top of page

الملف الأدبي: خالد الحقيل


خالد الحقيل روائي سعودي تخصص في أدب الخيال العلمي، ويُعَدّ أحد أوائل الكتّاب السعوديين في هذا الميدان. لاقت أعماله الروائية قبولًا واسعًا لدى القرّاء، إذ استطاعت سلسلته «سعوديات» أن تنقل المتلقي إلى عوالم جديدة بعيدة عن الواقع. تمتاز كتاباته بمزج الرؤى المستقبلية والتقنيات العلمية المتقدمة بحسّ محلي سعودي، حيث يُبرِز الهوية الوطنية والثقافة المحلية ضمن إطار الخيال العلمي العالمي . بهذا برز الحقيل كصوتٍ ريادي يُثري أدب الخيال العلمي العربي برؤى محلية وإبداع متفرّد.

وُلِد خالد بن عبدالكريم الحقيل في مدينة الرياض عام 1978م، ونشأ في عائلة عُرفت باهتمامها بالأدب؛ فجده الشيخ حمد الحقيل كان مؤرخًا وكاتبًا شهيرًا، ووالده كاتب ومؤرخ ذو أعمال عديدة. حاز الحقيل درجة البكالوريوس في العلوم السياسية ثم درجة الماجستير في إدارة الأعمال. عمل في مجال الصحافة والإعلام منذ عام 2003م حتى 2008م، ثم التحق بالعمل الحكومي عام 2008م إلى جانب نشاطه الأدبي. انضمّ إلى نادي الرياض الأدبي عام 2011م، مما يعكس انخراطه المبكر في الوسط الثقافي والأدبي.



الهوية الأدبية والأسلوب الفني

تشكل أعمال خالد الحقيل مزيجًا فريدًا من الخيال العلمي والتجربة السعودية المحلية. أطلق الحقيل أول سلسلة روايات خيال علمي سعودية تحت اسم «سعوديات» عام 2008م، بهدف استكشاف المستقبل والعوالم الافتراضية من منظور سعودي. تتناول رواياته ابتكارات تقنية وافتراضات علمية متنوعة – من الذكاء الاصطناعي والتلاعب الجيني إلى أنظمة السيطرة العقلية – مستشرفةً تأثير هذه التقنيات على المجتمع والبشر. وفي الوقت نفسه، تظل موضوعات رواياته متجذرة في الواقع المحلي، حيث تعالج قضايا الأمن الوطني والهوية والانتماء، وتُبرز التطور العلمي في المملكة ضمن حبكة شيّقة تجمع بين المجهول العلمي والبيئة السعودية. على سبيل المثال، يصوّر الحقيل في سلسلته غزوًا فضائيًا يستهدف السعودية تحديدًا باستخدام تقنيات سيطرة على العقول في رواية «المنشق» (2008م)، ويطرح وجود مخلوقات متقدمة تعيش تحت الأرض في «الشُبهاء» (2010م)، كما يتخيّل السفر عبر الزمن واختراق الزمن في رواية «فارس» (2009م) .


يعتمد أسلوب الحقيل السردي على إيقاع سريع وأحداث متلاحقة تمنح القارئ تجربة بصرية سينمائية مشوّقة، مع تركيز أقل على الوصف المطوّل للشخصيات. لغته السردية واضحة وبسيطة تمزج بين الفصحى والحوار باللهجة السعودية المحكية في بعض المواضع، مما يُكسب السرد طابعًا محليًا حيويًا ويُقرّب الخيال العلمي من الواقع اليومي. ولمزيد من الإيضاح، يرفق الحقيل في نهاية كل رواية قائمة بالمصطلحات العلمية الواردة في النص، لتسهيل فهم القارئ غير المتخصص. كل هذه السمات تجعل من أعماله تجربة أدبية تمزج بين التخييل العلمي الجامح والروح الثقافية السعودية المميزة.



دوره في المشهد الأدبي والثقافي

أسهم خالد الحقيل في إثراء المشهد الثقافي السعودي من خلال ريادته في جنس أدبي نادر محليًا. فهو من الرواد الذين وضعوا حجر الأساس لفن الرواية العلمية في المملكة، واستطاع عبر سلسلة «سعوديات» جذب القراء إلى هذا اللون الأدبي وإثارة فضولهم تجاه عوالم الخيال العلمي. لم يقتصر دور الحقيل على الكتابة فحسب، بل تعدّاه إلى تنشيط الحركة الثقافية المتصلة بهذا المجال؛ فقد أدار أول ورشة للخيال العلمي في السعودية بمدينة الرياض (مكتبة الملك فهد الوطنية) عبر منصة بيت الرواية، حيث ناقش جذور الخيال العلمي وأصوله التراثية. كذلك شارك الحقيل في مؤتمرات وفعاليات أدبية دولية، من بينها أحد أكبر مؤتمرات الخيال العلمي عالميًا الذي أُقيم في جدة برعاية وزارة الثقافة السعودية، مبديًا حضوره كممثل للأدب السعودي الحديث في المحافل العالمية.


عُرف عن الحقيل تواصله الإيجابي مع القرّاء عبر وسائل التواصل الاجتماعي والمنابر الثقافية، حيث يشارك أفكاره ويستمع لآراء جمهوره من هواة الخيال العلمي. ولم يغفل عن دور المؤسسات الأكاديمية في دعم هذا اللون الأدبي؛ إذ ناشد عبر إحدى حواراته بضرورة الاهتمام بأدب الخيال العلمي عربيًا، وتدريسه في الجامعات وإفراد دراسات عليا (ماجستير ودكتوراه) لبحث قضاياه. كما أن للحقيل العديد من المقالات الصحفية المنشورة في الشأنين السياسي والاجتماعي، مما يدل على وعيه الثقافي المتنوع. هذا الحضور المتكامل بين الإنتاج الروائي والنشاط الثقافي جعل من خالد الحقيل أحد أبرز المساهمين في ترسيخ أدب الخيال العلمي في الذاكرة السعودية الحديثة.


الإنجازات الأدبية والإصدارات

على مدى قرابة عقدين من الزمن، قدّم خالد الحقيل عدّة أعمال بارزة أثرت الخيال العلمي السعودي والعربي. صدر للحقيل حتى الآن خمس روايات ضمن سلسلة «سعوديات» العلمية، شكّلت في مجملها أول سلسلة خيال علمي متكاملة في الأدب السعودي . افتتح السلسلة بروايته «المنشق وقصص أخرى» (2008م)، والتي تُعدّ أولى روايات الخيال العلمي السعودي ، تبعها رواية «فارس» (2009م)، ثم «الشُبهاء» (2010م) وهي أعمال جسّدت اندماج الخيال العلمي مع بيئة وثقافة المملكة. لاحقًا، أصدر رواية «مهمة في بوشهر» (2018م) التي عالجت توترات إقليمية وخيالًا علميًا مرتبطًا بالصراعات في منطقة الخليج .



وفي عام 2025م عاد الحقيل بعد توقّف سنوات ليصدر الجزء الخامس من السلسلة بعنوان «عودة الشر»، وهي رواية تدور أحداثها في مدينة نيوم السعودية المستقبلية، عاكسًا من خلالها رؤية طموحة لمستقبل المملكة ضمن إطار خيالي علمي. تجدر الإشارة إلى أن بعض روايات الحقيل حظيت بإعادة طبع وانتشار، كما حازت اهتمام النقاد في الصحافة الثقافية المحلية ، وإن لم ترتبط حتى الآن بجوائز أدبية معروفة. مع ذلك، فإن تأثيره يبدو جليًا في كون تجربته مهدت الطريق لكتاب آخرين كي يطرقوا باب الخيال العلمي، وأثبتت أن الأدب السعودي قادر على مواكبة الأنماط الحديثة وطرح رؤى مستقبلية تحمل بصمة ثقافية عربية خاصة.



حضوره الإعلامي

في حواراته الإعلامية المختلفة، عبّر خالد الحقيل عن رؤيته الفكرية وأفصح عن شغفه برسالة الخيال العلمي. أكد مرارًا على البعد الوطني في إبداعه، مصرحًا في أحد اللقاءات بأن «حب الوطن هو القاسم المشترك بين أبطال جميع رواياتي»، مما يعكس حرصه على غرس قيم الانتماء في قلب المغامرات التخيلية. ويرى الحقيل أن الشرق الأوسط قادر على أن يكون قاطرة للخيال العلمي عالميًا؛ إذ قال بثقة: «أعتقد أنه جاء الدور الآن على الشرق الأوسط ليثبت للعالم أجمع أنه قادر، بل سيكون الأقدر، على رسم خارطة الخيال العلمي الجديدة برؤية عربية هذه المرة وتحت سماء عربية، بل سعودية بإذن الله». هذا التصور ينطلق من إيمانه بتفرّد الثقافة العربية وإمكاناتها في إثراء الخيال العلمي العالمي.


لم يتردد الحقيل أيضًا في نقد الواقع النقدي للأدب العلمي عربيًا، حيث وجّه انتقادًا صريحًا لبعض النقاد ممن يخلطون بين الخيال العلمي والفانتازيا. يقول في أحد حواراته: «مع احترامي لأولئك النقاد، لكن هل هم ممارسون فعلًا لأدب أو كتابة روايات الخيال العلمي… ثق بي أن معظمهم لا يعلم الفرق بين الفانتازيا والخيال العلمي، وهم يغردون كالسرب جماعات خلف بعضهم دون نضج فكري ثقافي»، مشددًا على أن الخيال العلمي الأدبي له معاييره الخاصة المرتبطة بالاستشراف العلمي للمستقبل وعدم اعتماده على السحر والخرافة. كما أشار إلى أن كثيرًا من الاختراعات الحديثة – من الروبوتات الطبية إلى أشعة الليزر والأسلحة المتطورة – كانت يومًا مجرد أفكار في روايات الخيال العلمي قبل أن تتحقق واقعًا ، في دفاعه عن أهمية هذا النوع من الأدب كحاضنة للإلهام العلمي ومختبر للأفكار الجديدة.


في المجمل، تعكس أحاديث خالد الحقيل الصحفية شغفه الكبير بمزج الخيال العلمي مع الهوية الثقافية السعودية، ودعوته الدؤوبة إلى تبني هذا الأدب والاهتمام به أكاديميًا ومجتمعيًا. فهو يؤمن بأن الخيال العلمي ليس مجرد ترف فكري، بل نافذة لاستشراف المستقبل وأداة لإلهام الأجيال نحو الابتكار. بهذا الإيمان والرؤية الثاقبة، سجّل الحقيل اسمه كعلم بارز في خارطة الأدب السعودي الحديث، وترك بصمة ستظل مرجعًا لكل من يحاول المضي قدمًا على خطى الخيال العلمي في العالم العربي.


المصادر: خالد الحقيل – جائزة كتارا ؛ مجلة الجزيرة الثقافية ؛ جريدة الجزيرة ؛ مجلة اليمامة.

bottom of page