top of page

الملف الأدبى: محمد الدميني

تاريخ التحديث: 23 نوفمبر 2025


وُلد محمد بن غرم الله الدميني في قرية محضرة بمنطقة الباحة في المملكة العربية السعودية بتاريخ 30 يوليو 1959. نشأ في كنف أسرة مهتمة بالعلم والأدب، وأكمل تعليمه الجامعي في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية حيث حصل على درجة البكالوريوس في علوم المكتبات عام 1980. قضى فترة قصيرة في الولايات المتحدة لدراسة اللغة الإنجليزية خلال مطلع الثمانينات، ثم استهل حياته العملية والثقافية في شركة أرامكو السعودية بالظهران، حيث يعمل مسؤولًا ومحررًا في مطبوعاتها الدورية وتولى لاحقًا رئاسة تحرير مجلة الشركة الثقافية «القافلة». عُرف الدميني في الأوساط الأدبية بصفته شاعرًا ومؤلفًا وصحفيًا ثقافيًا، ويُعدُّ واحدًا من أهم مجدِّدي الشعر السعودي المعاصر الذين ظهروا منذ أواخر القرن العشرين.


هويته الأدبية والفنية

تميَّز محمد الدميني بصوتٍ شعري حداثي جمع بين أصالة التراث وحسِّ التجديد. بدأ مشواره الإبداعي بكتابة قصيدة التفعيلة (الشعر الحر الموزون) لكنه سرعان ما وجد أفقه الحقيقي في قصيدة النثر التي تبنّاها مبكرًا رغم ما واجهه من تحدٍّ داخلي أثناء التحوُّل الأسلوبي. تكشف قصائده عن انحياز عميق لقضايا الإنسان وهمومه، إذ تنقِّب نصوصه في انكسارات الروح وخيباتها بأكبر قدر من الكثافة الانفعالية واللغوية. يتسم أسلوبه الشعري بلغته الرمزّية والصور المبتكرة والإيقاعات الداخلية، حيث تحمل كل قصيدة لديه رؤية فكرية وجمالية ترتبط بسياقها الثقافي الأوسع. يوصف الدميني بأنه شاعر حداثي في منهجه ورؤيته، متمرّد على الأشكال الكلاسيكية السائدة، ومسكون بهاجس التجريب المستمر بحثًا عن آفاق جمالية جديدة للقصيدة. وقد حافظ على هذه الهوية المتفرّدة عبر عقود من الكتابة، جامعًا بين الحس الإنساني العميق والوعي الفني الحديث في بناء قصيدته.


دوره في المشهد الأدبي والثقافي

أسهم محمد الدميني بشكل بارز في المشهد الأدبي السعودي شاعرًا وناقدًا ومحررًا. نشط منذ الثمانينات ضمن جيل من الكتّاب الذين أحدثوا تحوّلًا نوعيًا في حركة الشعر السعودي. عمل محرّرًا للملحقين الأدبيين «المربد» ثم «اليوم الثقافي» الصادرين عن صحيفة اليومالسعودية، مما أتاح له منصة لنشر النصوص الجديدة ومتابعة الإنتاج الأدبي الحديث. كما تولّى مناصب ثقافية مرموقة، منها نائب رئيس نادي المنطقة الشرقية الأدبي ورئيس تحرير مجلة النادي «دارين»، حيث سعى لتعزيز الحراك الثقافي وإثراء المحتوى الأدبي والنقدي. امتد تأثيره إلى خارج حدود المملكة بمشاركته في أمسيات ومهرجانات شعرية عربية ودولية (منها ألمانيا وفرنسا ومصر بعض دول الخليج)، ممثّلًا المملكة في محافل الشعر الحديث. ويُذكر أنه كان أحد روّاد قصيدة النثر في السعودية خلال التسعينيات، إذ شكّل مع مجايليه تيارًا منح هذا الشكل الشعري موقعه المستحق في المشهد المحلي. إلى جانب ذلك، عُرف الدميني بنشاطه النقدي ومواقفه الثقافية الجريئة، فقد كتب مقالات ناقدة حول قضايا التنوير والمجتمع، منتقدًا نزعات «جنسنة الأدب» والفصل بين المبدعين والمبدعات، وداعيًا إلى انفتاح المنابر الثقافية أمام الجميع. كذلك وجّه نقدًا موضوعيًا لأداء المؤسسات الثقافية، مطالبًا إياها بتمثيل أكثر ثراءً للإبداع السعودي في الداخل والخارج. كل ذلك جعل منه شخصية مؤثرة في الحركة الثقافية، تربط بين الإبداع الأدبي والعمل المؤسسي الثقافي برؤية تحديثية ملتزمة.


إنجازاته

على مدى مسيرته الممتدة لأربعة عقود، حقق محمد الدميني جملة من الإنجازات التي رسّخت مكانته في الأدب السعودي المعاصر. فإلى جانب ريادته في تحديث القصيدة السعودية شكلاً ومضمونًا، يحسب له أنه أعاد إحياء روح القصيدة المحلية وفتحها على الفضاء الحداثي العربي الأوسع. اعتبره النقاد أحد أركان جيل الحداثة الشعرية في المملكة، إذ شارك بقوة في تشكيل مشهد قصيدة النثر سعوديًا منذ التسعينيات وأصبح ركنًا مهمًا من كتابها والمدافعين عنها. ترجمت مختارات من قصائده إلى عدة لغات أجنبية منها الإنجليزية والألمانية والفرنسية والإسبانية، مما ساهم في نقل صوته الشعري إلى نطاق عالمي. نال التقدير في الأوساط الأدبية عبر تكريم تجربته في مناسبات مختلفة؛ فقد خُصص عنه محورٌ خاص في مجلة الجوبة الثقافية (العدد 78 لعام 2023) بعنوان «مغامرة الاشتغال بالنص الحر» تناول رؤى نقاد بارزين حول شعره ومسيرته. فمن إصداره لديوانه الأول 1989 الذي عدَّ محطة مفصلية في مسار الحداثة الشعرية السعودية، إلى عودته بإصدار جديد بعد عشرين عامًا من الصمت الإبداعي توّجت بديوانه عام 2014، ظل الدميني وفيًّا لقناعاته الجمالية ومخلصًا لتجربته الخاصة. وتُوجت رحلته مؤخرًا بإصدار ديوانه الجديد عام 2025 الذي مثّل استمرارًا لعطائه المتجدد. مجمل هذه المحطات توثّق إسهامه الكبير في دفع حركة الشعر السعودي قدُمًا وترسيخ قيم التجديد والتنوير في الثقافة المحلية.


أعماله المنشورة

صدر لمحمد الدميني عدد من الدواوين الشعرية التي مثّلت مراحل مختلفة من تجربته الإبداعية، من أبرزها:

  • أنقاض الغبطة – ديوان شعري (دار الشروق، عمّان – الأردن، 1989). شكّل باكورة إنتاجه الشعري وعبّر فيه عن رؤى وتطلعات جيله بلغة حداثية.

  • سنابل في منحدر – ديوان شعري (دار السراة، لندن – بريطانيا، 1994). أكد فيه انتقاله إلى فضاء قصيدة النثر مع الاحتفاظ بحسّه التأملي والإنساني العميق.

  • أيام لم يدّخرها أحد – ديوان شعري (دار أثر، الدمام – السعودية، 2014). جاء بعد انقطاع طويل، واتسم بنضج التجربة وعمق التأمل في تحولات الحياة وهموم الإنسان.

  • طائر تُخطئه الطلقات – ديوان شعري (منشورات المتوسط، ميلانو – إيطاليا، 2025). أحدث إصداراته الشعرية، يمنح فيه القصيدة فضاءً رحبًا للتحليق في عوالم وجودية متقلّبة، حيث تتحوّل العزلة والفقد إلى أدوات للتأمل الفلسفي في المعنى والوجود.


ويعكس محمد الدميني حرصه على توثيق منجزه الإبداعي وتقديمه للأجيال الجديدة. ورغم تركيزه الأساسي على الشعر، لدى الدميني محاولات سردية محدودة لم تجد طريقها إلى النشر، إذ يرى أن التجربة الشعرية ظلت فضاءه الأرحب للتعبير الفني.


لقاءاته

أجرى محمد الدميني عبر مسيرته عدة لقاءات صحفية وحوارات أثرت المشهد الثقافي وكشفت جوانب مهمة من رؤيته وتجربته. من أبرزها حوار مطوّل مع صحيفة الشرق الأوسط نُشر في عام 2014، تحدّث فيه عن تطور تجربته الشعرية على مدى ربع قرن. في ذلك اللقاء أوضح الدميني أن الخيط الناظم بين دواوينه الثلاثة الأولى هو التنقيب في خيبات الإنسان وانكساراته بكثافة شعورية ولغوية عالية، وإضاءة العنف الموجّه إلى وجود الإنسان وطاقاته. كما تناول صراحةً صعوبة انتقاله من شعر التفعيلة إلى قصيدة النثر، واصفًا تلك العملية بأنها أشبه بـ«إعادة برمجة» ذهنية للشاعر المعتاد على فضاءات الشعر القديم. ودافع الدميني في الحوار ذاته عن مشروع الحداثة الشعرية في السعودية، مشيرًا إلى أن جيل الثمانينات واجه حملة شرسة استثارت الحساسية الدينية ضدهم، لكنهم صمدوا أمام «إرادة المحو» تلك ودفعوا ثمنًا باهظًا نتيجة تهم التكفير، إلى أن عاد المشهد الأدبي لاحقًا لمساره التنويري الطبيعي. كذلك تناولت الشرق الأوسط في الحوار رؤيته للزمن والإبداع، حيث اعترف بتقصيره في مجاراة إيقاع الزمن من ناحية الإنتاج، معتبرًا نفسه "كاتبًا خاسرًا" في كمّ المنجز، وإن كان الزمن قد منح كتاباته عمقًا وتأملاً أكبر.


وفي مطلع عام 2023، أفردت له مجلة الجوبة الثقافية (السعودية) حوارًا شاملاً ضمن ملف خاص عن تجربته الشعرية. في هذا اللقاء عبّر الدميني عن آرائه حول واقع الشعر في العصر الرقمي، مؤكدًا أن الفضاء الإلكتروني كسر الكثير من المقاييس التقليدية للنشر والانتشار: "أظن أن الفضاء الرقمي بكل منصاته قد رسّخ عدالة القول والانتشار، وأتاح فرصًا مجانية لوضع نصوص الجميع...". وأشار إلى أن هاجس التجديد الثقافي في شبابهم طغى على الاهتمام بالظهور الفردي، حيث قال: "ذواتنا الشعرية لم تكن مهمة، كان هاجس التغيير الثقافي وتعميق المعنى الحداثي... أكثر هيمنةً من البطولات الشعرية الفردية". كما تطرّق الحوار معه إلى مسألة عزوف الشاعر عن الكمّ مقابل الكيف، فأوضح الدميني أنه بطبيعته مقلّ في النشر لأن الكتابة عنده فعل تأمل طويل الأمد، مضيفًا أن كثيرًا من أبناء جيله اتسموا بقلة الإصدارات قياسًا بجيل الشباب الحالي. ولم يخلُ اللقاء من مواقف نقدية، حيث ناقش الدميني الفروق بين جمهور الشعر والرواية، معترفًا بأن الرواية اليوم أكثر جذبًا للقارئ العام – إذ "تطغى مبيعات الرواية بما تحمله من حكاية وعناصر تشويق" – بينما يبقى قارئ الشعر نخبويا نسبيًا. هذه الحوارات وغيرها (مثل لقاءات مختصرة في الصحف المحلية) قدّمت صورة واضحة لعقلية الدميني الإبداعية؛ فهو شاعر مثقف صاحب مشروع ورؤية، يدرك تحديات الواقع الثقافي ويجاهر بآرائه النقدية حول قضايا الأدب والمجتمع.


خلاصة أبرز ما ورد في لقاءاته

في ختام هذا الاستعراض لمسيرة محمد الدميني وتجربته الشعرية، تتجلى لنا أبرز الأفكار والمحطات التي شاركها الشاعر عبر لقاءاته المختلفة. لقد أكّد الدميني في أكثر من موضع أن جوهر تجربته الشعرية هو الإنسان بكل ما يحمله من انكسارات وأحلام؛ فهو يعتبر الشعر وسيلته لسبر أغوار النفس البشرية وتسجيل مقاومة الروح للألم والخيبة. كما أوضح أنه خاض مغامرة التجديد بالشعر عن إيمان عميق، فانتقل من الأوزان الكلاسيكية إلى فضاء قصيدة النثر بحثًا عن حرية التعبير والكثافة الجمالية، رغم ما تطلبه ذلك من مواجهة داخلية مع مخزونه التراثي. ومن خلال حديثه عن تجربة الحداثيين في الثمانينات، تبيّن مدى وعيه برسالية الإبداع؛ إذ رأى أن مشروع التحديث الثقافي كان أكبر همًّا لديهم من تحقيق الأمجاد الفردية، وأنهم دفعوا الثمن بصمودهم أمام حملات التكفير آنذاك حتى استعاد الأدب السعودي بوصلة الانفتاح والتنوير مجددًا. ويتضح أيضًا من حواراته مدى تواضعه النقدي مع ذاته؛ فقد اعترف بأنه لم ينشر كثيرًا قياسًا بعقود نشاطه، مفسرًا ذلك برؤيته أن الكتابة فعل يحتاج صبرًا ونضجًا، وأن الجودة عنده تتقدم على الكم. كذلك أبان الدميني عن انفتاحه على الأجناس الأدبية الأخرى دون أن يصرفه ذلك عن ولعه بالشعر، حيث وصف الرواية بأنها حلم يراود كل كاتب لكنه شخصيًا لم يجد نفسه بعدُ في كتابتها، وربما لهذا بقي وفيًا لقصيدته التي يعتبرها مرآة روحه. ولم تخلُ حواراته من قراءة للواقع الثقافي؛ إذ انتقد ظواهر كالتمييز بين الأدب النسائي والرجالي، ودعا إلى بيئة إبداعية مشتركة تتخطى حواجز الفصل والعزلة. كما أشار إلى تغيرات العصر الرقمي موضحًا أن انتشار النص الأدبي بات أكثر ديمقراطية عبر الإنترنت الذي حرر الكلمة من قيود النخبوية التجارية وفتح باب التفاعل المباشر مع القراء. باختزال، ترسم لقاءات محمد الدميني صورة شاعر مثقف، صاحب رؤية إنسانية نقدية تجاه الفن والحياة؛ شاعرٍ جعل من تجربته مرآة لتحولات مجتمعه وعصره، وحافظ على صدق الصوت الشعري في مواجهة تحديات الزمن وتحولات الثقافة. وهذه الخلاصات المستقاة من أحاديثه تزيد من فهمنا لتجربته وتعمّق تقديرنا لإسهاماته في خارطة الشعر السعودي والعربي.


المصادر: تُستمد المعلومات الواردة أعلاه من تصريحات الكاتب نفسها في حوارات موثقة او على حسابه في منصة إكس، ومن مواد أرشيفية في مواقع وصحف موثوقة. هذه المصادر وغيرها توثق مسيرة محمد الدميني الحافلة وتبرز إسهاماته الفكرية والأدبية في سياقها المحلي والعربي.

تعليقات


bottom of page