top of page

الملف الأدبي: هدى الدغفق


ولدت هدى عبد الله الدغفق في مدينة الرياض عام 1967. نشأت في أسرة نجدية محافظة، وبرز ميلها للكتابة منذ الصغر؛ حيث بدأت بكتابة اليوميات والشعر في سن مبكرة ونُشرت لها أول قصيدة وهي في السادسة عشرة من عمرها. أكملت تعليمها الجامعي بتخصص اللغة العربية والتربية، وحصلت على درجة البكالوريوس من جامعة الرياض (جامعة الملك سعود) سنة 1990. عملت بعد تخرجها في مجال الصحافة ابتداءً من عام 1983، متنقلة بين عدة صحف ومجلات سعودية وعربية، كما مارست التدريس لفترة من مسيرتها المهنية. شغلت وظائف تحريرية وصحفية متنوعة، فاكتسبت خبرة عميقة في ميدان الإعلام الثقافي إلى جانب إنتاجها الإبداعي.


الهوية الأدبية والفنية

تُعَدُّ هدى الدغفق صوتًا بارزًا في الشعر السعودي الحديث، وتميزت بأسلوب يجمع بين قصيدة التفعيلة الحديثة والتجريب في تجاوز قيود الأوزان التقليدية. في شعرها ونثرها تبرز الهوية النسوية بوضوح؛ إذ تُوصَف بأنها من المروجات لفكرة النسوية في المجتمع السعودي، وترفض بشدة تهميش الصوت الأنثوي داخلها حتى يتحقق التغيير الإيجابي المنشود في واقع المرأة. طالما أكدت في كتاباتها وتصريحاتها رفضها لـ«النظام الأبوي القبلي» الذي يكبل المرأة السعودية، وترى أن التقاليد والعادات هي أبرز ما يعيق مسيرة المرأة، حيث تبقيها رهن رقابة أسرية لا تشجّع استقلالها أو حرية تعبيرها عن ذاتها. لهذا تُكثر الدغفق من تصوير معاناة المرأة السعودية في نصوصها؛ فقصائدها في معظم مجموعاتها الشعرية تنضح بتجارب الأنثى وهمومها تحت وطأة النظرة الاجتماعية السلبية. من الناحية الفنية، تصف هدى الدغفق نفسها بأنها واقعية وجودية إلى حد كبير؛ فالمكان والزمان والمرأة هي محاور أساسية لا تغيب عن نصوصها. تتعامل مع المكان وكأنه الكلّ وهي الجزء، وترى المرأة مجتمعًا وكونًا بأكمله يتجسد في قصيدتها. كما تميل أساليبها إلى التكثيف الصوري واللغوي مع توظيف العناصر الحسية من واقع الحياة اليومية. تجمع في اهتماماتها الإبداعية بين الفلسفة والموسيقى، فتأتي شاعريتها مقسّمة بين التأملات الفكرية والإحساس الموسيقي، ما ينعكس حتى في حضورها على وسائل التواصل. هذه الخصائص منحت تجربتها عمقًا فنيًا وفكريًا وجعلتها تُصنَّف ضمن جيل المجددين في الشعر السعودي الذين تجاوزوا ضيق المألوف نحو رحابة التجريب والحداثة.


دورها في المشهد الأدبي والثقافي

لعبت هدى الدغفق دورًا فاعلًا في الحركة الأدبية والثقافية على المستويين السعودي والعربي. فهي عضو نشط في عدة مؤسسات واتحادات ثقافية وإعلامية؛ منها نادي الرياض الأدبي والجمعية السعودية للإعلام والاتصال وهيئة الصحفيين السعوديين، إضافة إلى عضويتها في نادي دبي للصحافة والملتقى الثقافي الأهلي في البحرين وغيرها. أُسنِد إليها منصب رئيسة اللجنة النسائية في نادي الرياض الأدبي خلال الفترة 2008–2011، حيث أسهمت في تنظيم الأمسيات والندوات لتعزيز مشاركة المرأة في المشهد الأدبي. كما مثّلت المملكة في محافل دولية عديدة، فقدمت أوراق عمل في مؤتمرات وملتقيات حول تمكين المرأة إعلاميًا وثقافيًا؛ من ذلك مشاركتها عام 2002 في منتدى الجمعية السعودية للإعلام بورقة عن معوقات صحافة المرأة، ومشاركتها في الأردن عام 2004 بورقة حول تمكين الصحفيات السعوديات بدعوة من اليونسكو. كذلك شاركت عام 2005 في مهرجان المتنبي الشعري في سويسرا متحدثة عن عولمة الثقافة الشعر. هذه المشاركات وغيرها عززت حضورها العربي، وأكدت اهتمامها بقضايا الحداثة والإبداع وحقوق المرأة على الساحة الثقافية. إلى جانب ذلك، ظهرت الدغفق في وسائل الإعلام المختلفة كوجه أدبي نسائي بارز؛ فقد أُجريت معها لقاءات صحفية وتلفزيونية سلطت الضوء على آرائها الجريئة، مما جعلها أحد الأصوات النسائية المؤثرة في الحراك الثقافي النسوي في السعودية. إن نشاطها في الدفاع عن حقوق المرأة والمطالبة بالتغيير الاجتماعي جعلها ضمن القيادات الفكرية لحركة التنوير النسوية في الخليج.


مؤلفاتها المنشورة

المجموعات الشعرية

  • الظل إلى أعلى – ديوان شعر (ط₁ 1990 دار الأرض – الرياض؛ ط₂ 2002 دار المفردات – الرياض).

  • لهفة جديدة – ديوان شعر (ط₁ 2000 دار كنوز – بيروت؛ ط₂ 2002 دار المفردات – الرياض).

  • سهرتُ إلى قدري – ديوان شعر (2006، دار الفالفا – إسبانيا، باللغتين العربية والإسبانية).

  • امرأة لم تكن – ديوان شعر (2008، دار الفارابي – بيروت، بالعربية وترجمة فرنسية مرافقة).

  • ريشة لا تطير – مختارات شعرية (2008، دار الفارابي – بيروت، بالعربية وترجمة إنجليزية).

  • بحيرة وجهي – ديوان شعر (2008، دار الفارابي – بيروت، بالعربية وترجمة إسبانية).

  • حقل فراش – ديوان شعر (2008، قيد النشر في نفس الفترة، تناول ثيمة الحرية والتحول).

  • بلا طيرَه ألمي – ديوان شعر (2011؛ صدر في بيروت).

  • أنشر قلبي على حبل الغسيل – ديوان شعر (2014؛ تجربة شعرية ذاتية التأمل، صدرت في لندن).

  • أربي ظلي على العصيان – ديوان شعر (2017؛ منشور عن دار الفراشة – الكويت).


الأعمال النثرية والفكرية

  • أشقُّ البرقع.. أرى – (2011، دار جداول – بيروت): كتاب سيرة ذاتية ثقافية وفكرية تناولت فيه تجربتها الحياتية والاجتماعية بجرأة.

  • فلسفة المستقبل – (2014، دار طوى – لندن): كتاب حوارات فكرية مع عدد من المثقفين تناولت فيه أسئلة الهوية والتلقي والتحولات الحضارية.

  • هِستيريا الافتراض – (2014، دار العين – القاهرة): كتاب في نقد الظاهرة الرقمية وثقافة التواصل الافتراضي، تطرح فيه إشكاليات النص الإلكتروني وتأثير التقنية على الإبداع.

  • متطايرة حواسي.. شذرات سيرية – (2017، دار أزمنة – عمّان): كتاب سيرة ذاتية بأسلوب الشذرات النثرية، ترصد فيه الكاتبة جوانب حسية ووجدانية من حياتها وعلاقتها بالأمكنة والأشياء من حولها.

جدير بالذكر أن عددًا من أعمال الدغفق تُرجم إلى لغات أجنبية، مما أوصل صوتها إلى نطاق أوسع. فقد تُرجمت مختارات من قصائدها إلى الفرنسية والإنجليزية والإسبانية والإيطالية، ومنها: امرأة لم تكن (فرنسي)، ريشة لا تطير(إنجليزي)، بحيرة وجهي (إسباني)، ومختارات بعنوان مثلُ نبض (إيطالي). هذه الترجمات تؤكد البعد الإنساني العالمي في تجربة الدغفق الشعرية.


مقالاتها الصحفية

نشطت هدى الدغفق في الكتابة الصحفية إلى جانب إنتاجها الأدبي. عملت في صحف سعودية بارزة مثل الجزيرة والرياض واليمامة والحياة والشرق الأوسط منذ ثمانينات القرن الماضي. تميزت بكتابة المقالات الثقافية والنقدية، كما أجرت حوارات صحفية عديدة مع شخصيات أدبية وفكرية. من أبرز أعمدتها الصحفية كان عمود «ضمير الورقة» الذي كتبته في صحيفة الجزيرة أوائل التسعينات، حيث طرحت فيه تأملات أدبية واجتماعية بقلم ناقدة شاعرة. كذلك تولت تحرير صفحة الثقافة في جريدة الرياض مطلع الألفية الجديدة، وكتبت فيها عمودًا ثابتًا بعنوان «فيروز» من 2000 حتى 2007، قدمت خلاله رؤى في الشعر والموسيقى والفنون. في عام 2009 انتقلت إلى صحيفة الوطن محررةً في الصفحات الثقافية، ثم انضمت إلى صحيفة مكة عام 2014 ككاتبة عمود تحت عنوان «بِملء الروح». ومن خلال هذه المنابر المتنوعة، تناولت الدغفق في مقالاتها قضايا الحداثة الشعرية والنقد الأدبي، إلى جانب قضايا المجتمع والمرأة. فقد كتبت مقالات جريئة تدافع فيها عن حقوق المرأة السعودية وتنتقد النظرة الذكورية التقليدية. على سبيل المثال، نشرت عام 2017 في مجلة الفيصل مقالًا مطولًا حلّلت فيه واقع الحراك النسوي السعودي والصعوبات التي تواجهه في ظل التقاليد الاجتماعية والمعارضة المحافظة. وبشكل عام، تميّز أسلوبها الصحفي بلغته الأدبية الرشيقة وعمقه الفكري، مما جعل مقالاتها محل اهتمام القراء والمثقفين على حد سواء.


أبرز أقوالها وتغريداتها

عُرفت هدى الدغفق بنشاطها على منصة تويتر حيث تتفاعل مع جمهورها وتنشر خواطرها ومواقفها بانتظام. تجمع تغريداتها بين الحس الثقافي والنقد الاجتماعي، وتعكس اهتماماتها الفلسفية والفنية. وصفها أحد النقاد بأن شاعريتها على تويتر مقسَّمة بين اهتماماتها الفلسفية والموسيقية، في إشارة إلى توازن محتواها بين الفكر والوجدان. من أبرز الأقوال التي عبّرت عنها – سواء عبر تويتر أو في لقاءاتها – قولها: «رأيتُ جرحي من خلال المرأة السعودية، ولم أبكِها، بل ناصرتها ووقفتُ إلى جوارها ... بجرعة مضاعفة من الجرأة». هذا التعبير يلخص رؤيتها في مناصرة بنات جنسها بقوة وشجاعة دون إظهار الضعف. كما صرّحت في موضع آخر عن صعوبة مواجهة التقاليد المحافظة بقولها: «المواجهة لم تكن سهلة مطلقًا ولم تزل بعض رواسبها في ذهني حتى اليوم، وما زلتُ ناقمة على تناقضات تلك المرحلة»، في إشارة إلى ما قاسته في بداياتها من اتهامات وتحديات لمجرّد تمسكها بخيار الحداثة والتعبير الحر. ومن أقوالها التي تتداولها المهتمات بقضايا المرأة أيضًا تأكيدها أن استقلالية المرأة في فكرها وإبداعها هي شرط أساسي لنهضتها: حيث تنتقد من يعتبرون المرأة تابعًا وتقف في تغريداتها ضد الوصاية الفكرية على المرأة. ولم تتردد في دعم قرارات تمكين المرأة السعودية (مثل قيادة السيارة) بتغريدات تُظهر فرحتها وتفاؤلها بالمستقبل، معتبرةً ذلك خطوة لكسر «الخيمة» الاجتماعية التي سجنت طاقات المرأة طويلًا. إجمالاً، تحمل تغريدات هدى الدغفق نبرة التحدي والأمل، وتمزج بين لغة الشعر ولغة الواقع، مما أكسبها متابعين يترقبون آراءها بوصفها مثقفة مؤثرة في فضاء الإعلام الجديد.


أبرز محاور لقاءاتها الإعلامية

شكلت اللقاءات التلفزيونية والصحفية مع هدى الدغفق فرصة لإبراز أفكارها ومواقفها الفكرية بصراحة وعمق. في لقاء تلفزيوني عام 2013 مع مجلة المجلة، تحدثت الدغفق بإسهاب عن واقع المرأة السعودية، فذكرت أن خروج المرأة للتعليم والعمل منذ أواخر الخمسينات كان بمثابة خروجها من "خيمتها" نحو الانفتاح. وشددت في اللقاء ذاته على أن التغيير الإيجابي لن يحدث ما لم يتم الانخراط في ركْب الحضارة العالمية معرفيًا وإنسانيًا، عبر الحوار الثقافي والتبادل المعرفي مع الآخر. وأكدت أن مشاركة المرأة السعودية في الحياة الثقافية هي عامل رئيس لإصلاح وضعها في مجتمع يشدد الوصاية الذكورية عليها. في مقابلاتها أيضًا تناولت موضوع التطرف الدينيوتأثيره على المشهد الأدبي خلال فترة الثمانينات والتسعينات. ففي حديث لمجلة التكوين (2018) استعادت الدغفق ذكريات تلك المرحلة، ووصفتها بأنها «كانت مرحلة قاسية على الإبداع كثيرًا بسبب نشوء حركة التطرف ذات الطابع الديني، والتي خلقت مناخًا مُرهقًا للمبدعين وصادمًا لمشروع الحداثة في الشعر السعودي». بيّنت كيف اضطر كثير من الشعراء لوقف النشر تحت ضغط التيار المتشدد آنذاك، وكيف عانت شخصيًا من الرقابة الاجتماعية وحتى الاتهام بـالإلحاد لمجرّد كتابتها القصيدة الحديثة. كما أفصحت عن التحديات العائلية التي واجهتها كامرأة تطرق مواضيع الحداثة، حيث كان مجرد التحاور مع الأسرة حول الشعر والفكر ضربًا من المغامرة المحفوفة بالرفض في ذلك الوقت. وإلى جانب قضايا المرأة والتطرف، تناولت الدغفق في لقاءاتها موضوع أثر التقنية الحديثة على الإبداع، وهو محور كتابها هستيريا الافتراض. ففي لقاءات صحفية أشارت إلى قلقها من هيمنة العالم الرقمي على الخيال الإنساني، مؤكدةً أهمية الموازنة بين التفاعل الإلكتروني والارتباط بالمكان والواقع للحفاظ على أصالة التجربة الإبداعية. عمومًا، اتسمت تصريحات هدى الدغفق الإعلامية بالصراحة والجرأة في نقد الواقع، وبطرح رؤى فكرية تستند إلى خبرتها كشاعرة عاشقة للحرية وكإعلامية مطلعة على قضايا مجتمعها.


في ختام هذا الملف الأدبي، تتبلور صورة هدى الدغفق كشاعرة وكاتبة سعودية مثقفة، كرست قلمها للدفاع عن قضايا المرأة والحرية الفكرية في مجتمعها. أبرز ما تكشفه لقاءاتها وتصريحاتها هو إيمانها العميق بأن التغيير الثقافي والاجتماعي يبدأ برفض الصمت ومواجهة التقاليد المقيدة بصوت أدبي جريء. فقد أكدت مرارًا أن تمكين المرأة السعودية لن يتحقق إلا بمشاركتها الفاعلة في النهضة الثقافية والانفتاح على العالم مع الحفاظ على هويتها. كما عكست تجاربها الشخصية ثمنًا دفعته في سبيل الكتابة والإبداع، حيث خسرت الكثير لأجل الكلمة لكنها كسبت استقلاليتها واحترامها لذاتها. وتظهر تصريحاتها أنها لم تخضع لمعادلة المساومة بين الإبداع والقيود الاجتماعية، بل جعلت من قصيدتها سلاحًا ناعمًا لمواجهة الظلم والكبت. في لقاءاتها الإعلامية الأخيرة، أبدت تفاؤلًا مشوبًا بالحذر تجاه التطورات الإيجابية في وضع المرأة السعودية، معتبرةً أن ما تحقق من إنجازات هو بداية الطريق وأن المسؤولية مشتركة لصنع مستقبل أكثر إنسانية وانفتاحًا. وبذلك، تظل هدى الدغفق نموذجًا للمثقف العضوي الذي يوظف فكره وفنه في خدمة مجتمعه، وصوتًا شعريًا وإعلاميًا يعبّر بصدق عن جرح المرأة السعودية وأملها في آن واحد.


المصادر: تُستمد المعلومات الواردة أعلاه من تصريحات الكاتبة نفسها في حوارات موثقة، ومن مواد أرشيفية في مواقع وصحف موثوقة مثل ديوان العرب، ومجلة المجلة، وصحيفة الجزيرة، ومجلة التكوين، موقع قودريدز. هذه المصادر وغيرها توثق مسيرة هدى الدغفق الحافلة وتبرز إسهاماتها الفكرية والأدبية في سياقها المحلي والعربي.

تعليقات


bottom of page