الأمل، كذلك يرى أن مجتمعنا قادر على تجاوز التحديات إذا ما تمسك بجذوره الحضارية وانفتح بوعي على معطيات العصر. وشدّد على أن الأدب بأشكاله المختلفة – روايةً كان أو شعرًا – هو ضمير الأمة ولسان حالها الذي ينقل تطلعاتها وهمومها. كما بعث المطرفي رسالة تشجيع إلى الكتّاب الشباب بأن ينهلوا من تراثهم وينفتحوا على التجريب، مؤكّدًا أن اللغة العربية غنية وتتسع للإبداع المتجدد متى ما امتلك الكاتب ناصيتها وأخلص لتجربته. في المجمل، كان اللقاء أشبه بخلاصة فكرية لمسيرة المطرفي نفسه: رجل ينتمي إلى أرض القصيدة العربية ولكنه يشقّ طريقه في رواية الحاضر، حاملًا مشعل التراث لينير به دروب المستقبل. تلك هي الرسالة الأساسية التي أراد إيصالها؛ رسالةٌ عنوانها الإيمان بقوة الكلمة في صنع التغيير الإيجابي وصون الهوية الثقافية.


المصادر: اعتمد إعداد هذا الملف على تصريحات الدكتور المطرفي المنشورة ومؤلفاته المتاحة، ومنها موقع الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، ومتجر دار ريادة للنشر، وحوار منشور في مجلة اليمامة، إضافة إلى قراءات نقدية تناولت أعماله. تم الحفاظ على صيغة المعلومات المنقولة وفق دليل الاقتباس المقدم.

تعليقات


bottom of page