الملف الأدبي: ابتسام المقرن
- أحمد المطلق

- 9 نوفمبر 2025
- 9 دقيقة قراءة
تاريخ التحديث: 10 نوفمبر 2025

ابتسام المقرن كاتبة وناقدة سعودية وُلدت في مدينة الرياض، ثم انتقلت في طفولتها مع أسرتها إلى مدينة الخفجي شمال شرق المملكة بسبب عمل والدها، حيث أمضت هناك ستة عشر عامًا أنهت خلالها مراحل دراستها المدرسية. وقد أثّر هذا الانتقال في نشأتها بشكل ملحوظ، مما أتاح لها صداقات متعددة الخلفيات والمذاهب منذ سن مبكرة. عاشت فيها تنوّعًا ثقافيًا واجتماعيًا انعكس على شخصيتها المنفتحة وتكيفها مع مختلف البيئات والأشخاص. واصلت ابتسام المقرن تعليمها الجامعي بدخولها كلية العلوم وتخصصها في مجال النبات والأحياء الدقيقة. وعلى الرغم من توجهها العلمي، لم يحد ذلك من شغفها بالأدب والثقافة. فقد عُرفت بحبها المبكر للقراءة والكتابة منذ الصغر، إذ تعلمت القراءة والكتابة في سنٍّ مبكرة وكانت تشارك والدتها مطالعة الصحف اليومية. أما في المرحلة الجامعية فقد استثمرت أوقات فراغها بشغف في مكتبة الجامعة بعد انتهاء المحاضرات، فنَمَت معرفتها عبر قراءة السير الذاتية للأدباء الكبار والاطلاع على روايات عالمية خالدة ومؤلفات فكرية مهمة. وقد ساهم ذلك في تكوين قاعدة ثقافية واسعة لديها جمعت بين التخصص العلمي والفهم الأدبي. على الصعيد المهني، عملت ابتسام في المجال الأكاديمي والبحثي؛ حيث ارتبط اسمها بجامعة الملك سعود في الرياض، إلى جانب نشاطها الكتابي في الصحافة الثقافية.
الهوية الأدبية والفنية
تميّزت ابتسام المقرن بهوية أدبية فريدة تمزج بين ثقافة علمية رصينة وميول إبداعية نقدية. فهي قارئة نهمة في مختلف حقول المعرفة، تلتهم الكتب بأنواعها من روايات وقصص وشعر ومقالات فكرية. صقل هذا النهم شخصيتها ككاتبة تنقل رؤيتها النقدية للقارئ بلغة سلسة وتحليل عميق. يصفها البعض بأنها صاحبة صوت أدبي هادئ وواثق، يتجلى في مقالاتها وأطروحاتها النقدية توازنٌ بين العقلانية والتعبير العاطفي. تكتب المقرن مقالات نقدية وأدبية تتناول الأعمال الروائية والظواهر الثقافية بأسلوب يجمع بين الرصانة الأكاديمية واللمسة التأملية الشخصية، مما جعل كتاباتها قريبة من القارئ وغير متكلفة رغم عمقها الفكري.
تركز ابتسام في كتاباتها على موضوعات ثقافية متنوعة، فهي تكتب عن تجارب القراءة وقضايا الأدب المعاصر، وتحلل مضامين الروايات العالمية والمحلية، كما تتناول بين الحين والآخر جوانب من الواقع الاجتماعي عبر رؤية نقدية. يظهر في طرحها تأثرها بخلفيتها العلمية من حيث منهجية التفكير والتنظيم، لكنها في الوقت ذاته مشبعة بحس إنساني وفني رقيق اكتسبته من انكبابها منذ الصغر على روائع الأدب العربي والعالمي. لا تنتمي المقرن إلى مدرسة أدبية محددة أو تيار فكري ضيق؛ بل تنزع إلى الانفتاح على مختلف الاتجاهات، ففكرها أقرب إلى التعددية الثقافية وحب التعلم المستمر. وقد صرحت عن نفسها بأنها "تحب أن تتعلم كل يوم شيئًا جديدًا"—وهذا الشغف بالمعرفة بات سمة أساسية لهويتها الإبداعية. وبذلك يمكن القول إن ابتسام المقرن تمثل جيلًا جديدًا من الكاتبات السعوديات المثقفات اللواتي يجمعن بين التخصص العلمي والاهتمام الأدبي، ويقدمن رؤية نقدية متوازنة ومنفتحة على كل ما هو إنساني وثقافي.
دورها في المشهد الأدبي والثقافي
تحتل ابتسام المقرن موقعًا بارزًا بين الأدباء والكاتبات الشباب في المملكة العربية السعودية، ويظهر دورها جليًا من خلال إسهاماتها المتعددة في المشهد الثقافي المحلي. فهي كاتبة مقالات ثابتة في الصحافة السعودية؛ نشرت العديد من قراءاتها النقدية في صحف ومطبوعات معروفة مثل جريدة شمس وجريدة الرياض، حيث تناولت بالإبداع والتحليل أعمالًا أدبية مهمة محليًا وعالميًا، مما رسّخ حضورها كصوت نقدي موثوق ومتميز. كما تُعتبر ابتسام من الأسماء النشطة في المشهد الثقافي الرقمي، إذ شاركت بكتاباتها في منصات إلكترونية رفيعة مثل منصة ثمانية الإعلامية، حيث نُشرت لها مقالات في نشرة "إلخ" الثقافية الشهيرة. هذه المشاركات عززت تواصلها مع شريحة واسعة من القراء في العالم العربي وأكسبتها بعدًا خليجيًاأوسع يتجاوز حدود المملكة.
علاوة على الكتابة، تشارك المقرن في ندوات وفعاليات أدبية افتراضية ومحلية تتناول قضايا السرد والنقد. على سبيل المثال، ظهرت في إحدى الأمسيات الأدبية لتناقش تحديات السرد بضمير المتكلم في الرواية، وقدّمت رؤيتها أمام جمهور من المهتمين، مما أبرز مكانتها كمثقفة قادرة على الخوض في نقاشات نقدية متخصصة. وإلى جانب ذلك، لها حضور في الأنشطة الثقافية الجماهيرية مثل معارض الكتاب والملتقيات الأدبية؛ فهي تواظب على متابعة معرض الرياض الدولي للكتاب وحضور الفعاليات الثقافية، ودائمًا ما تعبّر عن رأيها حيالها سواء عبر كتاباتها الصحافية أو منشوراتها على شبكات التواصل. يُذكر أيضًا أن ابتسام المقرن تولي اهتمامًا خاصًا بتشجيع عادة القراءة الجماعية والشعبية، حيث أسست مع آخرين مجموعات للقراءة المشتركة على منصات التواصل، تدعو من خلالها الأصدقاء والمتابعين إلى قراءة كتاب معين شهريًا ومناقشته. هذا الدور التفاعلي جعل منها جسرًا بين المثقف والجمهور وساهم في تنشيط حركة القراءة والحوار حول الكتاب في المجتمع.
وفي مجال الإعلام المرئي، حلّت المقرن ضيفة في بعض البرامج الثقافية والتلفزيونية للحديث عن قضايا ثقافية واجتماعية. فمثلاً ظهرت في برنامج حواري ناقش موضوع العمل التطوعي والشباب، وقدّمت وجهة نظرها النقدية بشأن استثمار طاقات المتطوعين، ما أظهر جانبًا آخر من اهتمامها بالشأن الاجتماعي العام. بذلك تشكل ابتسام المقرن نموذجًا للكاتبة المثقفة الشمولية: فهي ناقدة أدبية، وصحافية ثقافية، وناشطة في مجال تعزيز القراءة، ومشاركة بصوتها في الحوارات الفكرية والاجتماعية.
إنجازاتها
رغم أن ابتسام المقرن لم تصدر (حتى الآن) مؤلفات روائية أو كتبًا مستقلة تحمل اسمها، إلا أن إنجازاتها في الساحة الأدبية تتجلى عبر مجموعة ثرية من الأعمال والمساهمات المنشورة التي تركت أثرًا واضحًا. فهي أوّلًا كاتبة مقالات ثقافية وأدبية بارزة، حيث نشرت عشرات المقالات في الصحف والمجلات السعودية والعربية. من أبرز أعمالها المنشورة سلسلة مقالات نقدية في جريدة شمس تناولت قضايا الكتب والقراءة بين الماضي والحاضر، وقد لاقت تلك المقالات استحسانًا لدى القراء والنقاد لما تضمنته من رؤى جديدة وطريقة عرض مشوقة. كذلك قدمت عبر جريدة الرياض قراءات معمّقة في روايات مهمة – على سبيل المثال كتبت عن رواية "النباتية" للكاتبة الكورية هان كانغ، ورواية "ج" لعبدالله الزماي، إضافة إلى معالجاتها النقدية لروايات سعودية وعربية أخرى. اتسمت مقالاتها بالعمق والموضوعية، ما جعل بعض دور النشر والصحف تستعين بها لكتابة المراجعات الأدبية المهمة.
إلى جانب الصحافة التقليدية، كان لابتسام إسهام في الصحافة الرقمية الحديثة، إذ شاركت بانتظام في نشرة ثمانية الثقافية (إلخ). نشرت ضمنها مقالات لافتة مثل مقال بعنوان "الفتاة التي ابتسمت خرزًا" حيث تطرقت فيه إلى تجربة إنسانية خاصة بلغة أدبية عذبة وتحليل تأملي، ومقال آخر بعنوان "هجمة واعدة: كيف تغيّرنا المدينة؟" مزجت فيه بين نقد رواية سعودية تتناول كرة القدم وتأملات في تحولات المدينة والمجتمع. هذه الأعمال عززت حضورها ككاتبة مواكبة لمستجدات الساحة الأدبية وقادرة على جذب القارئ الحديث.
ماذا قالت في اللقاءات
ظهرت ابتسام المقرن في برامج إعلامية تناولت قضايا الكتاب والقراءة، وأسهمت في حملات تثقيفية تشجّع الشباب على المطالعة والإبداع الكتابي. ومن إنجازاتها الجديرة بالذكر مبادرتها في اقتراح تفعيل مهرجانات وورش للكتابة الإبداعية في الأندية الأدبية والمدارس، إيمانًا منها بأهمية صقل موهبة الكتابة منذ الصغر. هذه الجهود والمشاركات كلها تشكّل إنجازات تفتخر بها ابتسام المقرن، وتُبرزها كإحدى الوجوه الثقافية النشطة في المملكة. في لقاءاتها الإعلامية وتصريحاتها الصحافية، أطلقت ابتسام المقرن العديد من الأفكار والرؤى التي تعكس منهجها في التفكير الأدبي ونظرتها للثقافة والمجتمع. فيما يلي بعض من أبرز أقوالها الموثقة وسياقاتها:
في حوار معها ضمن مجلة "أحوال المعرفة" الصادرة عن مكتبة الملك عبدالعزيز، تحدثت ابتسام عن بداياتها مع عالم الكتب قائلة: "بدأتُ القراءة بالمنفلوطي والرافعي والطنطاوي، ووصلتُ إلى الروايات العظيمة وكتاب (قصة الحضارة)." بهذه العبارة أوضحت كيف نهلت في مقتبل عمرها من الأدب العربي الكلاسيكي (مصطفى لطفي المنفلوطي وأحمد الرافعي وعلي الطنطاوي) قبل أن تتدرج إلى روائع الأدب العالمي والموسوعات التاريخية الكبيرة مثل كتاب ول ديورانت. هذا المسار القرائي المبكر صقل ذائقتها وفتح لها آفاقًا واسعة من المعرفة. وفي السياق نفسه، عندما سُئلت عن تأثير تخصصها العلمي على اهتماماتها الأدبية، أجابت بوضوح: "بالنسبة لي، أجد العكس. مجال دراستي كان علميًا، وكنتُ أميل للقراءة في المجالات الثقافية والأدبية بجميع أشكالها: القصة، والرواية، والشعر، والخاطرة...". بهذا التصريح أكدت أن التخصص العلمي لم يكن حاجزًا أمام شغفها الأدبي، بل على النقيض من ذلك، ترى أن القراءة العامة أضافت لعلمها عمقًا ثقافيًا وساعدتها على تنظيم الأفكار والتوسع في المدارك.
برزت للمقرن آراء مهمة حول تنمية المواهب الأدبية لدى الشباب وضرورة تحويل القراءة والكتابة إلى نشاط مجتمعي واسع. في حديث صحافي مع جريدة الحياة حول مسابقة عالمية لكتابة الرواية، اقترحت ابتسام خطوات عملية لتعزيز المشهد الإبداعي، فقالت: "أقترحُ تفعيل مهرجانات كتابية مشابهة عبر الأندية الأدبية." وأضافت مؤكدة: "يجب أن يبدأ مران الكتابة منذ المرحلة المدرسية، بحيث يُقام مهرجان شهري للكتابة في المدارس لصقل موهبة الطلاب." تعكس هذه الكلمات إيمانها العميق بأن الكتابة الإبداعية مهارة تحتاج إلى تدريب ورعاية مبكرة، وبأن المؤسسات الثقافية والتعليمية ينبغي أن تتكاتف لاكتشاف الكتّاب الناشئين وتمهيد الطريق أمامهم عبر فعاليات ومسابقات منتظمة.
خلال إحدى الندوات الأدبية التي تناولت أساليب السرد الروائي، شاركت ابتسام المقرن بمداخلة كشفت عن حسها النقدي التحليلي. فقد ركزت حديثها آنذاك على تحديات السرد بضمير المتكلم، مشيرة إلى أن هذا الأسلوب قد يُساء فهمه أحيانًا. قالت في معرض النقاش: "السرد بضمير المتكلم ربما يشكّل عبئًا من ناحية النقاد والقرّاء، إذ قد يخلط بعضهم بين صوت الراوي الذاتي وشخص الكاتب." بهذا الطرح سلطت الضوء على معضلة نقدية يواجهها الأدباء؛ فحين يكتب الروائي بلسان "أنا المتكلم" يتوهم البعض أنه يعبّر عن تجاربه أو آرائه الخاصة، مما قد يحمّل النص أكثر مما يحتمل ويقيّده بتصورات مسبقة عن المؤلف. أظهر هذا التعليق وعي المقرن العميق بتقنيات الكتابة وطرق تلقّيها من الجمهور والنقاد على حد سواء.
لم تخلُ لقاءات ابتسام المقرن من إشاراتها إلى قضايا ثقافية عامة ومنظورها حول حال المشهد القرائي في المجتمع. ففي مقابلة معها حول دور الأندية القرائية واندفاع القراء الشباب، أكدت على أن القراءة أسلوب حياة أكثر منها هواية مؤقتة، وأنها شخصيًا ترى في انتشار أندية القراءة ظاهرة إيجابية تجذب النخب الثقافية وتكوّن بيئة حوارية ثرية. كما شددت في حديث آخر على أن المرأة السعودية المثقفةأصبحت لاعبًا أساسيًا في الحراك الثقافي، مستدلةً بتجارب كاتبات سعوديات أثبتن حضورهن محليًا ودوليًا. وتعود المقرن للتأكيد مرارًا في لقاءاتها على فكرتهـا المحوريـة بأن التخصص الدراسي أو المهني لا يجب أن يحدّ أفق الإنسان الثقافي: فقد أوصت الشباب الجامعي بألّا يحصروا أنفسهم في مجالهم الضيق، بل أن ينفتحوا على الأدب والفن كي تتكامل شخصياتهم ومعارفهم.
هذه المقتطفات من أقوال ابتسام المقرن تكشف لنا ملامح فكرها ومنهجها: شغف بالقراءة منذ الطفولة، وإيمان بدور المعرفة في صياغة العقل، وحرص على صناعة جيل جديد من الكتّاب، ونقد بناء لظواهر الكتابة والقراءة في آنٍ معًا.
كتاباتها في تويتر
تنشط ابتسام المقرن على منصة X (تويتر سابقًا) بشكل لافت، حيث تحولت حساباتها إلى نافذة تعبّر فيها عن خواطرها الأدبية وتأملاتها الثقافية وتفاعلها مع الأحداث الأدبية الآنية. تمتاز كتاباتها على تويتر بالعفوية والعمق في آن واحد، فكثيرًا ما تخلط بين نقد الكتب والشذرات الأدبية القصيرة، مما يجعل متابعتها ثرية لمحبي الأدب والفكر. فيما يلي عرض لأبرز ملامح محتواها على هذه المنصة وبعض الأمثلة النصّية عليها:
تأملات أدبية وشعرية الطابع: تنشر المقرن تغريدات تتسم بنَفَس أدبي وتأملي، تلتقط فيها لحظات القراءة وتمنحها بعدًا شاعريًا. على سبيل المثال كتبت ذات يوم واصفةً مشهد قارئ في مكتبة: "ماذا تفعل النافذة في المكتبة؟ تمارس ما لا تُجيده الكتب: المراقبة بصمت. ترى القارئ وهو يعيد قراءة نفس السطر عشر مرّات...". في هذه التغريدة جعلت من نافذة المكتبة راصدًا صامتًا لحالة إنسانية يمرّ بها كل قارئ شغوف، في تصوير بديع يلامس وجدان القراء وينقل إحساس التماهي مع الكتاب. مثل هذه الخواطر القصيرة تعكس قدرتها على اقتناص التفاصيل اليومية وصياغتها بلغة مجازية جذابة ضمن حدود الـ280 حرفًا.
مشاركة رحلتها القرائية الشخصية: تحرص ابتسام على إشراك متابعيها في مراحل رحلتها مع الكتب، فتعلن عن خططها القرائية وتتبادل الآراء حولها. فمن منشوراتها التي لاقت تفاعلًا واسعًا قولها ذات مرة بحماس: "أظن أنني وصلت أخيرًا إلى عتبة فوكنر! أربع روايات تنتظرني على الرف: (الرجل العجوز)، (القرية)، (الصخب والعنف)، و(أبشالوم، أبشالوم!)." يظهر من هذه التغريدة شغفها الدائم باقتحام عوالم أدبية جديدة، وهنا تحديدًا استعدادها لبدء مغامرة مع أعمال الكاتب الأمريكي العظيم وليام فوكنر. مثل هذه المشاركات تجعل قرّاءها يتابعون تطورها المعرفي وخطواتها المقبلة، وربما يتحمسون للقراءة معها في الوقت ذاته.
التفاعل مع الأحداث والجوائز الأدبية: كثيرًا ما تعلّق المقرن على المستجدات الثقافية وجوائز الأدب العالمية بقلم لا يخلو من الطرافة والعمق. فعندما أُعلنت جائزة نوبل للآداب لعام 2025 على سبيل المثال، ولاحظت ابتسام غياب الجدل المعتاد حولها، غرّدت مازحةً: "جائزة نوبل للآداب 2025 لم تجد الاعتراضات المعتادة هذا العام؛ هل أنتم بخير؟ اعتدنا على الانتقادات والاحتجاجات كل سنة!". هذا التعليق الساخر أظهر جانبًا ظريفًا من أسلوبها، إذ أشارت إلى حالة الترقب والاعتراض التي تصاحب الجائزة كل عام وكأنها تفتقدها هذا العام. وفي تغريدة أخرى عبّرت عن بهجتها بفوز إحدى الروايات العربية بجائزة مرموقة قائلة: "لا غرابة أن تفوز هذه القصص بجائزة الشارقة للإبداع العربي، فهي فعلًا تستحق. كُتبت بذكاء وبأسلوب متفرّد رغم أنها العمل الأول لكاتبتها." مما يدل على متابعتها للأقلام الصاعدة وحرصها على تثمين الإبداع حين تراه جديرًا.
الدعوة إلى القراءة الجماعية: تستخدم المقرن منصة تويتر أيضًا لتنظيم أنشطة قرائية تفاعلية مع جمهورها. فقد أطلقت عدة مبادرات تحت وسم #أصدقاء_القراءة_الجماعية، حيث تدعو متابعيها لقراءة كتاب محدد خلال فترة معينة ثم مناقشته. من نماذج ذلك تغريدتها: "كتابنا القادم للنقاش هو ثلاثية أغوتا كريستوف: (الدفتر الكبير، البرهان، الكذبة الثالثة)..."، موفرة بهذا دعوة مفتوحة لجمهور القراءة كي ينضموا إليها في رحلة أدبية جماعية. لاقت هذه المبادرات صدى مميز بين رواد تويتر من محبي الكتب، وأسست لحالة من الحراك الثقافي الافتراضي الذي يجمع القراء على هدف واحد. دورها هذا أشبه بمنسق نادي كتاب رقمي، يثري التجربة القرائية الفردية عبر الحوار الجماعي.
باختصار، تعكس كتابات ابتسام المقرن في تويتر شخصية الكاتبة المثقفة المتفاعلة مع محيطها لحظيًا: فهي قارئة تنقل انطباعاتها بشفافية، وناقدة تعلق على الأحداث بثقة وخفة ظل، ومثقفة تخلق جسورًا بين الكتاب والقراء عبر فضاء الإنترنت. وبفضل هذا التواجد الحيوي، نجحت في تكوين مجتمع صغير من المهتمين حولها، يتابعون ما تطرحه ويتفاعلون معه، مما يعزّز رسالتها في جعل الأدب جزءًا حيًا من حياة الناس اليومية.
في ختام هذا الملف الأدبي عن ابتسام المقرن، تتضح لنا صورة كاتبة مثقفة تحمل رؤية متكاملة تجمع بين العلم والأدب. عبّرت المقرن في لقاءاتها المختلفة عن جملة من الأفكار المفتاحية التي تُبرز ملامح شخصيتها ورسالتها الثقافية. فهي تؤمن بأن القراءة هي ركيزة أساسية لتطور الفرد، وقد أكدت ذلك من خلال سرد تجربتها الذاتية: بدءًا من قراءاتها الأولى في أدب المنفلوطي والرافعي وصولاً إلى انفتاحها على كنوز الفكر الإنساني عالميًا. كما شددت على أن الانخراط في العلوم لم يكن يومًا نقيضًا للانشغال بالأدب؛ فالثقافة بنظرها بحر واسع يمكن للمرء أن يغترف منه مهما كان تخصصه، بل إن التنوع المعرفي يثري الشخصية ويجعل نظرتها للعالم أكثر شمولية ووعيًا. إلى جانب ذلك، حملت كلماتها في اللقاءات دعوة صريحة إلى تبنّي نهج تربوي وثقافي يشجع الإبداع من المهد. فقد دعت إلى اكتشاف ورعاية المواهب الأدبية منذ المراحل المدرسية عبر مهرجانات وورش منتظمة، مما يعكس إيمانها بجيل جديد قادر على حمل مشعل الأدب إذا توافرت له البيئة المناسبة. وتجلت إنسانية ابتسام المقرن وحرصها على جوهر الأدب في نقدها البناء لبعض الظواهر؛ فهي تنبّه إلى ضرورة الفصل بين الكاتب الحقيقي وصوت الراوي في العمل الأدبي، داعيةً القراء والنقاد إلى قراءة النص بموضوعية بعيدًا عن الأحكام المسبقة. وكذلك لم تغفل عن نقد مظاهر الركود أو السطحية إن وجدت، بل تناولتها بذكاء وأسلوب راقٍ، إيمانًا منها بأن الثقافة حوار مستمر يرتقي بالأمم والمجتمعات.
وخلاصة القول، إن ابتسام المقرن قدّمت عبر مسيرتها الإعلامية والصحافية صوتًا صادقًا ومعبرًا عن جيل المثقفين السعوديين الجدد. يجمع هذا الصوت بين أصالة الجذور المعرفية وجرأة الحداثة الفكرية، وينطلق من تجربة شخصية ملهمة تشجع الآخرين على أن يصنعوا تجاربهم الخاصة في القراءة والكتابة. ما ورد في لقاءاتها وحواراتها يلخّص رؤيتها بأن الكتاب هو الصديق الأوفى في رحلة الحياة، وأن الكلمة المسؤولة قادرة على التغيير والبناء. إنها رسالة تحملها ابتسام المقرن أينما حلت: بالعلم والقلم معًا نصنع مستقبلًا أكثر إشراقًا ووعيًا.
.png)



تعليقات