السجالات والمعارك الأدبية في السعودية
- فريق التحرير
- 25 نوفمبر 2025
- 19 دقيقة قراءة
تاريخ التحديث: 26 نوفمبر 2025

تُعَدُّ المعارك الأدبية جزءًا حيويًا من تاريخ الحركة الثقافية في السعودية. فمنذ نشأة الصحافة وانتشار التأليف في أوائل القرن العشرين، شهد المشهد الأدبي سجالات حامية بين التقليديين والمجددين، وبين النقاد والكتّاب، وكذلك بين تيارات فكرية متباينة عبر المقالات الصحفية والندوات. كما اندلعت معارك حول إصدارات أدبية مثيرة للجدل وقضايا الرقابة والنشر. في هذا التقرير نستعرض زمنياً أبرز تلك المعارك، مع الإشارة إلى الشخصيات المحورية فيها، وتوضيح السياقات الثقافية والاجتماعية والسياسية المحيطة بها، وبيان أثرها في تشكيل الخطاب الأدبي والنقدي في المملكة، مدعّمين العرض بالأمثلة والنصوص ذات الصلة.
بدايات القرن العشرين: النهضة الأدبية والصحافة المبكرة
بداية المعارك الأدبية في الحجاز: مع تأسيس الدولة السعودية الحديثة (الدولة السعودية الثالثة) وبزوغ الصحافة المحلية في منطقة الحجاز في عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين، ظهرت أولى السجالات الأدبية. كان المشهد آنذاك مزيجًا من أدباء وشعراء تقليديين تأثروا بالتراث، وجيل جديد متأثر بأفكار النهضة العربية والتجديد. ظهرت صحيفة «صوت الحجاز» في مطلع الثلاثينيات كمنبر رئيس للنقاشات الأدبية، ومنها انطلقت معارك أدبية مبكرة أثارت اهتمام القراء والمثقفين.
معركة "مرهم التناسي" (1933م): إلى جانب الشعر، شهدت الصحافة الوليدة معارك نثرية أيضًا. من ذلك القصة القصيرة "مرهم التناسي" للأديب عبد القدوس الأنصاري (وهو رائد القصة والرواية السعودية ومؤسس مجلة المنهل). نشر الأنصاري قصته هذه، فتعرضت لنقد حاد من قبل الأديب محمد حسن عواد وآخرين على صفحات «صوت الحجاز». تحول النقد إلى سجال أدبي محتدم تعددت فيه المقالات والآراء. يُعتبر هذا السجال المبكر مثالًا على خصومات النقاد والكتّاب في تلك الفترة، حيث دافع الأنصاري عن أسلوبه في كتابة القصة الحديثة، بينما انتقده العواد من منظور أدبي مختلف. الجدير بالذكر أن الأنصاري نفسه كان شخصية أدبية مركزية آنذاك؛ فقد أصدر أول رواية سعودية (التوأمان عام 1930) وأسهم بقوة في الحركة الثقافية، وكان الخلاف الفكري بينه وبين العواد مؤشرًا على حيوية المشهد الأدبي الناشئ وعلى الرغبة في ترسيخ أسس أدبية جديدة.
معركة الأسماء المستعارة (1935): من أشهر المعارك الأدبية السعودية الأولى تلك التي وقعت بين الشاعرين محمد حسن عوّاد وحمزة شحاتة. كان كلاهما من رواد الأدب الحديث في الحجاز، لكن اختلاف الرؤى بينهما أدى إلى سجال شعري ساخن. تبادل الشاعران القصائد بأسلوب رمزي ولغة رفيعة على صفحات «صوت الحجاز»، مستخدمين أسماء مستعارة إمعانًا في التحدي: حيث كتب حمزة شحاتة باسم «هول الليل»، فيما كتب عوّاد باسم «أبو لون». استمرت هذه المبارزة الشعرية عدة أشهر وحظيت بإعجاب القراء لمستواها البلاغي والفكري الرفيع. وقد قيل إن هذه المعركة كانت حامية الوطيس حتى أن طرفًا ثالثًا (الأديب عبدالسلام الساسي) تدخل كوسيط لينقل الرسائل بين الخصمين في أوج اشتعالها. سياق هذه المعركة كان صراعًا بين التوجه الأدبي الجديد الذي مثله عواد بدعواته للتحديث وكسر جمود التقليد، وبين النقد المحافظ اللاذع الذي مثله شحاتة والذي – رغم كونه مجددًا أيضًا – أخذ على عواد بعض طروحاته وشدّة انتقاده للمقلّدين. أسهمت هذه المنافحة الشعرية في إثراء الشعر السعودي الحديث وإدخال أساليب جديدة في التعبير، واعتُبرت إضافة مهمة في تاريخ الأدب السعودي.
معركة محاضرة حمزة شحاتة (1940م): في عام 1940 ألقى حمزة شحاتة محاضرته الشهيرة «الرجولة عماد الخلق الفاضل» وهي محاضرة أدبية فلسفية تحدث فيها عن الفضيلة وأثر التربية والجمال. أحد المواضيع التي تطرق لها كان تأثير المنظر الجميل في تهذيب النفس. هذا الطرح أثار نقاشًا واسعًا في الصحافة، حيث اعترض بعض الأدباء على أفكار شحاتة أو تأويلاته. نشأت على صفحات «صوت الحجاز» معركة أدبية حول موضوع "أثر المنظر الجميل" شارك فيها إلى جانب حمزة شحاتة كل من الأديب عبد الله عريف والأديب أحمد عبد الغفور عطار. تبادل الثلاثة مقالات نقدية حادة، دافع فيها شحاتة عن رؤيته الجمالية والفكرية، بينما قدم عريف وعطّار رؤى مغايرة حول علاقة الجمال بالأخلاق والمجتمع. هذه المواجهة الفكرية تعكس حيوية السجالات الثقافية في تلك الحقبة المبكرة، حيث لم تكن المعارك محصورة في الشعر والأدب الخالص فقط، بل تعدتها إلى قضايا فكرية وفلسفية أوسع تتعلق بنظرة المجتمع للأخلاق والتقدم. وقد استفاد الجيل الصاعد آنذاك من هذه النقاشات في توسيع مداركه وإثراء ثقافته الأدبية.
في ختام هذه الفترة التأسيسية، يمكن القول إن سياق العصر كان يتميز بتشكل هوية أدبية سعودية تحت تأثير تيارات النهضة العربية. أدّت المعارك الأدبية في الصحف إلى تحريك المياه الراكدة في الحياة الثقافية. ورغم حدّة الخصومات أحيانًا، فإنها ظلت ضمن إطار الاحترام العام ولم تتحول إلى عداوات شخصية دائمة. لقد وضعت تلك المعارك الكثير من النقاط على الحروف وأوجدت مناخًا من التفكير النقدي ساعد على بروز أدب سعودي حديث يحمل سمات محلية خاصة به.
منتصف القرن العشرين: معارك لغوية وأدبية
مع دخول الخمسينيات والستينيات، استمر الزخم الثقافي مع توسع دائرة الصحافة وانتشار الصالونات والمجالس الأدبية. تميّزت هذه المرحلة بازدياد الاهتمام باللغة والتراث، وظهور سجالات تتعلق باللغة العربية وقضاياها، إلى جانب استمرار الجدل حول شكل القصيدة وأساليب الكتابة الجديدة.
معركة "الشعر المنثور" (الخمسينيات الميلادية): إحدى المعارك اللافتة في هذه الفترة دارت حول مفهوم "الشعر المنثور"، وهو ما يقابل تقريبًا قصيدة النثر الحديثة. بدأت إرهاصات هذه التجربة تظهر في الأدب العربي آنذاك، ووجدت صداها في السعودية. تشير بعض المصادر إلى أن صحيفة أُطلق عليها «القبلة» شهدت سجالات في السبعينات الهجرية (ربما أواخر الخمسينيات الميلادية) حول مشروعية قصيدة النثر وأساليبها. انقسم الشعراء والنقاد بين مؤيد لهذه التجربة بوصفها تطورًا طبيعيًا للشعر العربي يركز على الصور والمعاني دون التزام بالوزن والقافية، وبين معارض يرى فيها خروجًا على المألوف وتقويضًا لفنون الشعر العربي الكلاسيكي. كانت هذه المناقشات امتدادًا لمعركة أوسع في العالم العربي حول التجديد في الشعر بدأت منذ الأربعينيات (مع ظهور الشعر الحرّ) وتصاعدت في الستينيات مع ظهور قصيدة النثر. في السعودية، ساهم هذا السجال في تهيئة الساحة لتقبّل الأشكال الشعرية الجديدة تدريجيًا، وإن بقي محافظًا على احترام الشعر العمودي التقليدي. السياق الاجتماعي هنا كان فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية وبروز حركات تحرر عربية واتساع الإطلاع على الآداب الغربية، ما شجّع بعض الأدباء السعوديين على التجريب والانفتاح. وعلى الرغم من أن تلك المعارك حول "الشعر المنثور" لم تكن موثقة بالتفصيل، إلا أن صداها يظهر في كتابات بعض رواد الحداثة السعوديين لاحقًا، الذين أشاروا إلى محاولات مبكرة جريئة في هذا المضمار قوبلت بانتقادات شديدة في حينها.
شهد منتصف القرن العشرين أيضًا معارك من نوع خاص يمكن تسميتها بـالمعارك اللغوية والأدبية التراثية، حيث دار الجدل حول قضايا تتعلق بلغتنا العربية الفصحى وتراثنا التاريخي. من أبرز هذه المعارك:
معركة "جيم جُدّة" اللغوية (1965) بين الشيخ حمد الجاسر (عالم اللغة والأديب المعروف) وصديقه الأديب عبد القدوس الأنصاري. نشب خلاف حول كيفية نطق اسم مدينة جدّة: هل تُضمّ جيم "جُدّة" أم تُكسر أم تُفتح؟ يبدو الموضوع لغويًا بسيطًا، لكنه أثار حماسة الكتّاب وشغل صفحات الصحف لفترة. بدأت الشرارة عندما نشرت صحيفة «عكاظ» خبرًا أو تعليقًا نُسب فيه قولٌ لأحدهما على لسان الآخر حول نطق الاسم، مما أشعل سجالًا بينهما. كتب كل منهما مقالات مطولة تدافع عن رأيه: الأنصاري بحكم محافظته اللغوية رأى وجوب ضم الجيم حفاظًا على الفصحى ومنعًا لانتشار اللحن، بينما الجاسر كان أكثر مرونة فرأى جواز كل الأوجه بحكم أن العرب أنفسهم اختلفوا في نطق الكثير من الأسماء. لم يقتصر الأمر عليهما؛ بل شارك في النقاش أكثر من أربعين مقالًا بقلم كتّاب آخرين، وألف الأنصاري حتى كتيبًا بعنوان «التحقيقات المعدّة بحتمية ضم جيم جدة» تأييدًا لرأيه. وانتهت هذه المعركة بالطابع الودي – فقد صفا الودّ بين الصديقين بعدها – لكنها أبرزت غيرة الأدباء على اللغة وعمق اهتمامهم حتى بتفاصيل النحو والصرف. وعلّق حمد الجاسر فيما بعد أن مثل هذه الخلافات رغم أنها تبدو شكلية "عادَت على حركتنا الثقافية بنوع من الحركة" وأبرزت صورًا من اختلاف أهل الأدب دون أن تفسد للود قضية.
معركة تراثية أخرى شهدتها تلك الفترة تعلّقت بتحديد موقع سوق عكاظ التاريخي. هذا الموضوع التاريخي أثار نقاشًا حادًا بين المثقفين والمؤرخين في الصحافة السعودية ربما في عقد الستينات، وتعددت فيه الآراء حول المكان الصحيح للسوق الشهير الذي ارتبط بالشعر في الجاهلية. وُصفت المناقشة بأنها صاخبة ومشتعلة نظراً لتعدد الأطراف والاختلاف بين باحثي الآثار والمؤرخين والشعراء المهتمين بإرث أسواق.
كذلك ثار سجال حول أصل تسمية منطقة عسير أواخر الستينات الميلادية (حوالي 1382هـ)، قاده الأديب تركي بن محمد بن ماضي عبر صحيفة «عكاظ» في صفحة خاصة بمنطقة عسير، واقترح فيه تساؤلات حول سبب تسمية عسير بهذا الاسم. أدى ذلك إلى ردود من مثقفي المنطقة مثل عبدالله بن علي بن حميد وعلي علوان وآخرين، ودخلوا في جدال تاريخي اتسم بالحماس. تعكس هذه المعارك كيف اتسعت ساحة الجدل الأدبي لتشمل قضايا تاريخية ولغوية تمس الهوية الثقافية المحلية.
أثر معارك منتصف القرن:
يجدر بالذكر أن هذه الفترة وسط القرن العشرين كانت تشهد تغيرات اجتماعية وسياسية مهمة؛ فبعد توحيد المملكة واستقرارها، بدأ التركيز على التعليم وبعثات الطلاب للخارج، مما ولّد جيلاً جديدًا أكثر اطّلاعًا وانفتاحًا. وجدت هذه التغيّرات صداها في النقاشات الأدبية: فالمعارك حول اللغة والتراث ساهمت في رفع الوعي بأهمية الفصحى والهوية الثقافية، بينما السجالات حول الشعر الجديد مهدت الأرض لقبول التجديد عند الأجيال اللاحقة. ويصف النقاد تلك المعارك بأنها كانت "حروبًا باردة تارة وساخنة تارة أخرى" على أوراق الصحف، لكن المجتمع خرج رابحًا لأنها أيقظت العقول وشجعت على الحوار. وبحلول نهاية الستينيات، كان الأدب السعودي قد خطا خطوات في سبيل تحديث أساليبه، بفضل هذه الحيوية في الاختلاف التي غذتها المنابر الصحفية والنقدية.
مرحلة الثمانينات: معارك الحداثة وصدام التيارات الفكرية
مثّلت حقبة الثمانينات الميلادية ذروةً جديدة في المعارك الأدبية والفكرية في المملكة، وهي ما عُرف اصطلاحًا بمعركة الحداثة. تميزت هذه المرحلة بتأجج الصراع بين تيارين: تيار حداثي مثقف تبنى مناهج نقدية وفكرية حديثة (كالبنيوية والتفكيكية وغيرهما) وسعى إلى كسر الأنماط التقليدية في الأدب والفكر، يقابله تيار محافظ/ديني مرتبط بـ"الصحوة" الدينية الصاعدة آنذاك، رأى في أطروحات الحداثيين خطرًا على القيم الدينية والمجتمعية. وقد اتسع نطاق هذه المعارك من صفحات الجرائد إلى المنابر العامة، بل وصلت إلى شرائط الكاسيت وخطب المساجد، ما يعكس تداخل الأدبي بالفكري والسياسي في تلك الحقبة.
انطلاق شرارة معركة الحداثة (1987–1988): يمكن تأريخ بداية المواجهة المفتوحة إلى أواخر عام 1987م، حين بدأ بعض المشايخ المحسوبين على تيار الصحوة الإسلامية حملة ضد "الحداثة" ومروجيها. يذكر المؤرخون أن سعيد الغامدي (وهو داعية شاب آنذاك) أعدَّ محاضرات مسجلة (شريطين منزليًّا) تهاجم الفكر الحداثي وتصف رواده بالانحراف. تبع ذلك نشر عوض القرني كتابه الشهير «الحداثة في ميزان الإسلام»عام 1988م. هذا الكتاب – الذي انتشر على نطاق واسع – جمع فيه القرني نصوصًا لشعراء وكتاب حداثيين سعوديين وعرب، وحاول تأويلها أو إدانتها من المنظور الشرعي باعتبارها تخالف الثوابت الإسلامية. وقد وصم الحداثة بأنها تيار فكري هدّام دخيل على المجتمع الإسلامي. كانت تلك ضربة افتتاحية قوية أشعلت نقاشًا واصطفافًا حادًا في الوسط الثقافي السعودي.
معارك التيار الحداثي من داخله: على الجانب الآخر، كان هناك نقاد وأدباء حداثيون برزوا منذ أواخر السبعينات وتصاعد نشاطهم في الثمانينات، من أشهرهم الناقد الأكاديمي الدكتور عبدالله الغذامي (صاحب كتاب «الخطيئة والتكفير» 1985 الذي يعد بيانًا نقديًا حداثيًا)، والشاعر محمد العلي، والكاتب سعيد السريحي، والدكتور سعد البازعي، وآخرون. نظم هؤلاء الندوات وكتبوا المقالات في الصحف مدافعين عن التحديث الثقافي وعن مناهج النقد الجديدة. بل إنهم أقاموا حوارات حول البنيوية والشعر التفعيلي وقصيدة النثر، ودعوا إلى قراءة حداثية للأدب تعترف بتعدد المعاني وتحرر النص من سلطة المؤلف والقوالب الجاهزة. وقد خاض الغذامي تحديدًا عدة معارك قلمية مع منتقديه؛ فحين أصدر كتابه «حكاية الحداثة في المملكة العربية السعودية» (سرد فيه تجربته وتاريخ الحركة الحداثية)، رد عليه البعض بأن في طرحه ادعاءً لبطولة الحداثة وتهميشًا لدور بقية زملائه. كما تعرض الشاعر محمد العلي لهجوم المحافظين بسبب أفكاره الجريئة وقصائده الحرة. واشتعلت الصحف بأعمدة ساخنة بين مؤيد للحداثة ومعارض لها. حتى إن الناقد حسين بافقيه يصف تلك الفترة قائلاً:
"كان الغذامي والسريحي يملآن الحياة الأدبية صخبًا وضجيجًا وحديثًا عن البنيوية صباح مساء".
ودخل في النقاش أيضًا أحمد حسين الشيباني – وهو كاتب ومترجم متمرّس في الفلسفة – الذي أثار زوبعة حين نشر مقالات نقدية عميقة تنتقد بعض تنظيرات الغذامي والبازعي، فيما عرف بمعركة البنيوية. يُروى أن الشيباني فنّد منهج الغذامي البنيوي في مقالاته بشكل أربك الحداثيين حتى قيل مجازًا إنه "أكل الغذامي" في تلك المناظرات، ووصف بافقيه السجال بين الشيباني والغذامي والسريحي بأنه كان مفصليًا في كشف جوانب قصور وأحادية لدى كلا الطرفين.
أساليب المعركة وحدّتها:
تميزت معارك الحداثة بتعدد ساحاتها، فلم تقتصر على المقالات الصحفية؛ إذ عُقدت ملتقيات وندوات تحولت إلى منابر سجال حاد. من ذلك ما جرى في النادي الأدبي بجدة حين نوقشت قضايا الشعر الجديد وانسحاب الشاعر محمد الثبيتي من الأبواب الخلفية للنادي، وفي مهرجان الجنادرية الثقافي حين أثير موضوع الحداثة في إحدى الندوات فاحتدم الجدل بين المتحدثين وبعض الحضور من المتشددين. وتذكر المصادر أن الخطاب الديني آنذاك كان شديدًا وظالمًا في تعاطيه مع الحداثة ورموزها، حيث وُصِموا بالإلحاد والزندقة. استخدم المحافظون المنابر الدينية والإعلامية التقليدية (كخطب الجمعة والنشرات الإسلامية) لتعبئة الرأي العام ضد الحداثيين. وردّ بعض الحداثيين بأسلوب ساخر وهجومي في مقالاتهم، فتبادل الطرفان الاتهامات. ويذكر معاصرو تلك الفترة أن لغة الحوار تدهورت أحيانًا إلى السخرية الشخصية والاتهام بالجهل وحتى التكفير، بدل أن تبقى في حيز النقد الموضوعي. من أشهر العبارات التصعيدية آنذاك مقولة بعض المشايخ "إن عدتم عدنا" التي أطلقوها تهديدًا بفضح الحداثيين كلما دافع هؤلاء عن أنفسهم.
ذروة المعركة ونتائجها:
بلغت المواجهة أوجها مطلع التسعينيات، ونتج عنها تغيّرات مهمة في المشهد الثقافي. فعلى الصعيد الرسمي، أدى ضغط تيار الصحوة إلى التضييق على بعض المناشط الثقافية: أُغلقت المجلة الصادرة عن نادي جدة الأدبي عام 1987 بعد اتهامها بنشر قصيدة حداثية تتضمّن مساسًا بالدين، كما مُنع بعض الكتّاب من النشر فترة من الوقت. انكفأ عدد من رموز الحداثة عن الضوء مؤقتاً؛ فمثلًا انتقل د. الغذامي من الإعلام إلى العمل الأكاديمي البحت لبضع سنوات، وفضّل الشاعر محمد العلي الصمت والابتعاد عن الجدال العام. ويذهب بعض الباحثين إلى أن تيار الصحوة خرج منتصرًا اجتماعيًا في تلك الجولة، حيث تمكن المحافظون من ترسيخ نفوذهم في المؤسسات الثقافية والتربوية في أوائل التسعينيات، مما أدى إلى انحسار المدّ الحداثي العلني. لكن بالمقابل، يرى نقاد معاصرون أن الفكر الحداثي لم يهزم تمامًا؛ فقد واصل الحداثيون الحقيقيون مشروعهم بشكل أكثر هدوءًا ونضجًا في كتب ودراسات رصينة بعيدًا عن الضجيج، وبدأوا يركزون على نقد الظواهر الثقافية (ما سماه الغذامي لاحقًا النقد الثقافي). كما أن هذه المعركة نبّهت المجتمع الأوسع - ولو سلبًا - إلى قضايا الأدب الحديث، وأثارت لدى شريحة من الشباب فضولًا للقراءة والاطلاع، وبالتالي يمكن القول إن الجميع تعلم منها درسًا. الخطاب الأدبي السعودي بعد الثمانينات تغير بلا شك؛ إذ بات أكثر وعيًا بانقسام التيارات وبحساسيات المجتمع، فصار المثقفون يحسبون حساب ردود الفعل أكثر مما سبق. ومع ذلك، يظل إرث معركة الحداثة مهمًا: فهي سجّلت انتقال النقاش الثقافي إلى ساحة الرأي العام الشعبي، حيث لم يعد حكرًا على النخبة، بل تابعه كثيرون من مختلف فئات المجتمع. وقد أنتجت تلك الفترة عددًا من الكتب التوثيقية والتأريخية للمعارك الأدبية، مثل كتاب أنور الجندي «المعارك الأدبية» الذي جمع معارك الحداثة وغيرها في العالم العربي، ومذكرات لبعض المشاركين فيها.
التسعينيات: مرحلة هدوء نسبي وصراع على الرواية والرقابة
بعد عاصفة الثمانينات، دخلت التسعينيات بفترة يمكن وصفها بالهدوء النسبي على صعيد المعارك الأدبية العلنية، لكن ذلك الهدوء كان أشبه بكمون تحت السطح. سادت في المجتمع هيمنة التيار المحافظ بفعل ظرف حرب الخليج (1990) وتصاعد نفوذ الإسلاميين في الحياة العامة. في هذا المناخ، فضّل كثير من الأدباء والمثقفين تجنب الاستفاف الفكري المباشر، لكن ظلت هناك تجاذبات تظهر بين الحين والآخر، لاسيما مع بروز جنس أدبي جديد هو "الرواية السعودية" وما أثاره من قضايا رقابية وأخلاقية.
بروز الرواية ومعاركها: شهدت التسعينيات ازدهار كتابة الرواية في السعودية بشكل غير مسبوق. قدم جيل من الكتّاب أعمالًا روائية جريئة تناولت قضايا اجتماعية حساسة، مثل روايات تركي الحمد الثلاثية (العدامة 1994، الشميسي 1995، الكراديب 1998) التي تناولت تحولات المجتمع والتطرف الديني بجرأة. هذه الروايات أثارت ضجة واسعة؛ فبينما رحّب بها النقاد التنويريون لما فيها من عمق اجتماعي، شنت عليها الصحافة المحافظة هجومًا عنيفًا، وطالبت الجهات الدينية بمنعها بدعوى أنها تطعن في الثوابت أو تتضمن إساءات دينية. وبالفعل تعرضت بعض تلك الأعمال للمنع من التداول داخل المملكة، ما فتح نقاشًا حول الرقابة وحرية التعبير. كانت معركة تركي الحمد مع الرقابة من أبرز الأمثلة: ففي حين رأى هو ومناصروه أن الرواية تعكس واقعًا يجب مواجهته، رأى المحافظون أنها تنشر أفكارًا تغريبية وتبرر الرذيلة. ولم تكن الحالة فريدة؛ فهناك روايات أخرى مثل "شقة الحرية" (1994) للراحل غازي القصيبي التي صُدمت بها الأوساط المحافظة بسبب تناولها حياة الطلاب المبتعثين وما فيها من علاقات وانفتاح، وواجهت أيضًا تحفظات شديدة ومُنع توزيعها فترة من الزمن. يمكن القول إن أرض المعركة انتقلت في التسعينيات إلى ساحة السرد؛ إذ أصبح النقاد والكتّاب يتجادلون حول حدود جرأة الرواية ودور الرقابة الأخلاقية. وظهرت مقالات متبادلة: كتاب محافظون يتهمون الروائيين الشباب بخدش الحياء والتأثر بالغرب، يقابلهم كتاب ليبراليون يدافعون عن حق الكاتب في تناول المسكوت عنه وعن دور الأدب في نقد الواقع. هذه السجالات – وإن كانت أقل صخبًا من معارك الثمانينات – إلا أنها ساهمت في تشكيل وعي جديد لدى الوسط الثقافي بأن الرواية ستكون ميدان التعبير القادم، وبأن معايير النقد القديمة القائمة على المثالية التقليدية لن تصلح كثيرًا مع هذا الفن الواقعي.
استمرار المواجهات الفكرية بهدوء: على صعيد آخر، استمرت تحت السطح مواجهة بين التيارين المحافظ والحداثي ولكن بأدوات مختلفة. فتيار الصحوة الدينية ركّز جهوده في السيطرة على المنابر التعليمية والدعوية أكثر من خوض معارك صحفية. في المقابل، اختار كثير من المثقفين تبني نبرة أكثر هدوءًا وإجراء مراجعات فكرية بدل التحدي المباشر. ظهرت في هذه الفترة كتب نقدية وفكرية تحاول إيجاد أرضية وسط أو فهم أعمق لما جرى. مثال على ذلك كتاب عبدالله فهد العسكر «التنوير والتكفير: تحليل اجتماعي-تاريخي للرواية السعودية»، الذي حاول قراءة الصراع بين التوجه التنويري والتوجه التكفيري في الأدب السعودي، معتبرًا أن جيل الثمانينات واجه التكفير لكنه مهد الطريق لجيل التسعينات ليتناول قضايا جريئة. كما بدأت المنتديات الثقافية الأهلية (مثل الاثنينية في جدة، الثقافية في الرياض) في إقامة لقاءات تجمع رموزًا من مختلف التوجهات في حوارات أقل رسمية، مما قلل التوتر الشخصي وعزز التفاهم تدريجيًا.
معركة النقد الثقافي: يجدر الالتفات أيضًا إلى أن التسعينيات شهدت بعض المعارك الأدبية داخل أسرة النقاد أنفسهم. فمع انحسار الجدل الآيديولوجي العلني، ظهر خلاف بين النقاد حول المناهج النقدية. انقسم النقاد السعوديون بين تقليديين يفضلون المناهج البلاغية والتراثية في النقد، وجدد يتبعون المناهج الغربية الحديثة. فمثلًا حصل سجال نقدي بين الناقد الدكتور عبدالله الغذامي والدكتور سعد البازعي حول جدوى النقد الثقافي الذي دعا له الغذامي في أواخر التسعينيات. كتب بعض النقاد مقالات مطولة تنتقد كتاب الغذامي «النقد الثقافي» بحجة أنه يخرج النقد عن الأدب ويدخله في علم الاجتماع. ورد أنصار الغذامي بأن هذا تطور طبيعي في قراءة النصوص. هذه المناقشات، رغم أنها لم تتحول إلى معارك شعبية، لكنها دلت على حراك فكري داخلي لدى النخبة النقدية، وأسهمت في تطوير الخطاب النقدي السعودي ليشمل آفاقًا أرحب من مجرد تحليل القصيدة أو القصة وفق المناهج المدرسية القديمة.
بشكل عام، يمكن وصف التسعينيات بأنها مرحلة إعادة توازن واستيعاب لصدمة الثمانينات. خفت الصخب، لكن المعارك لم تختفِ تمامًا، بل أخذت شكل شد وجذب ثقافي هادئ حول الإبداع الروائي وحرية التعبير، وحول حدود النقد ومنهجيته. وأسهم هذا الجو في إعداد المسرح لتحولات الألفية الجديدة، حيث ستعود المعارك الأدبية إلى العلن بأشكال أخرى ومع ظهور وسائل اتصال جديدة.
الألفية الجديدة: معارك الأدب في عصر الإعلام الجديد
مع دخول القرن الحادي والعشرين، شهدت المملكة تغيرات اجتماعية وإعلامية كبيرة، كان لها أثر واضح على طبيعة المعارك الأدبية. فظهور الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي أتاح منصات جديدة للنقاش بعيدًا عن رقابة الصحافة التقليدية، كما أن الانفتاح الثقافي المتزايد والإصلاحات التي شهدتها البلاد في العقد الأخير حررت المجال الثقافي نسبياً. في هذه المرحلة، استمرت المعارك الأدبية لكن بصيغ مختلفة: بعضها حول إصدارات أدبية جريئة أثارت الرأي العام، وبعضها الآخر أخذ شكل مواجهات شخصية/فكرية في تويتر والفيسبوك بدل صفحات الجرائد.
معركة "بنات الرياض" (2005): إحدى أشهر القضايا الأدبية في العقد الأول من الألفية كانت صدور رواية «بنات الرياض» للكاتبة الشابة رجاء الصانع عام 2005. الرواية – التي كُتبت بأسلوب الرسائل الإلكترونية وكشفت جوانب من حياة الفتيات في المجتمع السعودي – أثارت فور صدورها ضجة وطنية وعربية. انقسم الجمهور والنقاد حيالها: تيار محافظ اعتبرها عملاً فاضحًا يسيء لسمعة المجتمع ويخالف تقاليده، ولم يتردد بعض الكتّاب في المطالبة بمنعها ومهاجمة الكاتبة بأسلوب قاسٍ. في المقابل، مدافعون عن حرية التعبير رأوا أنها عمل أدبي جريء يكسر السطحية ويتناول واقعًا مسكوتًا عنه، وطالبوا بقراءتها بوصفها نصًا إبداعيًا لا تقريرًا اجتماعيا. اندلعت بذلك معركة صحفية وجماهيرية استمرت شهورًا: مقالات رأي متبادلة في الصحف والمجلات، ونقاشات حامية في المنتديات الإلكترونية (التي كانت آنذاك حديثة العهد). أدت هذه السجالات إلى زيادة شهرة الرواية وانتشارها عالميًا بعدما تُرجمت، وأيضًا إلى إعادة النقاش حول دور الأدب: هل هو مرآة للمجتمع حتى لو عكست بعض التشوهات، أم يجب أن يلتزم بخط قيمي محدد؟ وفي النهاية، رغم ما واجهته الرواية من منع مؤقت في بعض المكتبات، إلا أنها أصبحت رمزًا على كسر الخطوط الحمراء نسبياً في الإبداع السردي وشجعت كتابًا آخرين (خاصة الكاتبات) على تناول مواضيع جريئة لاحقًا. في السياق ذاته، ظهرت روايات كسرت قالب المحافظين مثل روايات يوسف المحيميد وعبده خال ورجاء عالم، وكلها واجهت بدرجات متفاوتة نقدًا وجدالًا حول جرأتها.
غازي القصيبي في مرمى المحافظين (2003–2008): شهدت هذه الفترة أيضًا استمرار بعض المواجهات الفكرية بين رموز ليبرالية والإسلاميين. على سبيل المثال، خاض الدكتور غازي القصيبي (وهو شاعر وروائي ووزير سابق) سلسلة من الأخذ والرد مع متشددي التيار الديني. عُرف القصيبي بقلمه الساخر وأفكاره المنفتحة، فنشر قصائد ومقالات تنتقد التطرف وتنادي بالاعتدال. وقد بلغت المواجهة حدّة حين نشر أحد مشايخ الصحوة (محسن العواجي) مقالة هاجم فيها القصيبي بشكل لاذع متهِمًا إياه بتغريب المجتمع. أدت تلك المقالة إلى تدخّل رسمي تمثل في اعتقال الكاتب لفترة وجيزة وإلزامه بالتوقف. هذه الحادثة وغيرها تجسد مواجهات التيار الفكري الليبرالي مع التيار الصحوي مطلع الألفية، حيث حاول كل طرف رسم حدود المقبول ثقافيًا. ومع أن القصيبي لم يدخل في سجال مباشر مكتوب مع العواجي، إلا أن أنصاره والمثقفين الليبراليين كتبوا دفاعًا عنه وعن منهجه الإصلاحي، بينما أصر المحافظون على انتقاد تأثيره. يمكن اعتبار هذه المعارك امتدادًا خافتًا لمعركة الحداثة، ولكن بشعارات جديدة وظروف مختلفة، خصوصًا بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 التي وضعت التيار الديني المتشدد تحت الضغط والتساؤل.
المعارك الأدبية على وسائل التواصل (2010s): مع انتشار استخدام تويتر وفيسبوك في العقد الثاني من الألفية، انتقلت ساحة المعارك الأدبية والفكرية بصورة كبيرة إلى هذه المنصات. فظهر ما يمكن تسميته بالمعارك الأدبية الرقمية أو "المنازلات الشعبوية". أصبحت الخلافات التي كانت تدور في الندوات المغلقة أو صفحات الجرائد تدور الآن أمام جمهور أوسع وبشكل أكثر آنية وربما حدة، نظرًا لسهولة التفاعل والتعليق من قبل الجميع. من أبرز الأمثلة على ذلك السجال بين الناقد حسين بافقيه والناقد سعيد السريحي (2023). بدأ الخلاف حين نشر حسين بافقيه سلسة منشورات في الفيسبوك وصفها بأنها "مراجعات" لتاريخ النقد السعودي، تناول فيها نقدًا لتجربة عدد من النقاد والكتّاب من بينهم د. عبدالله الغذامي ود. سعد البازعي ود. معجب الزهراني وصولًا إلى د. سعيد السريحي. اعتبر البعض منشورات بافقيه تقويما موضوعيا، فيما رآها آخرون تصفية حسابات قديمة. وعندما كتب بافقيه منشورًا بعنوان «ناقدان على باب الله» يقصد به الغذامي والسريحي ويشكك في منجزهما، انفجر السجال علنًا: ردّ سعيد السريحي عبر تويتر بتغريدة غاضبة وصف فيها بافقيه بأنه "مراهق أدركته الحداثة متأخرًا فراح يتوعد" وأضاف بعبارات قاسية من قبيل "اجهد جهدك ثم اجهد جهدك ولا أبقى الله عليك إن أبقيت ولا عفا الله عنك إن عفوت!". أثارت هذه اللغة الحادة ضجة بين المثقفين على المنصات؛ فانقسموا بين مؤيد للسريحي منتقد لأسلوب بافقيه، وبين متعاطف مع بافقيه يراه ينتصر للحقيقة التاريخية. تطورت المعركة لتشمل عشرات التغريدات والمنشورات من كتّاب آخرين إما يصطفون مع هذا الطرف أو ذاك. حتى أن البعض وجدها فرصة ليدلي بدلوه طمعًا في الظهور، فتحولت إلى سجال ثقافي عام شارك فيه شعراء ونقاد من مختلف الأجيال. اللافت هنا أن ساحة المعركة هذه المرة لم تكن صحيفة أو مجلة، بل فضاء إلكتروني حر يتابعه آلاف الأشخاص من خارج الوسط الثقافي التقليدي. وهذا ما دفع نقادًا مثل د. محمد العوين إلى القول بأن هيبة المعارك الأدبية الكلاسيكية تراجعت في عصر التواصل وصارت أقرب إلى لهو افتراضي لا يشغل إلا نخبة محدودة.
معركة "بهو الماريوت" (2012): أثناء انعقاد منتدى المثقفين في فندق ماريوت بالرياض، نشر الكاتب صالح الشيحي رحمه الله تغريدة قال فيها:
«ما يحدث في بهو ماريوت على هامش ملتقى المثقفين عار وخزي على الثقافة».
أثارت التغريدة جدلاً واسعًا، وردّ عليه الروائي عبده خال بتهديد قانوني صريح قائلاً إنه سيرفع عليه دعوى إن لم يعتذر. هذا التصعيد السريع حوّل الموقف إلى صدام علني وصل إلى البرامج التلفزيونية المباشرة، الأمر الذي أضاء على التوترات الخفية داخل الوسط الثقافي السعودي، وطرح أسئلة حول حدود التعبير، والمسؤولية الأدبية في المنصات العامة. توسّعت المعركة على وسائل التواصل، وشارك فيها كتّاب ومثقفون من مختلف الاتجاهات، بعضهم رأى في تغريدة الشيحي إساءة عامة، وبعضهم عدّ تهديد عبده خال تعسفًا ضد النقد. عكست هذه الحادثة – رغم طابعها الفردي – تحول النقاش الثقافي من المؤسسات المغلقة إلى فضاء جماهيري مفتوح، تتداخل فيه الانفعالات مع المواقف، والآراء مع السمعة.
تجدد المعارك التقليدية عبر التواصل: رغم الطابع المباشر والشعبي لمعارك السوشيال ميديا، فقد شهد العقد الماضي أيضًا إحياءً لخلافات أدبية قديمة عبر هذه المنصات. مثال ذلك ما حدث عام 2018 حين نشر د. عبدالله الغذامي – العائد للسجال بعد صمت طويل – تغريدة ينتقد فيها روايات الكاتب عبده خال (وهو روائي سعودي بارز فاز بالبوكر العربية 2010) واصفًا إياها بأنها مجرد "ثرثرة" من كاتب قصص قصيرة فقد أنفاسه في الرواية. كتب الغذامي في تغريدته الشهيرة:
«كتاب القصة القصيرة يقعون في تشتت ذهني حين يقتحمون الرواية... لذا يلهثون مع الرواية ويقعون في (الثرثرة). عبده خال نموذج واضح لهذه الربكة السردية».
أثار هذا الوصف استفزاز عبده خال، فردّ في تصريحات صحفية بأن هجوم الغذامي ليس موضوعيًا بل سببه أن خال انتقد قبل أيام إدعاء الغذامي ريادة الحداثة في المملكة. واتهم خالُ الغذامي بأنه لم يكن قارئًا جادًا للرواية من قبل، متسائلًا "كيف ينصّب نفسه منظرًا للرواية الآن؟". سرعان ما تحولت هذه المناوشة إلى معركة أدبية مكتملة الأركان شارك فيها كثيرون: بعض النقاد أيدوا وجهة نظر الغذامي حول تحول القاص إلى روائي، فيما رأى آخرون أنه تجاوز حدود اللياقة النقدية. واحتدم النقاش على تويتر والصحف الإلكترونية بين من يتهم الآخر بالغرور أو الجهل. اللافت أن هذه المعركة أيقظت الحنين لدى قدامى المثقفين إلى أجواء الثمانينات، حتى قيل مازحًا "عادت الحداثة ولكن على تويتر!". وبالفعل، اعتبر البعض تغريدة الغذامي 2018 إيذانًا بـعودة روح المعارك الأدبية بعد خفوتها لثلاثة عقود، ولكن بحلة جديدة في فضاء رقمي.
معركة ظاهرة أسامة المسلم (2024): نشأت بعد بروز كاتب سعودي أصبح في وقت وجيز رمزًا جماهيريًّا، ويمثّل تحوّلًا جوهريًا في نمط الرواية السعودية: من الأدب النخبوي إلى "أدب الجماهير". فقد استطاع أسامة المسلم جذب جمهور واسع من القرّاء، خصوصًا فئة الشباب، بلغة بسيطة وأسلوب قصصي يمزج بين الواقعية والفانتازيا، بما يناسب ذائقة رقمية معاصرة وقراء تربّوا على منصات التواصل الاجتماعي لا على الصحف والملاحق الأدبية. جاء هذا الصعود وسط غياب ملحوظ للأدب النخبوي عن دوائر التأثير الشعبي، وتحولات في السوق الثقافي جعلت التوزيع والتسويق أدواتٍ رئيسة في بناء اسم الكاتب. لم يكن المسلم بحاجة إلى نادٍ أدبي أو مؤسسة ثقافية تقليدية، بل جلس في معارض الكتب، محاطًا بطوابير من القرّاء، وأسس قاعدة جماهيرية نادراً ما حظي بها كاتب سعودي معاصر. وصفه بعض الإعلام بأنه "حدث ثقافي" أكثر من مجرد روائي. لكن هذه الظاهرة لم تمر دون سجال. في حوار لصحيفة عكاظ، اعتبر الدكتور سعد البازعي روايات المسلم مجرد ”فانتازيا تسويقية“ لا تستحق ورقة نقدية، واصفًا ظاهرة المسلم بأنها ”فقاعة سردية“ تكشف ضحالة الذائقة، وأنها تعبير عن سوق لا عن إبداع. وأضاف بتغريدة لاحقة أن هذه الظاهرة دليل على قدرة الوسط الثقافي على إنتاج الظواهر السطحية. هذا التقييم أثار ردود فعل متباينة، بين من يرى أنه تقييم منطقي محايد، ومن اعتبره تعبيرًا عن موقف نخبوية منغلقة تجاه ظواهر جماهيرية لا تسيطر عليها المؤسسات الثقافية التقليدية. في المقابل، تبنّى الدكتور عبدالله الغذامي موقفًا مناقضًا تمامًا، فكتب مقالًا بعنوان «الجيل الذي يختار لغته» مدافعًا عن أسامة المسلم بوصفه مؤشّرًا على تحول ثقافي في ذائقة القراءة، وقال إنه قرأ أولى رواياته ولم يشعر بالضجر، بل وجد فيها لغة فصحى محكية، تستجيب لاحتياجات جيل شاب. ورفض الغذامي وصف الظاهرة بأنها "تافهة"، محذّرًا من أن يُحكم على نصوص بهذا الحجم الجماهيري دون قراءة متأنية. حين وصفه البازعي بأنه يتخذ مواقف "انفعالية ومزاجية"، ردّ الغذامي بوصف ذلك بأنه تهريج نقدي ومعيب ثقافيًا، وأبدى استعداده لمناظرة علنية، مؤكدًا أن الدفاع ليس عن شخص، بل عن منهجية نقدية ينبغي أن تحترم النص قبل الحكم عليه. وأشار إلى أن النجاح الجماهيري لا يُعدّ دليلاً تلقائيًا على الجودة، لكنه ظاهرة تستحق التأمل لا الإدانة. وهكذا تحوّلت ظاهرة أسامة المسلم إلى ما يشبه "المعركة النقدية" الجديدة، تعكس صراعًا بين مدرستين: الأولى ترى أن الأدب مشروع نخبة وعمق لغوي وأسلوب، والثانية تنظر إلى الظاهرة بوصفها مؤشّراً على انتقال السلطة من النخبة إلى الجمهور، وأن الناقد الجاد عليه أن يقرأ ويحلل قبل أن يرفض.
هذه المعركة، وإن كانت موضوعها روايات موجهة لفئة شبابية، إلا أنها تكشف عمق التحول في المشهد الثقافي السعودي، حيث لم يعد النجاح الأدبي مشروطًا بالمرور عبر الأطر التقليدية، بل صار الجمهور نفسه هو منصة الإطلاق، والكاتب الذي يتقن لغته، ينجح حتى لو لم تُكتب عنه ورقة نقدية واحدة.
خصائص معارك العصر الرقمي:
يتفق المراقبون على أن معارك اليوم رغم استمرارها في طرح قضايا جادة أحيانًا، لكنها تختلف عن معارك الماضي في أمور عدة. فالإيقاع صار أسرع، والجمهور أوسع لكن أقل تخصصًا، واللغة أحيانًا أكثر انفعالًا واندفاعًا لأن التعبير اللحظي يطغى على التحليل المتأني. كما أن التداخل بين الشخصي والعام أصبح كبيرًا؛ فالكثير من المناوشات تبدأ بموقف شخصي أو ذكرى قديمة بين اثنين من الكتّاب ثم تتفاقم لتصبح شأنًا عامًا كما رأينا مع بافقيه والسريحي. ومع ذلك، يرى البعض أن هذه السجالات الرقمية مفيدة لأنها تبقي روح النقد والجدل حيّة وتخلق حراكًا ثقافيًا، شرط أن ترتقي إلى نقاش القضايا لا الأشخاص. وقد عبّر الشاعر والكاتب أحمد عطيف عن أمله في أن تكون تلك "المراشقات مجرد تسخين لتراشق جاد وعميق ينفع الناس ويمكث في الأرض!"، في إشارة إلى إمكانية استثمار هذه الحيوية في ما يفيد المشهد الثقافي.
أثر معارك الألفية الجديدة:
اتسمت الفترة الأخيرة أيضًا بتحولات سياسية واجتماعية داخل المملكة انعكست على الثقافة. فمنذ 2016 مع إطلاق رؤية 2030 وما صاحبها من انفتاح، خفت قبضة الرقابة الرسمية نوعًا ما، وتراجعت المحرمات القديمة: عادت معارض الكتب تعج بالروايات الجريئة التي كانت تمنع سابقًا، وصار النقاش حول قضايا مثل حقوق المرأة والتحديث الاجتماعي أكثر علانية. هذه الانفراجة قللت من حدة الصدامات الأيديولوجية الكبرى، لكنها في نفس الوقت جعلت الوسط الثقافي أكثر انقسامًا حول أولويات الخطاب. فهناك من يرى أن زمن المعارك الأدبية الجادة قد ولّى، وأن علينا التركيز على الإنتاج الإبداعي دون تشتيت في جدالات (كما لمح د. محمد العوين). وفي المقابل من يرى أن الاختلاف الثقافي صحي ويجب أن يستمر، ولكن ربما بأدوات وأسلوب أكثر رقيًا.
في المحصّلة، امتدت المعارك الأدبية في السعودية على مدى قرن تقريبًا، تنوّعت موضوعاتها وأشكالها بتنوّع السياقات الزمنية. لكنها في مجملها ساهمت في تشكيل ملامح الخطاب الأدبي والفكري السعودي وأثرت فيه بعمق. فعبرها تم اختبار الحدود بين القديم والجديد، وبين المسموح والممنوع، وبين الذاتية والموضوعية في النقد. ورغم ما شاب بعضها من انفعالات أو خروج عن الاتزان، إلا أنه يصح القول إنها كانت في محصلتها نعمة على الثقافة لأنها دفعت نحو التجديد والرقي الحضاري. وكما يصف أحد الكتّاب: "كل الحروب سيئة إلا الحروب الأدبية؛ فهي سلمٌ نحو الارتقاء بالفكر والمجتمع على حد سواء". فقد انتصر فيها في النهاية الفكر والمجتمع وإن ظن البعض غير ذلك في خضم المعركة. ستبقى إذن دروس تلك المعارك ماثلة أمام الأجيال الجديدة من الأدباء؛ أن الاختلاف في الرأي مشروع بل ومطلوب، وأن الجدل الأدبي متى ما حافظ على احترام القيم والأخلاق فإنه يكون بارود الأسئلة الذي يجدد وعي الأمة الجمالي والفكري.
المصادر:
صحيفة عكاظ – المعارك الأدبية.. من الصحف إلى شبكات التواصل.
موقع بالعربية – المعارك الأدبية في صفحات تاريخ الثقافة العربية.
صحيفة الجزيرة – المعارك اللغوية بين حمد الجاسر وعبدالقدوس الأنصاري.
جريدة الوطن – أفكار وأحداث يحسن مراعاتها عند كتابة تاريخ الصحوة..
مصادر أخرى مذكورة ضمن النص.
.png)



تعليقات