الملف الأدبي: محمد الشقّحاء
- أحمد المطلق

- 9 أكتوبر 2025
- 4 دقيقة قراءة
تاريخ التحديث: 17 أكتوبر 2025

وُلد الأديب والقاص محمد بن منصور الشقّحاء في منتصف القرن العشرين، في بيئةٍ تنقّل فيها بين الجنوب والحجاز؛ فقد والده وهو في الثانية من عمره، فربّته والدته في بلاد عسير، وعاش طفولته بين رجال ألمع وجازان والقنفذة وأبي عريش قبل أن ينتقل إلى الطائف، حيث استقرّ لاحقًا وأصبح من رموزها الأدبية. عاش انقطاعًا طويلًا عن أسرته في القصيم حتى زار بريدة لأول مرة وهو في الخامسة والأربعين من عمره عام 1400هـ، وكانت تلك الرحلة بمثابة عودة إلى الجذور بعد انقطاعٍ غامضٍ لم يعرف أسبابه. بعد تقاعده، استقرّ في مدينة الرياض حيث يقضي وقته بين القراءة والكتابة.
الهوية الأدبية والفنية
محمد الشقّحاء من أوائل كتّاب القصة القصيرة في السعودية، وتتميّز نصوصه بعمق إنساني واجتماعي. تتكرر في أعماله ثيمات الطفولة والفقر والموت، وهي انعكاس لتجربته الشخصية التي حفرت في ذاكرته مشاهد الفقد والحنين. يرى أن الكتابة ليست مهنة بل حالة علاجية وضرورة نفسية، يقول:
«الكتابة علاج… شريك للروح، إذا ما كتبت أحسّ أني تعبان، ويجب أن أكتب.»
يُعرف بأسلوبه البسيط الذي يشبه «حكواتي المقاهي»، لكنه في الوقت نفسه يحمل بنية فنية متماسكة توازن بين الحدث والحالة. لغته شفافة، شخصياته مأخوذة من الواقع، وغالبًا ما يلتقط تفاصيل الحياة اليومية ليحوّلها إلى قصصٍ نابضة بالصدق والعفوية. في رؤيته للمرأة، لا يتحدث عن مساواةٍ شكلية بل عن شراكةٍ إنسانية، متأثرًا بوالدته التي ربّته وكافحت لأجله، فيقول:
«هذا وفاء لوالدتي رحمها الله، لأنها قاومت لتجعلني أعيش حياة كريمة، كانت ترى الرجل سيدًا والمَرأة يجب أن تُطاع، لكنها كانت تتمرد على هذا الواقع بصمتٍ شجاع، فأردت أن أكتب عنها.»
دوره في المشهد الأدبي والثقافي
شارك الشقّحاء في تأسيس نادي الطائف الأدبي في سبعينيات القرن العشرين، وكان من أصغر المؤسسين سنًّا إذ لم يتجاوز الثامنة والعشرين. تولّى العمل كسكرتير للنادي وساهم في تنظيم أمسياته ونشر إصداراته الأولى. كان ضمن الجيل الذي واكب ولادة الأندية الأدبية في المملكة، بعد لقاء الأمير فيصل بن فهد رحمه الله مع مجموعة من الأدباء في جدة ومكة وجازان والمدينة، والذي نتج عنه قرار إنشاء خمسة أندية أدبية، وكان نادي الطائف أحدها. عن تلك المرحلة قال:
«اجتمعنا أحد عشر اسمًا من المعلمين والإعلاميين في مطابع الزايدي بالطائف، وكلّفنا الأستاذ حماد الزيد برقيةٍ للأمير فيصل بن فهد للمطالبة بإنشاء نادٍ أدبي أسوة ببقية المدن، وبعد خمسة أشهر صدرت الموافقة، فكان نادي الطائف الأدبي مولودنا الأول.»
من خلال النادي، رعى جيلًا من الأدباء والكاتبات، وفتح أبوابه أمام الجميع دون تمييز، وكان حريصًا على أن يكون النادي «بيتًا للمدينة» لا لأشخاصٍ بعينهم.
محطات من حياته الأدبية
«البحث عن ابتسامة» (1396هـ / 1976م): أول مجموعة قصصية يصدرها نادٍ أدبي في المملكة، وأول إنتاج رسمي لنادي الطائف الأدبي. احتفى بها الأمير فيصل بن فهد، ووزعها على شخصيات رسمية ووزراء، واعتبرها ثمرة مبكرة لحراك الأندية الأدبية.
أعيد طبع المجموعة أكثر من مرة، ونفدت طبعاتها الأولى بسبب الإقبال عليها رغم ما شابها من أخطاء مطبعية في بداياتها.
أصدر بعد ذلك أكثر من ثلاثين مجموعة قصصية، وأدرجت نصوصه في مناهج تعليمية ودُرست في رسائل أكاديمية داخل المملكة وخارجها.
شارك في أمسيات المهرجان الوطني للجنادرية، وأثار جدلًا بنصه «اللقاء» الذي ناقش فكرة الشخصية الاعتبارية وما وراء الصورة العامة.
خاض تجربة النشر الإلكتروني عام 2020 عبر منصات رقمية عربية، معتبرًا ذلك «تحديًا جديدًا» ومجالًا لتواصل مباشر مع القراء.
رؤيته للأدب والنقد
في لقائه في برنامج ”وينك“، عبّر عن فلسفته في الكتابة بقوله:
«أنا لا أكتب عن الجسد بل عن الإنسان… العلاقة بين الرجل والمرأة عندي إنسانية، الأم والأخت والزوجة، وليست علاقة رغبة، بل علاقة بناء للحياة.»
وعن النقد قال:
«احترمت نفسي، فلم أردّ على من هاجمني أو تطاول عليّ. الكتاب إذا نُشر صار ملكًا للناس، ومن حقهم أن يقولوا ما يشاؤون.
في لقاءٍ تكريميٍّ أقيم في قيصرية الكتاب بالرياض ، تحدّث الشقّحاء مطولًا عن تجربته مع مجموعته الأولى البحث عن ابتسامة، التي وُلدت من كتاباتٍ متفرقة — خواطر ومقامات وأخبار صحفية — ثم جمعت وصيغت في قالب قصصي، وقال عنها:
«لم تكن وليدة صدفة، بل ثمرة عشر سنوات من الكتابة المتنوعة… جمعتُها بصدق، فكانت فاتحة خير لي وللقصة السعودية.»
روى أن الكتاب صدر بجهود جماعية من أعضاء النادي، وطُبع على نفقة النادي وبيعت نسخه لتكون دعمًا لأنشطته، وأضاف:
«أعدنا طباعة الكتاب لاحقًا في نادي القصيم الأدبي عام 1428هـ، وكنت أفرح بالنقد مهما كان جارحًا، لأنني أرى في النقد حياةً للنص، لا موته.»
كما ناقش تجربته مع وسائل التواصل، خاصة الفيسبوك، فقال:
«الفيسبوك صار دفتر يومياتي، أكتب ما يخطر ببالي متى ما استيقظت… أقرأ التعليقات فأضحك وأتعلّم وأكتشف أخطائي. هذه المتابعة الفورية أجمل من أي جائزة.»
وختم اللقاء بقوله عن الكتابة والذات:
«القصّة أعطتني راحتي النفسية، شعورًا بالقضاء والسكينة… حين لا أكتب، أفقد خير الحبّ في حياتي.»
يرى الشقّحاء أن الأدب يواجه تحديًا جديدًا مع الذكاء الاصطناعي، مشيرًا إلى أن التقنية باتت قادرة على توليد القصص والرسومات خلال دقائق، لكنه يؤمن أن «الروح الإنسانية في السرد لا يمكن استنساخها»، إذ يقول:
«في ثلاث دقائق يمكن لأي برنامج أن يكتب قصة، لكن لا أحد يستطيع أن يكتب الإحساس.»
مختصر اللقائين
يجمع لقاؤاه في برنامج وينك وقيصرية الكتاب بين السيرة الإنسانية والسيرة الأدبية:
في الأول، كان صوت الذاكرة — يتأمل طفولته اليتيمة وانقطاعه عن أهله، ويستعيد علاقته بالمدن التي شكّلته: عسير، الطائف، الرياض، وبريدة التي عاد إليها متأخرًا.
وفي الثاني، كان صوت التجربة — يستعيد الكتاب الأول ويقرأ مسيرته الممتدة نصف قرن، يتحدث عن الأصدقاء، والنقد، والنشر الإلكتروني، والمستقبل السردي.
بين اللقاءين يتكوّن محمد المنصور الشقّحاء كاتبًا وإنسانًا:
رجلٌ جمع بين البساطة والعمق، بين الحنين والواقعية، بين وفائه لأمه، ووفائه للكتابة التي ظلّ يراها علاجًا وسكينةً لا غنى عنها.
«أكتب لأنني لو لم أكتب، لمتُ اختناقًا… الكتابة عندي ليست مهنة، إنها شهيق الحياة.
.png)



تعليقات