top of page

الاستشراق الأدبي في شبه الجزيرة العربية


شهدت الفترة ما بين 1727 و1932م توافد العديد من الرحالة والمستشرقين الأوروبيين إلى شبه الجزيرة العربية، والتي كانت آنذاك منطقة مجهولة نسبيًا للأوروبيين. لم تكن تلك الرحلات مجرد حملات سياسية أو جغرافية، بل تعدّت ذلك إلى توثيق مختلف جوانب الحياة في الجزيرة، بما في ذلك الحياة الأدبية والثقافية. وقد أثمرت كتابات هؤلاء المستكشفين عن تسجيلات ثمينة للشعر القصصي والنبطي، والحكايات الشفوية، والعادات الثقافية التي ربما لم تكن لتُعرف لولا جهودهم . في هذا التقرير نستعرض أبرز هؤلاء المستشرقين من جنسيات مختلفة (بريطانية، فرنسية، ألمانية وغيرها)، ودورهم في توثيق الحياة الأدبية في الجزيرة العربية، وأنواع المصادر التي خلفوها (كتب، رسائل، رسوم توضيحية، يوميات، إلخ)، كما نقدم جدولًا منظمًا لأسمائهم وتواريخ زياراتهم وأهم أعمالهم وملاحظاتهم حول الأدب والشعر والقصص، مع تحليل موجز لأهمية ما قدموه وتأثيره على الدراسات الأدبية اللاحقة.



تنوع الجنسيات والدوافع


رحالة ومستشرقون من بريطانيا

برز البريطانيون ضمن أكثر الرحالة توثيقًا لأحوال الجزيرة العربية في القرن الـ19 ومطلع القرن الـ20. ريتشارد فرانسيس برتون (Richard F. Burton) كان من أوائلهم؛ فقد قام برحلة خطيرة إلى الحجاز متنكرًا بهيئة حاج مسلم عام 1853م . دوَّن بيرتون في كتابه «رحلة إلى مكة والمدينة» تفاصيل غنية عن الحياة في المدينتين المقدستين، بما في ذلك وصفه للطقوس والمناسبات الثقافية. ومن الأمثلة الشهيرة ما نقله عن مشاهدته رقصة الحرب الشعبية (العرضة) في المدينة المنورة، حيث وصف مجموعة من شيوخ القبائل يؤدون رقصاتهم بالسيوف والبنادق على إيقاع الأناشيد الحماسية. كذلك كان بيرتون شغوفًا بالأدب العربي، مما قاده لاحقًا إلى ترجمة «ألف ليلة وليلة» إلى الإنجليزية، مسهمًا في تعريف الغرب بالتراث القصصي العربي.


من الرحالة البريطانيين أيضًا وليم جيفورد بالغريف (W. G. Palgrave) الذي جاب نجد والأحساء متخفيًا عام 1862–1863م. في كتابه «رحلة سنة في قلب وأطراف الجزيرة العربية» سجّل بالغريف انطباعات ثرية عن ثقافة أهل نجد والأحساء، وأشار إلى ولع السكان بالشعر الشعبي (النبطي)، إذ وصف سكان الهفوف بأنهم «مولعون بالشعر إلى حدٍ كبير». ولم يكتفِ بالملاحظة، بل حاول فهم أوزان الشعر النبطي ومقارنته بالشعر العربي الفصيح، فكان من أوائل من لفتوا الانتباه أكاديميًا إلى خصوصية هذا اللون الشعري المحلي .


أما تشارلز مونتو داوتي (Charles M. Doughty)، المستكشف والشاعر الإنجليزي، فقد أمضى عامين (1876–1878م) متجولًا في صحراء النفود وبين قبائل شمال نجد. تميّز داوتي في كتابه الشهير «رحلات في صحراء العرب» (1888م) بأسلوبه الأدبي الرفيع ووصفه الدقيق لحياة البدو اليومية. لم يكن داوتي مجرد مراقب سطحي؛ بل عاش مع العرب وشاركهم معاشهم، وسجّل قصصهم وأشعارهم وأمثالهم في كتابه بلغة أقرب ما تكون إلى سرد روائي. وقد تضمّن الكتاب نصوصًا لبعض القصائد البدوية التي سمعها، مما جعله مرجعًا هامًا لاحقًا لفهم الأدب الشفهي النجدي في القرن 19. هذا التوثيق المفصّل للحياة والثقافة جعل من عمل داوتي مصدرًا لا غنى عنه للباحثين في تاريخ المنطقة وأدبها الشعبي.


شهدت نهاية القرن الـ19 وبداية الـ20 قدوم شخصيات بريطانية أخرى إلى عمق الجزيرة. الليدي آن بلنت (Lady Anne Blunt) وصلت إلى حائل عام 1879م بصحبة زوجها الشاعر والدبلوماسي ويلفريد بلنت. أرّخت الليدي آن رحلتها في يوميات نشرتها بعنوان «رحلة إلى نجد»، وصفت فيها مجلس أمير حائل ومظاهر الحياة الاجتماعية هناك، بما في ذلك استقبال الشعراء الشعبيين في بلاط ابن رشيد (أمير حائل آنذاك) وإنشاد القصائد أمامه. وفي أوائل القرن الـ20، ظهرت جيرترود بيل (Gertrude Bell) كرحّالة بريطانية بارزة؛ فقد زارت حائل عام 1914م ودوّنت يوميات ورسائل تفصيلية عن مشاهداتها، مسلطةً الضوء على دور المرأة في المجتمع النجدي وعلى العادات والثقافة المحلية في تلك الفترة.


كذلك لا يمكن إغفال هاري سانت جون فيلبي (Harry St. John Philby) المعروف أيضًا باسمه العربي عبد الله فيلبي، والذي جال في ربوع الجزيرة العربية من عام 1917م وما بعده. عاش فيلبي سنوات طويلة في خدمة حاكم نجد عبد العزيز آل سعود، ووثق ذلك في مؤلفاته مثل «قلب الجزيرة العربية» (1922م) و«الربع الخالي» وغيرها. امتازت كتاباته بسعة المعلومات عن الأنساب والأشعار والتقاليد، إذ نقل الكثير من الروايات الشفوية عن تاريخ نجد وأخبار شعرائها الشعبيين. كانت ملاحظاته بمنزلة جسر ربط بين الموروث الشفهي النجدي والدراسات الحديثة، وأسهمت في فهم البيئة الثقافية التي سبقت تأسيس المملكة العربية السعودية .


رحالة ومستشرقون من فرنسا وإيطاليا ودول أوروبية أخرى


لم يقتصر استكشاف الجزيرة على البريطانيين؛ فالفرنسيون والألمان وغيرهم كان لهم دور مهم أيضًا. كارستن نيبور (Carsten Niebuhr) الألماني الذي قادته بعثة دنماركية علمية إلى اليمن وأجزاء من الجزيرة (1762–1767م)، يعتبر من أوائل المستكشفين الأوروبيين في عصر الدولة السعودية الأولى. قدّم نيبور أول وصف علمي شامل للجزيرة في كتابه «وصف الجزيرة العربية» (1772م). تضمّن هذا العمل خرائط تفصيلية رسمها بنفسه لبعض المناطق في نجد والحجاز والأحساء، وكانت أدق ما رسم للجزيرة في حينه. كما سجّل نيبور انطباعاته عن أحوال سكان الجزيرة وأخلاقهم، وعبّر عن إعجابه بقيمهم الاجتماعية، وقد نقل كثيرًا مما سمعه من رواياتهم الشفوية وأخبارهم المحلية مدونًا إياها قبل أن تضيع. تُعد كتابات نيبور أساسًا مهمًا اعتمد عليه الرحالة الذين جاؤوا بعده لفهم طبيعة البلاد وسكانها.


في أوائل القرن الـ19 وصل المستشرق السويسري يوهان لويس بوركهارت (المعروف أيضًا باسم الشيخ إبراهيم) إلى الحجاز عام 1814م. أقام بوركهارت في مكة والمدينة متخفيًا لبعض الوقت، وتعلم اللغة والعادات المحلية. نشر بعد وفاته كتابيه «رحلات في شبه الجزيرة العربية» و«ملاحظات عن البدو والوهابيين» (1830م)، وقد احتوى الأخير على كنز من المعلومات حول المجتمع البدوي في الجزيرة. تميّز بوركهارت بإلمامه الجيد بالعربية وفهمه للموسيقى والشعر، ما مكنه من تسجيل تقاليد السمر والمجالس البدوية بدقة غير مسبوقة. فهو يصف – على سبيل المثال – تجمع النساء ليلًا في البادية لإنشاد الأغاني في حفلات الأفراح، حيث ينقسمن إلى جوقتين ترددان الغناء بالتناوب فيما يعرف محليًا بـ«السُّمرة». وقد اعتُبر بوركهارت في الدراسات الحديثة من أثمن المصادر الغربية حول الشعر والغناء الشعبي في الجزيرة العربية خلال تلك الفترة .


من المستشرقين الأوروبيين الأوائل الذين اهتموا باللهجات والأدب الشعبي في الجزيرة، الرحالة الفنلندي جورج أوغست فالين (Georg August Wallin) الذي زار نجد وجبل شمر مرتين في 1845 و1848م. كان فالين باحثًا لغويًا درس الفروق بين العربية الفصحى واللهجات المحلية، وتعلم القرآن الكريم وعلوم الدين في الأزهر قبل قدومه للجزيرة. سافر متخفيًا باسم عبد الولي الطبيب، واستطاع خلال رحلاته جمع مادة غزيرة من الفلكلور واللهجات، بما في ذلك عينات من الشعر النبطي قام بتدوينها. لم تتوقف جهود فالين عند الجمع، بل نشر نماذج مما جمعه من القصائد النبطية في دورية الجمعية الجغرافية الملكية بلندن عام 1851م، ليكون بذلك من أوائل من عرّف أوروبا بهذا اللون الشعري البدوي الذي لم يكن معروفًا خارج نطاق الجزيرة آنذاك.


شهد منتصف القرن الـ19 قدوم مستشرقين فرنسيين وإيطاليين أيضًا. من أبرزهم كارلو غوارماني (Carlo Guarmani) الإيطالي الذي قام برحلة إلى نجد الشمالية عام 1864م بتكليف لشراء خيول عربية أصيلة. دوّن غوارماني مشاهداته في كتاب بالفرنسية نُشر لاحقًا بعنوان «رحلة إلى نجد»، تناول فيه وصف القبائل البدوية التي عايشها وعاداتها وتراثها، كما تطرّق إلى بعض القصص والأساطير المتداولة بين فرسان البادية آنذاك. كذلك جاء شارل هوبر (Charles Huber) الفرنسي في رحلتين إلى شمال نجد (1878 و1883م)، مهتمًا بالآثار القديمة والنقوش، لكنه أيضًا ترك يوميات قيّمة عن أحوال بلدة حائل ومجتمعها في أواخر القرن التاسع عشر. خلال إحدى رحلاته، اصطحب هوبر المستشرق الألماني يوليوس أويتنج (Julius Euting) الذي كان عالمًا بالنقوش السامية؛ وقد سجّل أويتنج يوميات مفصلة عن الرحلة عام 1883م، تضمنت مشاهداته للحياة اليومية في بادية الشمال، ودوّن انطباعاته عن شعراء البادية الذين التقاهم وعن اللهجات التي سمعها . أما إدوارد نولده (Eduard Nolde) الروسي (اللاتفي الأصل)، فقد زار حائل عام 1893م مبعوثًا من قيصر روسيا، وخلال إقامته القصيرة اهتم بجمع بعض الروايات الشعبية عن تاريخ إمارة حائل، مسجلًا إياها في تقرير رحلته الذي تُرجم لاحقًا.


ومن الشخصيات النمساوية-المجرية البارزة، ألويس موزيل (Alois Musil) التشيكي، الذي جاب شمال الجزيرة وبادية الشام بين 1908 و1915م. عاش موزيل مع قبائل الرُّوَلة وبني صخر فترة طويلة وشاركهم حياتهم، مما خوّله لإنتاج سلسلة مؤلفات أنثروبولوجية عن عاداتهم وشعرهم وأمثالهم الشعبية. في كتابه “Manners and Customs of the Rwala Bedouins” (1928م) قدم وصفًا إثنوغرافيًا دقيقًا يتضمن إشارات إلى مكانة الشعراء في القبيلة وأسلوب سرد القصص في الخيام البدوية.



مستشرقون من هولندا ودول أخرى


كان لدول أوروبية أخرى نصيب في استكشاف الجزيرة. المستشرق الهولندي كريستيان سنوك هرخرونيه (Christiaan Snouck Hurgronje) يُعد مثالًا لافتًا، إذ أقام في جدة عام 1884م متنكرًا بصفة طالب مسلم اعتنق الإسلام، واتخذ اسم «عبد الغفار» . نجح سنوك في دخول مكة المكرمة وقضاء عدة أشهر فيها (1885م)، حيث درس على أيدي علماء الحرم، وتعمّق في الحياة الاجتماعية والدينية هناك . تمكن هذا المستشرق بفضل إتقانه للعربية ومهارته البحثية من جمع كم كبير من المعلومات عن المجتمع المكي وثقافته في أواخر القرن التاسع عشر . وقد ألف بعد عودته كتابه الشهير «صفحات من تاريخ مكة» الذي يُعد أول دراسة إثنوغرافية حديثة عن مكة، مدعومة بصور فوتوغرافية التقط بعضها بنفسه وبعضها عبر تلميذه الطبيب المكي عبد الغفار . وثّق سنوك في كتابه جوانب من الحياة الأدبية في مكة، مثل مجالس العلماء وطرق التعليم والحلقات التي يُنشد فيها المدائح والأشعار الدينية، مسلطًا الضوء على التنوع الثقافي في مجتمع المدينة المقدسة في تلك الحقبة .


إلى جانب سنوك، برز اسم المستشرق الأمريكي بايرد تايلور (Bayard Taylor) – وهو شاعر ومترجم – الذي لم يقم برحلة عميقة في الجزيرة لكنه جمع ووثّق قصص ورحلات من سبقه من المستكشفين. في 1872م نشر تايلور كتاب «رحلات في الجزيرة العربية» حيث لخّص أهم ما دوّنه الرحالة الأوروبيون حتى ذلك التاريخ عن المنطقة . ومن المثير للاهتمام أن تايلور خصص الفصل الأكبر من كتابه لرحلة بالغريف في نجد نظرًا لانبهاره بغزارة ما قدّمه الأخير من وصف للحياة العربية . وهذا دليل على مدى اهتمام الأوساط الأدبية والعلمية الغربية آنذاك بما ينقله الرحالة عن أدب الجزيرة وثقافتها.


وأخيرًا، شهد مطلع ثلاثينيات القرن العشرين آخر المغامرات الاستشكافية الكلاسيكية في الجزيرة مع الرحالة البريطاني برترام توماس (Bertram Thomas). كان توماس أول أوروبي يعبر صحراء الربع الخالي عام 1930م، ووثق ذلك في كتاب «العربية السعيدة» (1932م). وعلى الرغم من أن تركيزه كان جغرافيًا، إلا أنه سجل أيضًا مرويات البدو الذين رافقوه، بما فيها بعض الحكايات والأساطير المحلية التي سمعها أثناء الاستراحة ليلاً حول مواقد النار، مما أضاف بُعدًا قصصيًا شيقًا إلى سرد رحلته.


أنواع التوثيق التي اعتمدها الرحالة


تنوعت المواد التي خلفها هؤلاء المستشرقون في توثيقهم للحياة الأدبية والثقافية في الجزيرة، وشملت عدة أشكال:


  • كتب ومؤلفات مطبوعة: معظم الرحالة نشروا كتبًا تفصيلية عن رحلاتهم. امتازت هذه الكتب بأسلوب السرد الأدبي أحيانًا (كما في حالة داوتي وبلنت) وبالمنهجية العلمية أحيانًا أخرى (كما لدى نيبور وسنوك). احتوت هذه الكتب على نصوص من الأشعار والأمثال والأخبار الشفوية التي جمعوها. مثلًا، تضمن كتاب بوركهارت نشرًا لمقتطفات من أغاني الحداء الصحراوية وأهازيج الحج التي سمعها، وضمّ كتاب بالغريف مقارنات بين أبيات من الشعر النبطي ونظيراتها من الشعر الجاهلي العربي.

  • اليوميات والرسائل الشخصية: دوّن بعض المستكشفين مذكراتهم اليومية ورسائلهم لأصدقائهم أو لجهات داعمة لرحلاتهم، والتي نُشرت لاحقًا. هذه اليوميات غنية بالتفاصيل العفوية عن المجالس الأدبية واللقاءات مع الشعراء والرواة. فعلى سبيل المثال، كشفت رسائل جيرترود بيل عن وصفها لجلسات السمر في بيوت شيوخ حائل وحواراتها مع نساء البادية عن القصص الشعبية. وكذلك يوميات والين وفّرت مادة خام عن جلسات الإنشاد في مضارب البدو.

  • المقالات العلمية والتقارير: قام بعض المستشرقين بنشر أبحاث قصيرة أو تقارير في دوريات علمية وجغرافية عن اكتشافاتهم الثقافية. فجورج والين، كما أسلفنا، نشر في مجلة الجمعية الجغرافية الملكية بلندن (عام 1851) نماذج من الشعر النبطي الذي جمعه ، وكتب المستشرق الفرنسي لويس ماسينيون في أوائل القرن الـ20 دراسات عن التصوف في الحجاز اعتمادًا على ما نقله الرحالة قبله. هذه المنشورات المتخصصة ساعدت في لفت انتباه الأكاديميين إلى الأدب الشفهي في الجزيرة.

  • الرسوم واللوحات التوضيحية: كثير من الرحالة كانوا مولعين بالرسم أو رافقهم رسامون في الرحلة. أنتجوا رسومًا تخطيطية وصورًا للأزياء والمشاهد الثقافية. كارستن نيبور مثلًا رسم عدة مشاهد من الأسواق والمجالس في اليمن والحجاز في ستينيات القرن الـ18 (نُشرت ضمن كتابه)، كما رسم المستشرق الإيطالي غوارماني لوحات للفرسان والخيام البدوية. ومع اختراع التصوير الفوتوغرافي في أواخر القرن الـ19، استُخدمت الكاميرا لتوثيق الحياة اليومية: سنوك هرخرونيه التقط صورًا لأهالي مكة ومظاهر الحج ، والكابتن شكسبير (مستشار ابن سعود البريطاني) التقط صورًا للأماكن والقبائل في وسط الجزيرة حوالي 1911م. تلك الصور والرسوم تعتبر توثيقًا بصريًا فريدًا يكمل الوصف المكتوب للأجواء الثقافية.

  • جمع المخطوطات والقصص الشفوية: إلى جانب مراقبة الأدب الحي، سعى بعض المستشرقين لجمع نصوص أدبية مكتوبة من أرض الجزيرة. فمثلاً، بحث المستشرق الفرنسي شارل هوبر عن القصائد العربية القديمة المنقوشة على الصخور (وعثر على نقش النابغة الذبياني الشهير في تيماء). كما جمع جوزيف هاليفي خلال رحلته إلى اليمن (1870م) مخطوطات عربية عبرية وقصصًا شعبية من يهود اليمن. هذه الجهود حفزت لاحقًا دراسات تاريخ الأدب العربي في موطنه الأصلي.



قائمة أبرز المستشرقين الأوروبيين (1727–1932) وأعمالهم


فيما يلي انفوجرافيك يلخّص قائمة منظمة بأهم الرحالة والمستشرقين الأوروبيين الذين زاروا الجزيرة العربية خلال الفترة 1762–1930، مع ذكر جنسياتهم، وفترات زيارتهم، وأبرز ما وثقوه من أدب وشعر وقصص في المنطقة:


ملاحظة: القائمة أعلاه ليست شاملة لكل الرحالة في الفترة المحددة، لكنها تضم أبرز الأسماء التي كان لتوثيقاتها تأثير ملحوظ في سجل الحياة الأدبية للجزيرة العربية. وقد تعددت جنسيات هؤلاء المستشرقين بين البريطانية والفرنسية والألمانية والإيطالية والهولندية والروسية والتشيكية وغيرها ، مما يعكس اهتمامًا أوروبيًا واسع النطاق بارض الجزيرة وثقافتها خلال تلك القرون.



أهمية توثيقات المستشرقين وتأثيرها اللاحق


أدى ما وثقه الرحالة والمستشرقون الأوروبيون عن الأدب والثقافة في جزيرة العرب إلى نتائج بعيدة المدى في الدراسات اللاحقة، سواء في الشرق أو الغرب. فقد حفظت كتاباتهم نصوصًا شفوية ومظاهر ثقافية ربما كانت ستندثر لولا تدوينها. على سبيل المثال، بفضل نشر والين وبالغريف وبوركهارت لنماذج من الشعر النبطي وأوصاف مجالس إنشاده، تنبّه الباحثون العرب والأجانب في القرن العشرين إلى قيمة هذا الشعر بوصفه سجلًّا حيًا لتاريخ القبائل ومرآة لعواطف الناس في الجزيرة . بل إن بعض الباحثين المعاصرين اعتمدوا على روايات الرحالة لفهم أوزان الشعر العامي وأساليبه قبل أن يبدأ تدوينه المنتظم محليًا في العقود اللاحقة.


إلى جانب الشعر، حفظت يوميات الرحالة كنوزًا من القصص الشعبية والأساطير المحلية. كثير من هذه القصص لم تكن مدوّنة في كتب عربية خلال تلك الفترة، فجاء المستشرقون وكتبوها بلغاتهم ثم تُرجمت للعربية فيما بعد. وهكذا صار بالإمكان لدارسي الأدب الشعبي العربي أن يتتبعوا تطور الحكاية الخرافية أو الملحمة القبلية عبر ما سجله الأوروبيون مقارنةً بما يرويه الرواة اليوم. ومثال على ذلك، قصص بطولات القبائل في شمال الجزيرة التي ذكرها داوتي وموزيل، ساعدت الباحثين على ربطها بالشعر الشفهي القديم وبأشعار المعلقات الجاهلية من حيث المضامين والتقاليد السردية.


علاوة على ذلك، فإن نشر المستشرقين لرحلاتهم أثار اهتمام الأدباء العرب أنفسهم في مطلع القرن العشرين بما تحويه ثقافتهم المحلية من ثراء. فبعض أعلام النهضة العربية قرؤوا أعمال أمثال بيرتون وبالغريفوسنوك هرخرونيه، وأدركوا قيمة الأدب الشعبي والتراث غير المكتوب . وقد ساهم ذلك في ظهور دراسات عربية مبكرة عن الشعر النبطي واللهجات (مثل كتاب خالد الفرج عن الأدب الشعبي النجدي في الأربعينيات) استقت مادتها جزئيًا مما نقله المستشرقون، سواء مباشرة أو عبر الترجمات.


من جهة أخرى، تركت الأساليب الوصفية لهؤلاء الرحالة أثراً في منهجية البحث الميداني. فمثلاً، النهج الذي اتبعه بوركهارت في معايشة المجتمع المحلي وتعلم لغته قبل التدوين أصبح نموذجًا يُحتذى لدى الأنثروبولوجيين اللاحقين في دراسات المجتمعات البدوية . وكذلك دقة داوتي في تسجيل التفاصيل الإثنوغرافية شكلت مرجعًا اعتمد عليه عالم مثل ت. إ. لورنس (لورنس العرب) الذي أشاد بداوتي وتأثر به . هذا التأثير يظهر في احتفاء لورنس بشعر القبائل في كتابه «أعمدة الحكمة السبعة» حيث ضمنه ترجمة لبعض الأبيات البدوية، تأثرًا بما قرأه من أعمال سابقيه.


في المحصلة، يمكن القول إن ما قدمه المستشرقون الأوروبيون من توثيق للحياة الأدبية في جزيرة العرب بين 1727 و1932م كان حجر الأساس للكثير من الدراسات الأدبية والتاريخية الحديثة. لقد سدّوا فجوة في السجل التاريخي بحكم أن التأريخ المحلي لتلك الفترة كان ضعيفًا أو مفقودًا، فنقلوا صورة حية لمجتمع شفاهي حافظ على تقاليده عبر الشعر والقصص . وبالرغم مما يشوب كتابات بعضهم أحيانًا من منظور استشراقي أو أحكام متسرعة، فإن القيمة العلمية لما جمعوه من نصوص ومشاهدات لا تُقدّر بثمن. فلا تزال أعمالهم حتى اليوم مراجع أساسية يستعين بها الباحثون لفهم تطور الأدب والثقافة في شبه الجزيرة، ولإعادة إحياء التراث الشفهي والأدبي لأبناء المنطقة.


المصادر: تم الاعتماد على ما دوّنه الرحالة أنفسهم في كتبهم ورسائلهم، إضافة إلى دراسات حديثة حللت تلك الرحلات، ومنها مكتبة الكونغرس ، ومقالات أكاديمية حول الشعر النبطي ، وبحوث بالعربية تناولت أخبار الرحالة الأوروبيين في الجزيرة ، إضافة إلى ما ورد في الصحافة التاريخية عن مستشرقين مثل سنوك هرخرونيه وغيرهم. هذه المصادر مجتمعة توضح الدور الجوهري الذي أداه أولئك المستكشفون في توثيق الحياة الأدبية بجزيرة العرب خلال حقبة مفصلية من تاريخها.



 
 
 

تعليقات


bottom of page