top of page

الملف الأدبي: عبدالرزاق الصاعدي


عبدالرزاق بن فراج الصاعدي (مواليد 1959) هو عالم لغة عربية سعودي وأستاذ في قسم اللغويات بـ الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة. يُعدّ من المتخصصين البارزين في التصريف وفقه اللغة والمعاجم، مع اهتمام عميق باللهجات العربية. حصل على البكالوريوس من جامعة الملك عبد العزيز في جدّة، ثم الماجستير والدكتوراه من الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة بتقدير ممتاز (أنهـى الدكتوراه عام 1414هـ). تدرّج سريعًا في السلك الأكاديمي حتى نال درجة الأستاذية خلال ثماني سنوات فقط من حصوله على الدكتوراه، بفضل إنتاجه العلمي الغزير. اشتهر الصاعدي بمبادراته اللغوية، وأبرزها تأسيسه «مجمع اللغة العربية الافتراضي» ، الذي يرأسه ويعدّه أول مجمع تفاعلي إلكتروني لخدمة اللغة العربية. إلى جانب عمله الأكاديمي، يكتب الصاعدي مقالات لغوية وأدبية في الصحف والمجلات، جامعًا بين الخلفية العلمية والرؤية الأدبية في طرحه.


هويته اللغوية والأدبية

يمتاز عبدالرزاق الصاعدي بهوية علمية ولغوية تجمع بين التأصيل والتراث والانفتاح على التجديد. فهو ينطلق في دراساته من التراث اللغوي العربي الأصيل، باحثًا في أعماق المعاجم القديمة وقواعد العربية، مع حرصه على تطوير مناهج البحث لتواكب العصر. يصفه معاصروه بأنه شغوف وحيوي علميًا؛ يستفيد من منجزات السلف ويضيف إليها رؤى حديثة. تتركز كتاباته الأكاديمية حول التصريف وبناء المعجم العربي ولهجات القبائل، لكنه أيضًا يهتم بقضايا علم الدلالة والعروض، مما يعكس اتساع أفقه االغوي. وفي مقالاته الصحفية يظهر توجهه نحو تبسيط المعرفة اللغوية لجمهور القراء، عبر استعراض طرائف اللغة وأسرارها بأسلوب أدبي شيّق. رؤيته في النحو تتسم بالتيسير؛ فقد صرّح في إحدى تغريداته أن النحو علمٌ "سهل ممتنع" ينبغي دراسته بهمة عبر كتب مبسّطة قبل الغوص في المطولات القديمة. كما يدعو إلى الاعتدال في النظرة للعامية؛ إذ يرى أنها تحمل بقية الفصحى في طياتها، ويستخدم منهج المقارنة بين الفصحى ولهجاتها لخدمة اللغة وإحيائها. هذه الهوية العلمية المتوازنة بين الأصالة والتجديد أكسبت كتابات الصاعدي نكهة مميزة تمزج بين دقة الباحث وروح الأديب.


دوره في المشهد الأدبي والثقافي

للصاعدي دورٌ فاعلٌ في المشهد اللغوي والثقافي السعودي والعربي، من خلال أعماله الأكاديمية ومبادراته المجتمعية. فقد شغل مناصب أكاديمية رفيعة أثّرت في تطوير تعليم اللغة، مثل عمادة كلية اللغة العربية ووكالة الجامعة للدراسات العليا والبحث العلمي بالجامعة الإسلامية. وفي هذه المواقع، عمل على دعم البحث اللغوي ورعاية الكفاءات الشابة. ثقافيًا، برز دوره عبر تأسيسه مجمع اللغة العربية الافتراضي وهو منصة إلكترونية تجمع آلاف المهتمين بالعربية – لنشر الوعي اللغوي وتقريب الفصحى لعامة الناس. اتخذ الصاعدي من تويتر مقرًا لهذا المجمع التفاعلي نظرًا لسرعة وحرية التواصل فيه، واستقطب عبره نخبة من علماء اللغة (يضم مجلسه الاستشاري نحو 300 عالم من داخل السعودية وخارجها) إلى جانب جمهور واسع من المتابعين. بهذه الخطوة الريادية، سدّ الصاعدي فراغًا في المشهد الثقافي بإيجاد مجمع لغوي إلكتروني مفتوح خدمةً للعربية ولهجاتها. وقد أثمرت جهود المجمع في إصدار توصيات وقرارات لغوية مهمة (15 قرارًا خلال سنوات قليلة) حول قضايا اللغة الراهنة. بالإضافة إلى ذلك، يشارك الصاعدي بانتظام في الندوات والمحاضرات العامة، حيث يُدعى إلى الأندية الأدبية والملتقيات الثقافية لمناقشة قضايا اللغة العربية المعاصرة. حضورُه في هذه المناسبات ومداخلاته فيها تسهم في صنع الرأي اللغوي في المملكة، حتى وُصف بأنه من الشخصيات المؤثرة في الحراك اللغوي عربيًا. كما أن مناظراته العلنية مع بعض المفكرين حول قضايا اللغة (كما سيأتي) جعلت اسمه حاضرًا في السجالات الثقافية، مؤكدةً دوره بوصفه صوتًا مدافعًا عن العربية في العصر الرقمي.


إنجازاته الأكاديمية والثقافية

حقّق عبدالرزاق الصاعدي جملة من الإنجازات التي ترسّخ مكانته كأحد روّاد اللغة العرب في السعودية. فعلى الصعيد الأكاديمي، بلغ درجة الأستاذية عام 1424هـ وهو دون الخامسة والأربعين من عمره، بفارق ثماني سنوات فقط عن نيل الدكتوراة، ما يعد إنجازًا استثنائيًا في جامعات المملكة. وقد أثنى عليه أساتذته وزملاؤه واصفين إيّاه بأنه من أسرع الأكاديميين ارتقاءً علميًا وأكثرهم عطاءً بحثيًا. تولّى الصاعدي مسؤوليات علمية بارزة، منها عميد كلية اللغة العربية (1429–1434هـ) ثم عميد الدراسات العليا مرتين (1425–1428هـ ثم 1434–1438هـ)، وصولًا إلى منصب وكيل الجامعة للدراسات العليا والبحث العلمي منذ 1438هـ. هذه المناصب مكنته من إطلاق مبادرات تطويرية في مناهج اللغة العربية ودعم مشاريع البحث اللغوي. أما ثقافيًا، فمن أبرز إنجازاته تأسيس مجمع اللغة العربية الافتراضي عام 2012، والذي غدا منصة فريدة تجمع خبراء اللغة والهواة تحت مظلة واحدة. نجح الصاعدي عبر هذا المجمع في إعادة الاعتبار لكثير من ألفاظ العربية المهملة وفي إثبات فصاحة ألفاظ عامية ظُنّ أنها دخيلة، وذلك من خلال مشروعه الريادي في رصد الفوائت المعجمية (الألفاظ التي لم تدوَّن في المعاجم القديمة). كما بادر المجمع الافتراضي تحت قيادته إلى تصويب أخطاء شائعة في المصطلحات الإدارية والإعلامية (مثل التنبيه إلى أن الصواب قول «بدل مفقود» لا «بدل فاقد»)، وإلى استحداث مصطلحات جديدة لخدمة اللغة (منها مصطلح «تهامة الحرمين» للدلالة على منطقة جغرافية معينة). ومن إنجازاته أيضًا إعداد معجم شامل للغويين السعوديين صدر عام 2024 ويوثق سير وإنتاج مئات الباحثين السعوديين في علوم اللغة – عملٌ مرجعي يدل على حرصه بتأريخ الحركة اللغوية محليًا. جدير بالذكر أن الصاعدي نال تقدير العديد من الجهات العلمية؛ فقد اختير عضوًا في هيئات استشارية ولجان تحكيم علمية، وحضر تكريمه ضمن مبادرة «علماء العربية» التي أبرزت مساهماته في خدمة لغة الضاد.


إسهاماته ومؤلفاته

أسهم د. عبدالرزاق الصاعدي في إثراء المكتبة العربية بعدد وافر من الكتب والدراسات في تخصصه. تنوعت مؤلفاته بين الكتب التأصيلية، وتحقيق المخطوطات، والمعاجم المتخصصة، والمقالات الأدبية. من أبرز أعماله المنشورة:

  • «تداخل الأصول اللغوية وأثره في بناء المعجم العربي» – دراسة في علم المعجم العربي، صدرت في مجلدين وتعد من أهم بحوثه الأكاديمية.

  • «فوائت المعاجم: الفوائت القطعية والفوائت الظنية» – معجم في مجلدين (صدر عام 2016) يجمع ألفاظًا عربية لم تذكرها المعاجم القديمة، قسّمها إلى فوائت قطعية ثابتة الأصل وفوائت ظنية محتملة.

  • «شبهة الوضع في شواهد ابن مالك الشعرية» – دراسة لغوية نقدية صدرت عام 2020 تناقش صحة بعض الشواهد الشعرية عند ابن مالك.

  • «معجم اللغويين السعوديين ونتاجهم البحثي 1319–1445هـ» – صدر عام 2024، يوثق تراجم الباحثين اللغويين السعوديين على مدى قرن ونصف.

  • «شهاب الدين الخفاجي وجهوده في اللغة» – بحث في سيرة عالم لغوي من القرن 17م (كان موضوع رسالة الماجستير).

  • «ألفاظ الجِنّ في اللغة العربية» – كتاب صدر عن المكتبة العصرية بجدة 1425هـ يتناول مفردات عالم الجن في اللغة.

  • «سرّ الزجاجة» – مجموعة مقالات في الأدب واللغة نُشرت في مجلة المنهل ثم جمعت في كتاب.

  • بالإضافة إلى تحقيقه لمخطوطات تراثية، منها: «معجم الروحة في الضاد والظاء» للجَرْباذقاني (حقق جزءًا منه)، و«المنهل المأهول في البناء للمجهول» لابن ظهيرة، و«كتاب الاعتقاب» لأبي تراب اللغوي، وغيرها من النصوص القديمة. وله أيضًا مجموعات مقالات لغوية في الصحف؛ فقد جمع بعضًا منها في كتاب «نفاضة الجراب»، وفي مدونته ركن بعنوان «حسو الطير»يضم مختارات من خواطره وتغريداته على مدى سنوات. هذا التنوع في الإسهامات بين البحث الأكاديمي الرصين والمقالة الصحفية الهادفة جعل إنتاج الصاعدي مرجعًا مهمًا للباحثين وملهِمًا لعامة المهتمين باللغة.


مقالاته البارزة والمثيرة للجدل

لم تخلُ مسيرة الصاعدي من آراء جريئة أثارت نقاشًا واسعًا بين اللغويين وفي وسائل الإعلام. من أشهر تلك الآراء مقالته «هل يصحُّ التفاضل بين اللغات؟» التي نشرها عام 2016، وفتح بها باب الجدل حول فكرة أفضلية لغة على أخرى. طرح الصاعدي في مقاله أسئلة محورية: هل حقًا تتميز لغة بأنها أعظم أو أكمل من غيرها، وإن صحّ ذلك فأية لغة هي الأفضل؟. انقسم المختصون تاريخيًا في الإجابة: فريق يرى العربية سيدة اللغات لغناها وعبقريتها، وفريق ينكر مبدأ التفاضل معتبرًا كل لغة كفؤة لمجتمعها، وفريق محايد يقول بالتفاضل نظريًا لكن يستحيل قياسه عمليًا لكثرة اللغات. رجّح الصاعدي إمكان التفاضل مستندًا لمنهج الاستقراء الناقص، ورأى أنه يكفي مقارنة اللغات العالمية الكبرى دون اشتراط الإلمام بكل لغات الأرض. وذهب إلى أن العربية الفصحى أرقى من لهجاتها العامية، ضاربًا المثل بأن نحو العامية وصرفها أبسط وأقل تقعيدًا فقال: نحو العامية وصرفها ركيكان. هذا الطرح قوبل بردٍّ حاد من بعض اللسانيين الحداثيين؛ إذ وصف د. حمزة المزيني المقال بأنه «أفضل مثال يُعلن به الجهل باللسانيات»، منتقدًا اعتماد الصاعدي على مراجع قديمة واستعماله مصطلحات تصنيفية متجاوزة. وأشار المزيني إلى أن العاميات العربية تشترك مع الفصحى بأكثر من ٨٠٪ من نحوها وصرفها، ولها أنظمة ثابتة كاللغات كافة، فلا يمكن لعالِم لغة وصفها بالركاكة أو الابتذال. هكذا تحوّل المقال إلى سجال علمي ساخن بين الصاعدي والمدرسة اللسانية الحديثة، مما أبرز اسم الصاعدي في الإعلام بوصفه مدافعًا عن تفوّق الفصحى من منظور تراثي.

جدل آخر ارتبط باسم عبدالرزاق الصاعدي يتعلق بمشروعه الرائد في جمع الفوائت المعجمية. فقد دعا الصاعدي منذ نحو عقدين إلى التفتيش فيما فات المعاجم القديمة من ألفاظ، خاصة مما بقي حيًا في لهجات العرب المعاصرة، واعتبر أن منها ما يصح اعتماده فصيحًا. قسّم الفوائت إلى نوعين: فوائت قطعية لها شواهد قديمة مؤكدة، وفوائت ظنية لا دليل قطعي عليها لكنها شائعة في اللهجات ويمكن استنباط أصولها قياسًا. استطاع عبر مشروع «الفوائت الظنية» رصد آلاف الكلمات الدارجة التي يحتمل فصاحتها، جامعًا ما يزيد على 4000 كلمة ظنيّة الفصاحة خلال 10 سنوات من البحث. وقد وضع معايير صارمة لقبول هذه الألفاظ في الفصحى، منها توافق البنية الصوتية والصرفية مع أقيسة كلام العرب زمن الفصاحة. على سبيل المثال، كلمة عاميّة كذا إن وافقت أوزان العرب وأصواتها اعتبرها فائتًا ظنيًا جديرًا بالإدراج المعجمي. حاز هذا الطرح على تأييد من يرى فيه إحياءً لمفردات أصيلة أغفلتها المعاجم، بل إن الصاعدي صرّح بأن مجمَعَهُ «أعاد الاعتبار للعديد من الألفاظ التي تجاهلتها المعاجم، وأثبت أن ألفاظًا وُصفت بالعامية هي من صميم الفصحى». لكن بالمقابل، ووجه المشروع بانتقادات حادة من بعض اللغويين المحافظين؛ فقد كتب د. فيصل المنصور مقالتين في 2019 بعنوان «نقد دعوى الفوائت الظنية» بيَّن فيهما زيف هذه الدعوى في رأيه، واصفًا إياها بأنها تفتقر للدليل العلمي وأن كثيرًا من تلك الكلمات لا تعدو كونها لهجات محلية لا ترقى للفصحى. ورغم هذا النقد، استمر الصاعدي في طرح أفكاره والرد عليها في مقالات صحفية وأبحاث محكّمة. نشر في صحيفة الجزيرة سلسلة مقالات يشرح فيها منهجية قبول الفوائت وظروف استعمالها، مثل مقالته «لفوائت المعاجم شروط» التي فصّل فيها شروط الحكم على الكلمات العامية بالفصاحة. وبهذا أثار الصاعدي حراكًا لغويًا مثمرًا حول قضية تحديث المعجم العربي، بين مؤيد يتطلع إلى معجم أكثر شمولًا، ومعارض يخشى اختلاط العامية بالفصحى. إجمالًا، نجحت مقالات الصاعدي الجدلية في لفت الأنظار إلى قضايا لغوية مهملة وإشعال نقاش علمي حولها، ما رسّخ حضوره الفكري في المشهد اللغوي.


حضوره الإعلامي

يتمتع د. الصاعدي بحضور إعلامي بارز جسّد من خلاله دور المتواصل مع الجمهور والمدافع عن اللغة عبر المنابر المختلفة. فعلى منصات التواصل الاجتماعي، يعد حسابه الشخصي على تويتر (@sa2626sa) مصدرًا ثريًا لعشاق العربية، يشاركهم فيه طَرائف لغوية وأسئلة تفاعلية حول مفردات ونحو وصرف، إلى جانب تغريداته العلمية. كما يدير حساب مجمع اللغة الافتراضي (@almajma3) الذي تجاوز عدد متابعيه عشرات الآلاف، ما جعل المجمع بمثابة منتدى لغوي يومي يطرح «كلمة اليوم» و«مسألة اليوم» ويستطلع آراء الجمهور حولها. لم يقتصر حضور الصاعدي على العالم الافتراضي، بل امتد إلى شاشات التلفاز والمحافل العامة. استضافته قنواتٌ عدة في برامج حوارية حول اللغة، منها ظهوره في برنامج «يا هلا» على قناة روتانا خليجية حيث قدّم تلخيصًا معرفيًا لـ«كتاب العين» للفراهيدي للجمهور الحديث. كذلك كان ضيفًا في برنامج «حوار الضاد» على قنوات عين التعليمية، متحدثًا عن علاقة اللغة باللهجات المحلية وتجربته في المجمع الافتراضي. وتم تداول مقاطع من تلك اللقاءات على نطاق واسع، حيث أثنى المشاهدون على أسلوبه السلس وعمقه في آن واحد.

ولا يغيب الصاعدي عن المؤتمرات والندوات المتخصصة؛ فكثيرًا ما يشارك في المؤتمرات اللغوية الوطنية والدولية متحدثًا أو معقّبًا. ألقت محاضراته في مناسبات كمركز الملك عبدالله الدولي لخدمة اللغة العربية وغيرها الضوء على قضايا مثل اللغة العربية والتقنية ودور المجمعات الإلكترونية. كما اختير في 2021 ضمن برنامج «علماء العربية» الذي يعرّف الجمهور بأعلام اللغة السعوديين، حيث ظهر في حلقة وثائقية تسرد مسيرته وإنجازاته. وإضافةً إلى ذلك، حظيت مداخلاته في الإذاعات والصحف بحضور لافت؛ فكثيرًا ما تستشهد الصحافة برأيه في مسائل لغوية راهنة. وعندما يدور نقاش لغوي على المنصات الرقمية، يُستضاف الصاعدي في مساحات حوار (Spaces) عبر تويتر ليستمع له المئات من المهتمين، كما حدث في مارس 2023 حين ناقش مشروع الفوائت بحضور تجاوز الألف من المثقفين والمتابعين. أما على الصعيد الشخصي، فقد أعلن الصاعدي تقاعده من عمله الجامعي في منتصف عام 2023، ليتفرغ لمشاريعه العلمية والفكرية. ورغم التقاعد الرسمي، لا يزال ظهوره الإعلامي متواصلًا وحضوره الذهني متقدًا؛ فهو يواصل رسالته في خدمة لغة الضاد عبر كل منصة متاحة، مستحقًا بذلك لقب "لغوي جماهيري" يقرّب العلم لعشّاقه أينما كانوا.


أبرز ما قاله في أحد لقاءاته الحوارية

في أحد اللقاءات الحوارية المميزة، استضاف "منتدى أسبوعية الدكتور عبدالمحسن القحطاني" بجدة البروفسور عبدالرزاق الصاعدي في حوار حول تجربته مع مجمع اللغة العربية الافتراضي. خلال هذا اللقاء كشف الصاعدي الكثير عن رؤيته وأفكاره بلغة مباشرة للجمهور. ومما قاله وأكده «أن اسم المجمع أكبر من جسمه»؛ موضحًا أن نشاط المجمع على تويتر ونتاجه اليومي يوحيان كأنه مؤسسة ضخمة، رغم أنه لا وجود له على الأرض سوى في الفضاء الإلكتروني. وقد اختار الصاعدي وصف "الافتراضي" عن قصد بعد تفكير بينه وبين مصطلح "الإلكتروني"، ليؤكد فكرة أن المجمع كيان مفتوح للجميع عبر الإنترنت. وتحدث عن بدايات تأسيس المجمع وكيف يقوم أساسًا على جهوده الشخصية كصاحب الفكرة، مشيرًا إلى حرصه على توسيعها وترسيخ دعائمها. واستطرد في الشرح أن للمجمع هيكلًا إداريًا: مجلس إدارة من 10 أعضاء، ومجلسًا استشاريًا يضم حوالي 300 عالم لغة من داخل المملكة وخارجها، أما العضوية فمتاحة لكل متابع للحساب، مما جعل عدد الأعضاء بالآلاف بفضل سهولة الانضمام عبر تويتر.

وتناول الصاعدي أهداف المجمع بالتفصيل، فذكر منها: نشر الوعي اللغوي بين الناس، تقريب اللغة الفصحى وتبسيطها، جمع اللهجات وتقريب الفجوة بينها وبين الفصحى، البحث في أصول الكلمات العربية وإحياء المهمل منها، وتعريب المصطلحات الحديثة لاسيما التقنية. ولتحقيق هذه الأهداف أوضح أن المجمع يعمل من خلال سبعة مجالات نشاط يومية وشهرية، تشمل: زاوية اللهجات الفصيحةلتعريف المتابعين بألفاظ لهجية ذات أصول فصحى، ومشروع الفوائت الظنية الذي يجمع الألفاظ غير المدوّنة، وركن كلمة اليوم الذي يعرّف بكلمة عربية يوميًا، ومسألة اليوم التي تطرح سؤالًا نحويًا أو صرفيًا تفاعليًا، وندوة الشهر التي يستضيف فيها متخصصين لمناقشة قضية معينة، وبرنامج تعريب المصطلحات الحديثة، وأخيرًا تقديم الخدمات اللغوية العامة للمجتمع كتدقيق النصائح والإجابة عن الاستفسارات. وأبرز الصاعدي مخرجات المجمع رغم عمره القصير آنذاك، إذ بلغ عدد القرارات اللغوية الصادرة عنه 15 قرارًا. ومن أهم تلك القرارات – كما ذكر – قرار تأييد دراسة اللهجات العربية المعاصرة أكاديميًا وعدم رفضها، وقرار تصويب بعض المصطلحات الدارجة الخاطئة، وكذلك قرار استحداث مصطلحات لخدمة اللغة. هذه الإنجازات أكد الصاعدي أنها بثت روحًا جديدة في العمل اللغوي ولفتت الأنظار لإمكانات العمل التطوعي عبر الإنترنت في خدمة العربية.

وخلال الحوار، وبعد فراغه من العرض، تلقى الصاعدي أسئلة وتعقيبات من الحضور، كان منها إشادة أحد الحاضرين بدور المجمع في إثبات فصاحة بعض اللهجات. وردّ الصاعدي مؤكدًا أن المجمع فعلاً «أعاد الاعتبار لعدد من الألفاظ التي تجاهلتها المعاجم، وأثبت أن ألفاظًا كانت توصف بالعامية هي فصيحة الأصل»، معتبرًا ذلك من أهم ما يفخر به في تجربته. كما اعترف بتواضع أن عمل المجمع ما زال في بداياته قياسًا بطموحاته الكبيرة، داعيًا المؤسات اللغوية الرسمية إلى الاستفادة من خلاصات المجمع وتوصياته. في ختام اللقاء، تلخّص حديث الصاعدي في رسالة واضحة: خدمة اللغة العربية مسؤولية جماعية يمكن لأي محبّ للعربية أن يساهم فيها عبر المنصات الحديثة. وقد أثنى مدير الجلسة (د. عائض القرني) على حماس الصاعدي وعدّه نموذجًا للعالِم المستنير الذي يمزج تراث الأمة بأدوات العصر. باختصار، شكّل هذا اللقاء صورة مصغرة لفكر الصاعدي ومشروعه؛ إذ ظهر فيه متمسكًا بجذور اللغة وأصالتها، وفي الوقت نفسه مجدِّدًا يوظّف التقنية والإعلام لنشر لغتنا وإحياء كنوزها، جاعلًا من التجربة الافتراضية واقعًا مؤثرًا في ثقافة اليوم.


المصادر: اعتمد إعداد هذا الملف على عدة مراجع منها حساب الدكتور عبدالرزاق الصاعدي في منصة X، موقع مجمع اللغة العربية الافتراضي، مدونة عبدالرزاق الصاعدي، مجلة الجامعة الإسلامية، جريدة الوطن، صحيفة عكاظ، جريدة الجزيرة، مدونة فيصل المنصور، لقاء مع برنامج ياهلا، لقاء مع قناة عين التعليمية.


bottom of page