الملف الأدبي: أحمد الهلالي
- أحمد المطلق

- 17 أكتوبر 2025
- 3 دقيقة قراءة

وُلد الدكتور أحمد بن سعيد الهلالي عام 1394هـ / 1974م في منطقة حالة عمار على الحدود السعودية الأردنية، حيث كان والده يعمل في حرس الحدود. نشأ في بيئة بسيطة من بيوت الصفيح والخيام بين الجنود وأبناء البادية. يقول عن تلك المرحلة:
كانت المنازل من الصفيح، وكنا نسكن مع رجال الحدود قرب المنفذ، والذكريات التي تباغتني من تلك الفترة تبدأ بمشهد الذئب الذي كان يربيه أحد الجيران في بيت شعر، كنت أذهب أنا وأختي لنراه بخوف، ثم نهرب ونحن نضحك.
انتقلت الأسرة إلى الليث ثم أضم، وهناك عاش طفولته القروية بكل تفاصيلها من رعي الغنم والإبل إلى حمل البندقية في الثانية عشرة من عمره، يقول مبتسمًا:
رعيت الغنم وصعدت الجبال، وكنت أحمل البندقية تقليدًا للكبار، نفعل ما يفعلون تمامًا.
كانت تلك التجارب البسيطة بداية وعيه الأول بالطبيعة، بالصمت، وبجمال الصحراء الذي تحول لاحقًا إلى نغمة شعرية راسخة في أعماله.
الهوية الأدبية والفكرية
تكوّنت الهوية الأدبية لأحمد الهلالي من مزيجٍ بين الواقع القروي القاسي وحلم المعرفة الذي لم يفارقه. وجد في الكلمات ملاذًا منذ الصفوف الأولى، فكان يتأمل أبيات الشعر في كتاب القواعد قبل أن يدرك معناها، ويقول:
كنت مغرمًا بكتاب القواعد لأنه يحوي شواهد شعرية لشعراء كبار، كنت أمر على كل بيت وأتلذذ بقراءته.
ومع غزو الكويت عام 1991م، كتب أولى قصائده متأثرًا بالشاعر خلف بن هذال، ويقول:
كنت أكتب القصائد في دفتر مدرسي صغير، وأتمنى لو أن ذلك الدفتر لم تأكله الغنم.
بدأ شاعراً شعبيًا، ثم انجذب إلى الفصحى حين اكتشف عمقها وقدرتها على احتواء تجربته. أولى قصائده الفصيحة عرضها على أستاذه الناقد الدكتور عبدالله المعطاني الذي شجعه ووجّهه نقديًا، ومنذ تلك اللحظة – كما يقول –
بدأتُ أتحول تدريجيًا إلى الفصحى، ومع الوقت صارت تسحبني إليها سحبًا.
يرى الهلالي أن الشعر الشعبي والفصيح وجهان لعملة واحدة، وأن الخلاف بينهما لغوي فقط، إذ يقول:
الصورة هي الصورة، والخيال هو الخيال، والبلاغة واحدة، الفرق فقط أن هذه وافقت قواعد اللغة وتلك خالفتها.
دوره في المشهد الأدبي والثقافي
يُعدّ الدكتور أحمد الهلالي من الأصوات الأدبية التي جمعت بين الشعر والنقد والتعليم. بعد حصوله على درجة الدكتوراه في الأدب من الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، عمل أستاذًا في جامعة الطائف، وتولى رئاسة قسم الإعلام، وأسهم في تأسيس جماعة فرقد الإبداعية داخل نادي الطائف الأدبي، الذي يقول عنه:
من خلال النادي انفتحت على الوسط الثقافي ورأيت كيف تُصنع الثقافة في الطائف، فكانت جماعة فرقد ثمرة لذلك الشغف.
ينتمي الهلالي إلى جيلٍ يرى أن الأدب الشعبي جزء أصيل من الثقافة الوطنية، فدعا إلى إدراجه في الدراسات الأكاديمية، مؤكدًا أن النظرة إليه تغيّرت بفضل الوعي الثقافي الجديد ودور وزارة الثقافة في توسيع مفهوم الأدب. يقول في هذا السياق:
لم تعد هناك فواصل صارمة بين اللغة واللهجة، وبدأت الجامعات تفتح أبوابها لقراءة الشعر الشعبي كما تفعل مع الفصيح.
كما يُعرف بحبه الكبير لمدينته الطائف، التي يقول عنها:
هي بستان الشعور، بعثٌ ونشور، فيها القلوب التي سرت شوقًا وغرقت في عيونها حبًا.
ويرى أن عشق أدباء الطائف لها ليس إلا انعكاسًا لسحرها الطبيعي والروحي، مضيفًا:
حين جئت إليها مجبرًا بالبداية، وجدت أن القرار تغيّر داخلي، فالطائف تسكنك قبل أن تسكنها.
إنجازاته
رحلته من العسكرية إلى الأكاديمية تُعدّ واحدة من أبرز قصص التحول في المشهد الثقافي السعودي. بدأ حياته جنديًا في شرطة جدة بعد أن التحق بدورة عسكرية قاسية. لكنه لم يتخلَّ عن حلمه القديم في التعليم. يروي قصة تحوله بقوله:
قال لي أحد الضباط ساخرًا: ما بقي إلا الأشكال هذه تدخل الجامعة! كانت جملة قاسية، لكنها صارت دافعًا لي حتى أثبت له العكس.
درس في جامعة الملك عبدالعزيز رغم دوامه الليلي، متنقلاً بين الزي العسكري ودفاتر المحاضرات. حصل على البكالوريوس ثم الماجستير فـ الدكتوراه، ليصبح أستاذًا للأدب والنقد ورئيسًا لقسم الإعلام بجامعة الطائف.
أصدر أربعة دواوين شعرية هي:
رفيف رئة – نادي الباحة الأدبي
أرق الظلال – نادي أبها الأدبي
الجمر ورد أسر – نادي الحدود الشمالية
قطرات صلبة – نادي الطائف الأدبي
كما حقق ديوان لقيط بن زرارة التميمي عبر المجلة العربية.
أصدر روايته سدرة المنتهى، التي يقول عنها:
الرواية كانت مساحة أوسع لبوحي، وجسراً بين الواقع والخيال، ناقشت فيها قضايا الإنسان العربي ومآزقه. وقد حظيت الرواية بإقبالٍ واسع في معرض جدة الدولي للكتاب كإحدى الروايات الأعلى مبيعًا في عام صدورها.
مقتطفات من رؤاه الأدبية والإعلامية
يقول عن العلاقة بين الشعر والنقد في ذاته:
الهمّ البحثي يجفف منابع الشعر أحيانًا، لكنه يفتح أمامي نوافذ جديدة للكتابة، فأجد في النقد ما يغذي القصيدة.
وعن المشهد الشعري السعودي يرى أنه في ذروة نضجه:
الشعراء السعوديون اليوم يقودون المشهد العربي، لأنهم ورثة القصيدة الأولى، ولديهم إحساس بأنهم امتدادٌ لشعراء الصحراء الأوائل.
أما عن الإعلام الجديد فيقول بلهجة الحريص:
الصورة تقدّمت على النص، لكن الكلمة ستبقى أصل المعنى. الخطر ليس في الصورة بل في التنازل عن اللغة.
سرد جزءاً من قصيدته (ملحمة القرن السعودي):
من عينِ أجدادي أراقبُ داري
فالأرضُ أرضي والمدارُ مداري
أمي فيافي نجدَ، والأحساءُ لي
وأبي الحجازُ، وفي الجنوبِ دياري
ومن الشَمالِ يهبُّ برقُ رحابتي
يسقي الجهاتِ صلابتي وسَمَاري
مختصر اللقاء
في اللقاءات التي قدمها الدكتور أحمد الهلالي سواء في برنامج أثر أو برنامج صنوان يروي سيرةً سعودية أصيلة، تبدأ من صحراء حالة عمار وتنتهي بين ورود الطائف.من راعٍ صغير يتأمل الذئب في بيت الشعر إلى أستاذ جامعيٍّ يلقي قصيدته على شاشات التلفاز. من دفترٍ مدرسيٍّ ضاع بين الغنم إلى دواوين تُدرَّس في الندوات.
.png)



تعليقات