الملف الأدبي: صالح زمانان
- أحمد المطلق

- 28 ديسمبر 2025
- 8 دقيقة قراءة

في خضم التحولات الثقافية الكبرى التي تشهدها المملكة العربية السعودية، يبرز اسم صالح زمانان ليس مجرد شاعر أو كاتب مسرحي عابر، بل كفاعل ثقافي يمتلك مشروعاً متكاملاً يمزج بين "أصالة الجذر" و"حداثة الشكل". إن قراءة تجربة زمانان تتطلب تفكيكاً عميقاً للعوامل الجغرافية، والاجتماعية، والفكرية التي صاغت وعيه، بدءاً من نشأته في نجران، وصولاً إلى حضوره في المحافل الدولية كأحد أبرز الوجوه الثقافية السعودية الشابة.
الجغرافيا الأولى: نجران ومخيلة "الشقاء والجمال"
وُلد صالح زمانان في عام 1985م في منطقة نجران، جنوب المملكة العربية السعودية. هذه المنطقة، بتاريخها الضارب في القدم وتنوعها الجغرافي بين الجبال والصحراء والوديان الخصبة، شكلت المسرح الأول الذي تفتحت عليه عيناه. في حديثه عن تلك المرحلة، يصف زمانان حياته بأنها كانت "غير مرفهة"، حياة تقشفية قاسية تشبه طبيعة الأرض، حيث كان "شرب السمن وأكل اللحم" جزءاً من النمط الغذائي والمعيشي الصارم، إلا أنها كانت في الوقت ذاته "ملأى بالمعاناة والجمال بالقدر نفسه". هذه الثنائية (القسوة/الجمال) أصبحت لاحقاً سمة بارزة في نصوصه، حيث نجد في قصائده ذلك التوتر الدائم بين ألم الواقع ورقة المجاز. لم تكن طفولته عادية، بل كانت محملة بمخزون بصري وحسي هائل. يشير زمانان إلى دور "الجدة" المحوري في تأسيس خياله المسرحي والروائي؛ إذ كانت أغنام جدته تحمل أسماءً بشرية، وتعامل ككائنات عاقلة، مما رسخ في وعي الطفل فكرة "أنسنة الأشياء" والحيوانات، وهي تقنية ستصبح لاحقاً ركيزة أساسية في أسلوبه الشعري والمسرحي. يتذكر زمانان أن أول مسرحية كتبها في حياته، والتي قُدمت في الإذاعة المدرسية، كانت شخوصها تمثل تلك الأغنام، في إشارة مبكرة إلى تداخل الواقعي بالمتخيل في تكوينه الذهني.
التكوين الأكاديمي والوعي المبكر
تلقى زمانان تعليمه العام في نجران، حيث ظهرت عليه علامات التفوق الدراسي مبكراً. انتقل بعدها إلى المرحلة الجامعية، ليحصل على درجة البكالوريوس من كلية الآداب، قسم اللغة العربية بجامعة الملك فيصل، متخرجاً بتقدير ممتاز مع مرتبة الشرف. هذا التأسيس الأكاديمي الرصين في اللغة العربية وآدابها منحه القدرة على تطويع اللغة وامتلاك ناصية البيان، وهو ما يظهر جلياً في متانة تراكيبه اللغوية حتى عندما يكتب قصيدة النثر الحديثة أو النص المسرحي التجريبي. يذكر زمانان بامتنان فضل معلمي اللغة العربية في مراحل تعليمه العام، مشيراً إلى أحدهم الذي كان يخرج عن المنهج الدراسي ليدرسهم أبياتاً لأبي تمام، مما خلق لديه تحدياً مبكراً لتذوق الشعر العميق وتجاوز السطحية. هذه التربية الأدبية النوعية ساهمت في صقل موهبته وتوجيهها نحو الجدية والعمق منذ البدايات.
الهوية الأدبية: فلسفة الشعر وتقنيات الكتابة
يمثل صالح زمانان صوتاً متفرداً في جيل ما بعد الحداثة في السعودية. هويته الأدبية لا تركن إلى القوالب الجاهزة، بل هي في حالة "تجدد" و"قلق" دائمين. يمكن رصد ملامح هذه الهوية من خلال تحليل نتاجه الشعري والنقدي، والذي يتسم بعدة خصائص جوهرية.
مسرحة القصيدة وشعرنة المسرح
أبرز ما يميز هوية زمانان الأدبية هو تماهي الحدود بين الأجناس الأدبية. فهو شاعر يكتب بروح المسرحي، ومسرحي يكتب بلغة الشاعر.
المشهدية في الشعر: تشير الدراسات النقدية، مثل دراسة سامي العجلان، إلى أن زمانان يميل إلى "مسرحة النص الشعري". قصائده ليست مجرد بوح عاطفي، بل هي مشاهد بصرية متكاملة العناصر. في قصيدته "الميناء"، يتحول النص إلى خشبة مسرح تظهر فيها المنارة كشخصية رئيسية تعاني من "يباس الحجر والملح"، وتدخل السفينة والنورس كشخصيات ثانوية تؤدي أدواراً درامية في مشهد الوجود.
الدراما في اللغة: يعتمد زمانان على الحوار الداخلي والخارجي داخل القصيدة، مستخدماً تقنيات المونودراما لتكثيف الحالة الشعورية. هذا المزج يجعل نصوصه قابلة للأداء الحركي بقدر ما هي قابلة للقراءة الصامتة.
أسطرة اليومي وأنسنة الوجود
ينطلق زمانان في مشروعه الأدبي من فلسفة ترى أن "العادي" يخفي في طياته "الأسطوري".
الميثولوجيا الخاصة: لا يكتفي باستدعاء الأساطير القديمة، بل يخلق أساطيره الخاصة لتفسير الظواهر اليومية. ففي قصيدته "أين تختفي الجبال؟"، يقدم تفسيراً فانتازياً لصمت الرجال، مدعياً أن الجبال دُست في حناجرهم لمنعهم من البكاء في طفولتهم، ولذلك حين يتكلم الرجل فإن كلماته "تنتحر من رؤوس الجبال". هذا التوظيف للأسطورة يمنح نصوصه بعداً كونياً يتجاوز اللحظة الراهنة.
أنسنة الجماد: تكتسب الأشياء في عالم زمانان روحاً وإرادة. القطارات تزحف على بطونها المحترقة، والتماثيل تتمنى الالتفات، والوقت (الزمن) شخصية تعاقب الظهيرة. هذه الأنسنة تعكس حساسية مفرطة تجاه الوجود، ورغبة في التواصل مع كل مفردات الكون، الحية والميتة.
لحظة "موت المؤلف" والتحول الفكري
يروي زمانان عن لحظة مفصلية في مسيرته الفكرية حدثت في القاهرة، حين وقعت يده بالصدفة على مجلة تتحدث عن نظرية "موت المؤلف" لرولان بارت أثناء انتظاره عند الحلاق. يصف هذه اللحظة بأنها كانت "صدمة" معرفية دفعته لإعادة قراءة التراث العربي برؤية جديدة، قائمة على "تقويض سلطة الرواة" وإزالة "القشرة المقدسة" للوصول إلى الجماليات الخام. هذا الموقف النقدي يفسر جرأته في التعامل مع التراث في أعماله المسرحية اللاحقة، حيث لا يعيد إنتاج التراث كما هو، بل يعيد تركيبه برؤية حداثية.
المنجز الشعري: تحليل الببليوغرافيا والدواوين
قدم صالح زمانان للمكتبة العربية سلسلة من الأعمال الشعرية التي تدرجت في نضجها وتجريبها، مشكلةً مدونة شعرية تعكس تطور القصيدة السعودية الحديثة.
مرحلة التأسيس والتجريب
البشكنجية (2010): صدرت عن دار طوى للنشر والإعلام. شكلت هذه المجموعة عتبة الدخول الأولى إلى عالم النشر، حيث بدأ فيها زمانان استكشاف صوته الخاص، متأرجحاً بين غنائية التفعيلة وكثافة النثر.
الحارس في الثقب (2013): صدرت عن الدار العربية للعلوم ناشرون. في هذه المجموعة، بدأ يتبلور ميله نحو التقاط التفاصيل الهامشية، و"حراسة" المعاني الصغيرة من الضياع في ثقب الذاكرة.
مرحلة النضج والجوائز
تُعد مجموعة "عائدٌ من أبيه" (2015)، الصادرة عن دار ميلاد ومسكلياني، العلامة الفارقة والأهم في مسيرته الشعرية حتى الآن.
الثيمات المركزية: يتمحور الديوان حول ثيمة "الأب" والغياب. لكن الأب هنا ليس مجرد شخص، بل هو رمز للجذور، وللسلطة، وللموت الذي يأتي فجأة.
جماليات الموت: يعالج زمانان الموت في هذا الديوان بخفة مدهشة وموجعة. في مرثيته لأبيه، يكتب: "غادر سريعاً قبل أن يفخر العكاز بقبضته.. كما أنه راح لشراء الهدايا". يحول الفجيعة إلى مشهد يومي، وينزع عن الموت رهبته التقليدية ليجعله جزءاً من تفاصيل الحياة.
الاحتفاء النقدي: نال هذا الديوان جائزة السنوسي الشعرية (2016)، وهي جائزة رفيعة جعلت منه أول شاعر سعودي يفوز بها، مما كرس اسمه عربياً. تُرجمت نصوص من هذا الديوان إلى الإسبانية، مما فتح له أبواب العالمية.
ما بعد الجائزة: تكريس الصوت الخاص
فزّاعات نيئة (2016): صدرت عن دار طوى. رغم تصنيفها أحياناً ككتاب مسرحي (نظراً لفوزها بجائزة وزارة الثقافة للكتاب المسرحي)، إلا أنها تحمل نفساً شعرياً واضحاً. تضم نصوصاً مثل "حكايات منسية" و"رسائل الشوق القديم"، وتناقش عبثية الوجود الإنساني.
أعطال الظهيرة (2018): صدرت عن منشورات تكوين. يعود هنا ليكرس "مناخ الظهيرة" كثيمة مفضلة، مستكشفاً اللحظات "المعطلة" في الزمن، والملل الوجودي الذي يلف الكائنات تحت شمس حارقة.
نُزل الأبديّة (2020): مختارات شعرية مترجمة إلى اللغة الأوزبكية، صدرت بالتعاون مع مركز البحوث والتواصل المعرفي. تعكس هذه الخطوة اهتمام المؤسسات الثقافية بتصدير تجربته إلى فضاءات غير تقليدية (آسيا الوسطى).
جدول توثيقي للإصدارات الشعرية:
الكتاب | سنة الإصدار | الناشر | الملاحظات |
البشكنجية | 2010 | دار طوى | البداية الشعرية |
الحارس في الثقب | 2013 | الدار العربية للعلوم | - |
رأسه في الفجيعة.. أصابعه في الضحك | 2014 | كوستاريكا (ترجمة) | مختارات باللغة الإسبانية |
عائد من أبيه | 2015 | دار ميلاد / مسكلياني | جائزة السنوسي 2016 |
من مدريد.. إلى السماء | 2016 | Verbum (إسبانيا) | أنطولوجيا مشتركة |
أعطال الظهيرة | 2018 | منشورات تكوين | - |
نُزل الأبديّة | 2020 | دار ياشلار (أوزبكستان) | مختارات بالأوزبكية |
المشروع المسرحي: من التجريب إلى الأوبرا
إذا كان الشعر هو "صوت" زمانان الداخلي، فإن المسرح هو "جسده" المتحرك في الفضاء العام. تميزت مسيرته المسرحية بالتنوع الشديد، منتقلاً من مسرح القاعات الصغيرة والتجريب، إلى الملاحم الجماهيرية المفتوحة، وصولاً إلى الأوبرا العالمية.
المسرح التجريبي والجوائز
بدأ زمانان كاتباً لنصوص مسرحية تميل للتجريب وتفكيك البنية التقليدية للحكاية.
رصيف 7 (2010): مسرحية تجريبية قدمتها جمعية الثقافة بالطائف، وحاز عنها جائزة أفضل نص في مهرجان الطائف المسرحي 2013. النص يتناول قضايا الانتظار والتهميش في فضاءات العبور.
الحفلة الأخيرة (2011): نال عنها جائزة أبو ربعية للتأليف المسرحي.
نصوص أخرى: "نوستالجيا" (مونودراما)، "قايين"، "حبوس"، "نبوءات لوركا". تتميز هذه النصوص بلغة شاعرية عالية، وبناء درامي يركز على الصراع النفسي والوجودي للشخصيات.
الملاحم التاريخية والفرجة الشعبية
انتقل زمانان في مرحلة لاحقة إلى كتابة "الملاحم" التي تُعرض في افتتاحيات المهرجانات الثقافية الكبرى، مستفيداً من التراث العربي القديم.
ملحمة الأخدود (أصحاب النار والجنة) - 2012: افتتاح مهرجان قس بن ساعدة. استعاد فيها قصة أصحاب الأخدود الشهيرة في نجران.
ملحمة ملوك الشعر والدماء - 2014: تناولت سير الشعراء الصعاليك والفرسان في الجاهلية.
سُراة الشعر والكهولة (لبيد بن ربيعة) - 2015: عُرضت في افتتاح سوق عكاظ، وقدمت قراءة درامية لحياة الشاعر المعمر لبيد بن ربيعة.
الذروة الفنية: أوبرا زرقاء اليمامة (2024)
تُوجت مسيرة صالح زمانان المسرحية بإنجاز تاريخي غير مسبوق، تمثل في كتابة النص والسيناريو (Libretto) لـ أوبرا زرقاء اليمامة، وهي أول أوبرا سعودية والأضخم عربياً.
فلسفة العمل: في حواراته الإعلامية حول العمل، يؤكد زمانان أن اختياره لأسطورة زرقاء اليمامة لم يكن عبثياً، بل هو جزء من مشروع أوسع للاشتغال على أساطير الجزيرة العربية. يرى في قصة زرقاء اليمامة "تراجيديا دامية" تصلح لكل زمان، فهي تحكي قصة الحضارة التي تفني نفسها بسبب الانقسامات الداخلية والحقد.
البعد الإنساني: يشدد زمانان على أن النص، رغم غرقه في المحلية والتراث (قبيلتي طسم وجديس)، إلا أنه يحمل رمزية لأحزان الإنسان المعاصر، مما يجعله قابلاً للتلقي العالمي.
الإنتاج العالمي: تم إنتاج العمل بمعايير عالمية، حيث أخرجها السويسري دانييل فينزي باسكا، ولحنها الأسترالي لي برادشو، وعزفتها أوركسترا دريسدن، بينما بقي النص (روح العمل) سعودياً خالصاً بقلم زمانان. هذا التعاون يجسد رؤية زمانان في "تصدير" الثقافة السعودية لا استيراد القوالب الغربية فقط.
الدور في المشهد الثقافي والمؤسسي
لا يمكن اختزال دور صالح زمانان في إنتاجه الإبداعي فقط؛ فهو يمارس دوراً قيادياً وتنويرياً داخل المؤسسات الثقافية السعودية، مساهماً في صياغة المشهد الثقافي الجديد.
العمل المؤسسي والإدارة الثقافية
يتولى دورًا محوريًا في مركز البحوث والتواصل المعرفي عبر إدارته ملفات التبادل الثقافي والترجمة وتنظيم المشاركات السعودية في معارض الكتاب الدولية، كما يسهم بصفته مستشارًا في هيئة المسرح والفنون الأدائية في بلورة استراتيجيات تطوير قطاع المسرح في المملكة، وهو ما تجلّى في مشاريع كبرى مثل مشروع الأوبرا ومبادرات توطين المسرح. وإلى جانب ذلك، كان صاحب فكرة مهرجان قس بن ساعدة الثقافي ومنسقه العام، وهو مهرجان تميّز بطابعه النوعي وتركيزه على التراث الخطابي والأدبي العربي، مبتعدًا عن الصيغ الاحتفالية التقليدية.
العضوية واللجان
زمانان عضو فاعل في العديد من الهيئات، منها:
مجلس إدارة النادي الأدبي الثقافي بنجران.
الجمعية العربية السعودية للثقافة والفنون.
جمعية المسرحيين السعوديين.
الهيئة الدولية للمسرح (ITI).
لجان تحكيم متعددة (مثل مهرجان الإبداع المسرحي بسوق عكاظ).
الجوائز والتكريمات: سجل الإنجاز
حصد صالح زمانان اعترافاً وتقديراً واسعاً عبر سلسلة من الجوائز التي تغطي مجالات إبداعه المختلفة (الشعر، المسرح، التأليف).
السنة | الجائزة | العمل الفائز | الدلالة والأهمية |
2017 | جائزة وزارة الثقافة والإعلام للكتاب | كتاب "فزّاعات نيئة" | جائزة رسمية رفيعة، نالها كأصغر فائز وقتها، مما أكد ريادته ككاتب مسرحي شاب. |
2016 | جائزة السنوسي الشعرية | ديوان "عائدٌ من أبيه" | جائزة عربية مرموقة، وكان أول سعودي يحققها، في منافسة شملت عشرات الشعراء العرب. |
2013 | جائزة أفضل نص مسرحي (الطائف) | مسرحية "رصيف 7" | تأكيد على تفوقه في المسرح التجريبي. |
2011 | جائزة أبو ربعية للتأليف المسرحي | نص "الحفلة الأخيرة" | إشارة مبكرة لموهبته الدرامية. |
فضاء الحوار: رؤى ومواقف من اللقاءات الإعلامية
من خلال استعراض لقاءاته الصحفية والتلفزيونية، يمكن استخلاص "المانيفستو" الفكري لصالح زمانان، والذي يتمحور حول عدة قضايا.
التراث والحداثة
في حواراته، يرفض زمانان النظرة التقديسية الجامدة للتراث. يدعو إلى "الشجاعة في تقويض الرواة"، مؤكداً أن التراث ليس صنماً يُعبد، بل مادة خام يجب إعادة تشكيلها فنياً لتناسب العصر. يقول في حوار لـ"اليمامة": "أنا مؤمن أن الأداة الأساسية لقراءة التراث هي الشجاعة... ثم إزالة القشرة المقدسة التي تمنع الوصول إلى جماليات التراث".2 هذا الرأي يفسر منهجه في "أوبرا زرقاء اليمامة" وفي ملاحمه المسرحية.
الهوية الثقافية ورؤية 2030
يتماهى زمانان مع الحراك الثقافي الضخم الذي أطلقته رؤية المملكة 2030. يعبر عن سعادته بأن المملكة بدأت "تقدم سرديتها بنكهتها الأصيلة" للعالم. يرى أن الثقافة السعودية يجب ألا تكتفي بمخاطبة الداخل، بل يجب أن "تتواصل مع الشعوب بشكل إيجابي"، مشدداً على أن "لا يوجد شعب باستطاعته أن يكلم نفسه وحيداً".14 يرى في المشاريع الثقافية الكبرى فرصة لإعادة اكتشاف الذات السعودية وتقديمها للعالم بلا رتوش.
فلسفة الكتابة
عن الكتابة، يقول زمانان إنها فعل "تخلٍ". يشير إلى أنه أصدر مجموعته القصصية الأولى فقط "للتخلص منها". الكتابة عنده هي محاولة للشفاء من الذاكرة، أو وسيلة لتنظيم الفوضى الداخلية. في حديثه عن ديوان "عائد من أبيه"، يصف الكتابة بأنها محاولة لترويض الزمن المنفلت، ومواجهة حقيقة الموت بالجمال.2
الخاتمة: صالح زمانان ورهان المستقبل
يمثل صالح زمانان نموذجاً للمثقف العضوي الذي استطاع أن يردم الهوة بين "النخبوي" و"الجماهيري"، وبين "المحلي" و"العالمي". تجربته تثبت أن الإيغال في المحلية (من بيئة نجران وتراث اليمامة) هو الطريق الأقصر نحو العالمية (مسارح أوروبا ودور النشر اللاتينية). من خلال شعره، أعاد الاعتبار لقصيدة النثر في المشهد السعودي، مانحاً إياها عمقاً ميثولوجياً ودرامياً. ومن خلال مسرحه، نقل التجربة السعودية من محاولات الهواة إلى فضاء الاحتراف والأوبرا العالمية. يظل صالح زمانان، بما يملكه من وعي حاد وأدوات فنية متمكنة، أحد أهم الأسماء التي يُراهن عليها في صياغة "القوة الناعمة" السعودية، وسرد حكاية الإنسان السعودي المعاصر بكل تعقيداتها وجمالياتها. إنه، باختصار، مهندس الأسطورة الحديثة الذي يبني من "فزاعات" الماضي "أوبرا" للمستقبل.
.png)



تعليقات