top of page

الملف الأدبي: صغير العنزي


الدكتور صغير بن غريب العنزي أكاديمي سعودي متخصص في الأدب العربي والنقد الثقافي. يعمل أستاذًا بجامعة الحدود الشمالية حيث تدرّج في السلك الأكاديمي حتى نال رتبة أستاذ مشارك في تخصّص اللغة العربية عام 2021. بدأ مسيرته التعليمية متجاوزًا عقبات مالية وظروفًا صعبة؛ فقد اضطر خلال دراسته للعمل بدوام جزئي وأتمّ المرحلة الثانوية والبكالوريوس منتسبًا أثناء عمله في إدارة الأوقاف بمنطقة الحدود الشمالية. حصل العنزي على درجة الدكتوراه بامتياز في اللغة العربية، ونالت أطروحته العلمية توصية بطباعتها وتبادلها بين الجامعات تقديرًا لأهميتها. وقد ساهم دعم أساتذته في الجامعة – ومنهم د. عبدالله المعطاني نائب رئيس مجلس الشورى السابق – في تعيينه معيدًا جامعيًا وانطلاقه في المجال الأكاديمي. إلى جانب عمله الأكاديمي، شغل الدكتور صغير العنزي منصب مدير المكتب الإقليمي لصحيفة الرياض بمنطقة الحدود الشمالية خلال فترة من مسيرته، مما أكسبه خبرة في الصحافة الثقافية. هذا المزج بين التعليم والصحافة صقل تجربته وأسهم في بروزه كشخصية أدبية في منطقته.


الهوية الأدبية والنقدية

يتّسم الدكتور صغير العنزي بهوية أدبية ونقدية مميزة قوامها المزج بين التراث والنقد الثقافي الحديث. فهو متخصص في الأدب العربي قديمه وحديثه، لكنه يولي اهتمامًا خاصًا للنقد الثقافي ومساءلة الموروث الاجتماعي في النصوص الأدبية. يركز في دراساته على كشف أنساق الهيمنة والخطابات المضمرة في الثقافة العربية التقليدية، خاصة تجاه الفئات المهمّشة كالمرأة. يقول عن نفسه إنه معنيٌّ بـ«أدب المُهمَّشين» وإبراز الأصوات المخفية فيه كسبيل لكشف الأوهام الراسخة في العقول. أسلوبه النقدي يتبنّى رؤية تحررية معتدلة؛ فهو ينتقد مظاهر التطرّف كافة ويدعو إلى قراءة العقل العربي قراءة موضوعية ناقدة. فعلى سبيل المثال، يهتم الدكتور العنزي بقضايا المرأة ويعدّ موقف الثقافة التقليدية منها «مأساة» وصورة من أبشع صور الاستعمار والسلب، إلا أنه في الوقت ذاته ينتقد النسوية المتطرفة باعتباره يرفض أي فكر متشدّد. هذه المفارقة تعبّر عن منهجه الوسطي؛ إذ يدافع عن حقوق المرأة وإنسانيتها، لكنه ينبذ المغالاة في الطرح، مؤكدًا أنه يرفض التطرف أيًّا كان مصدره. وفي أحد حواراته الثقافية، اعترف بأنه رغم انشغاله لأكثر من عقدين بقضايا المهمشين لم ينتبه لقضية المرأة إلا متأخرًا ويشعر بتقصيره في نصرتها، حتى وصف نفسه بأنه «متواطئ ضد المرأة» من حيث لا يقصد. يعكس هذا النقد الذاتي جرأته في مراجعة مواقفه. بشكل عام، تتسم كتاباته بلغة عربية فصحى رصينة تجمع بين عمق التحليل النظري وسلاسة الأسلوب الأدبي، مما يجعل طرحه قريبًا لكل من المتخصصين وعامة القراء.


دوره في المشهد الأدبي والثقافي

يُعد الدكتور صغير العنزي شخصية فاعلة في المشهد الثقافي في منطقة الحدود الشمالية وعلى مستوى المملكة. شارك في تأسيس الحراك الأدبي في عرعر منذ بداياته الحديثة، حيث اُختير عضوًا في مجلس إدارة النادي الأدبي الثقافي بمنطقة الحدود الشمالية منذ دورته الأولى تقديرًا لنشاطه الأدبي. وقد نشط النادي تحت مظلة وزارة الثقافة في تنظيم أمسيات شعرية ونقدية ومسابقات أدبية لتنشيط الحراك الثقافي بالمنطقة. أسهم العنزي عبر محاضرات وأمسيات عديدة في إثراء الفعاليات الأدبية: فمثلاً في يوم الشعر العالمي 2017 قدّم أمسية بالنادي الأدبي بعنوان «الشعر والسلطة بين ابن رشيق والغذامي» تناول فيها علاقة الخطاب الشعري بالسلطة الثقافية قديمًا وحديثًا. وفي هذه المحاضرة استحضر رؤى نقاد معاصرين كـرولان بارت وفان دايك والغذّامي لمحاورة أطروحات التراث النقدي القديم (مثل ابن رشيق) حول هيمنة الشعر، مبينًا أنّ الخطاب الأدبي يحمل سلطة كامنة تؤثر في وعي المجتمع. تكررت مشاركاته في أمسيات النادي، سواء محاضرًا أو مديرًا للحوارات. وإلى جانب نشاطه المحلي، وُجهت له دعوات على المستوى الوطني: فقد استضافته وزارة الثقافة ومبادرة الشريك الأدبي لإقامة فعاليات أدبية في الرياض ومدن أخرى. من أمثلة ذلك تقديمه قراءة نقدية بعنوان «حبّ أم حرب؟ قراءة في غزل نزار قباني» في مقهى أدب بالرياض مطلع 2025، عارضًا منظورًا جديدًا لمفهوم الحب في شعر قباني وربطه بدلالات الصراع. كما ألقى محاضرة بدعوة من كرسي غازي القصيبي للدراسات الثقافية في جامعة اليمامة بالرياض (مارس 2023) حول «المرأة في التراث العربي: الأمثال نموذجًا»، ركّز فيها على الصورة النمطية للمرأة في الأمثال الشعبية وتطرّق لمفهوم الوَأْد الثقافي (قتل المعنى والقيمة) الذي تتعرّض له المرأة عبر الموروث. هكذا يؤكد الدكتور العنزي حضوره كناقد ثقافي بارز في المنابر الثقافية، يطرح قضايا التراث والمجتمع بأسلوب حديث يمزج رؤى النقد المعاصر بصلب النصوص التراثية.


المؤلفات والمقالات المنشورة

جمع الدكتور صغير العنزي حصيلة إنتاج علمي وأدبي ثري، توزعت بين الكتب المحكمة والمقالات البحثية والمقالات الصحفية. فيما يلي أبرز مؤلفاته المطبوعة:

  • «خطاب العنف وعنف الخطاب: قراءة ثقافية في الأمثال العربية القديمة» (دار كنوز المعرفة العلمية، 2023) – كتاب يتناول فيه الأنساق الثقافية المضمرة في لغة الأمثال العربية، ويرصد تجليات العنف الرمزي والمادي في تلك الأمثال. يقسم المؤلِّف بحثه إلى محورين: عصبية الذكورة التي مجّدت العنف وخلّدت هيمنة القوة في المجتمع التقليدي، ووأد الأنوثة أي بناء هوية المرأة في الموروث على أساس الرفض والإقصاء. يمثّل هذا الكتاب خلاصة مشروعه النقدي في تفكيك الصور النمطية للعنف والمرأة في الثقافة العربية القديمة.

  • «النِّكاح والحرب في التراث العربي: قراءة في أنساق الهيمنة» (دار رشم للنشر والتوزيع، 2022) – دراسة ثقافية تستكشف التشابك بين مفهومي الزواج والحرب في المخيال العربي القديم. يناقش الكتاب صلة الحرب بالنكاح وصورة الزوجة كأَمَة في بعض التصورات التراثية، وكيف تلبّست معاني القَوَامة (القوامة الزوجية) بمعاني السيادة والاستبداد عبر التاريخ. يبلغ عدد صفحاته 328 صفحة وصدر عام 2022، وتوفّر في المكتبات الكبرى مثل مكتبة جرير. يندرج هذا المؤلَّف ضمن جهود العنزي في نقد الثقافة الذكورية وكشف جذور العنف الأسري والمعنوي في التراث.

أما على صعيد الأبحاث والمقالات العلمية المنشورة في المجلات المحكمة، فقد قدّم الدكتور العنزي عددًا من الدراسات النوعية التي تطبّق منهج النقد الثقافي على الأدب العربي القديم، من أبرزها:

  • «خطاب العنف في الأدب العربي القديم: الأمثال نموذجًا» – بحث منشور في مجلة الشمال للعلوم الإنسانية (جامعة الحدود الشمالية) عام 2022، يتعمق في دراسة أمثال العرب القديمة للكشف عن الأفعال الثقافية والقيم التي رسّختها تلك الأمثال، وخصوصًا آليات صناعة العنف في البيئة العربية القديمة.

  • «النسق الناسخ: قراءة في نسق العصبية في شعر الفرزدق» – بحث منشور في مجلة الجامعة الإسلامية للغة العربية وآدابها(المدينة المنورة) عام 2024. يعاين هذا البحث شعر الشاعر الأموي الفرزدق لرصد أنساق العصبية القبلية المتحكمة في الذهنية العربية من خلال الشعر، فيقدم قراءة ثقافية لنصوص النقائض بوصفها خطابًا منتِجًا ومكرِّسًا لقيم العصبية.

  • «الشاعر مستعيدًا أباه: قراءة في تصوّرات الفرزدق للشعر» – نشر في مجلة كلية اللغة العربية بالمنصورة (جامعة الأزهر) عام 2022. يتناول تحولات مفهوم الشعر عند الفرزدق وكيف يصوغ الشاعر علاقته الرمزية بتراثه (بأبيه الشعري) ضمن سياق ثقافي أوسع.

  • «الوَأْد صانعًا للهوية: صُوَر المرأة المُعنَّفة في خطاب الأمثال العربية» – صدر في مجلة جامعة الملك عبدالعزيز: الآداب والعلوم الإنسانية عام 2021. يدرس هذا البحث صورة المرأة في الأمثال العربية وكيف ساهمت الأمثال وقصصها في بناء هوية سلبية للمرأة (بوصفها مصدر عار أو مهددة لقيم المجتمع)، ويكشف عن الآليات الثقافية التي سوّغت عنف المجتمع ضد المرأة عبر الأمثال.

وإلى جانب بحوثه الأكاديمية، كتب الدكتور العنزي مقالات رأي ثقافية في الصحف المحلية، مستفيدًا من خلفيته الصحفية. فكان قلمه حاضرًا في صحيفة عكاظ وغيرها، يناقش قضايا التراث والمجتمع من منظور نقدي معاصر. ولم يكن طرحه البحثي حبيس الأبراج العاجية، بل ترجمه أيضًا إلى منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي ومشاركات في الندوات العامة لتبسيط الأفكار لجمهور أوسع.


المنجزات والتكريم

حصد الدكتور صغير العنزي خلال مسيرته عدة منجزات وشهادات تقدير تعكس أثره الأكاديمي والثقافي. فعلى الصعيد الوظيفي، تمكن من الحصول على الترقية العلمية لدرجة أستاذ مشارك في فترة وجيزة نسبيًا (أقل من عشر سنوات بعد الدكتوراه)، مما يعكس غزارة إنتاجه العلمي وجودته. كما تبوّأ مناصب قيادية في جامعة الحدود الشمالية منها وكيل كلية التربية للدراسات العليا سابقًا، ورئيس قسم اللغة العربية، مسهمًا في تطوير البرامج الأكاديمية – وقد نجح مثلاً في استحداث أول برنامج ماجستير بقسم اللغة العربية في الجامعة.على مستوى الإنتاج الفكري، يُعتبر إصدار كتبه المحكمة إنجازًا بارزًا؛ فكتابه «خطاب العنف وعنف الخطاب» لاقى اهتمامًا في الأوساط الأكاديمية، حتى أنه أهدى نسخة منه إلى الأمير مشعل بن عبدالله بن مساعد (أمير منطقة الحدود الشمالية السابق) تقديرًا لدعمه الحركة الثقافية. وقد نالت أبحاثه استحسان المختصين وحققت انتشارًا، حيث توصَف مقاربته بأنها قراءة ثقافية عميقة للنصوص التراثية بهدف استنطاق دلالاتها الاجتماعية.أما في الحقل الأدبي العام، فقد كرّم النادي الأدبي بالحدود الشمالية الدكتور العنزي على إسهاماته؛ إذ يعتبر أحد فرسان الأمسيات الأدبية الدائمين. وفي مناسبات وطنية وثقافية (مثل اليوم الوطني ومعارض الكتاب)، يُستدعى لإلقاء كلمات أو إدارة ندوات، ما يعد تكريمًا أدبيًا لمكانته. ورغم أنه لم تُرصد جوائز رسمية محددة باسمه حتى الآن، إلا أن إنجازاته المعنوية تتمثل في التأثير الذي أحدثه: فقد أصبح مرجعًا للشباب المهتمين بالنقد الثقافي في المنطقة، وملهمًا للكثيرين بقصة كفاحه وتحقيقه النجاح الأكاديمي بعد معاناة. ومن التكريمات الضمنية له ثقة الوسط الثقافي بخبرته، إذ يُستشار في مبادرات ثقافية محلية، وكان عضوًا مؤثرًا في اللجنة الثقافية المحلية التي خططت لتنمية النشاط الأدبي شمال المملكة. ولعل أكبر شهادة تقدير له هي حضور اسمه واحترامه بين مثقفي الوطن، واعتباره نموذجًا للمثقف العضوي الذي يرتبط بمجتمعه وهمومه.


اللقاءات والحوارات الإعلامية

انفتح الدكتور صغير العنزي على وسائل الإعلام ومنصات التواصل لإيصال أفكاره إلى الجمهور العريض. فبالإضافة لمقالاته المكتوبة، أجرى حوارات صحفية مطوّلة تناولت رؤاه الفكرية ونقده للواقع الثقافي. من أبرزها حواره مع صحيفة عكاظ (أكتوبر 2020) الذي أحدث صدىً واسعًا، إذ صرّح فيه بتصريحات جريئة حول سُلطة العادات والتقاليد على المجتمع وعلاقتها بتكريس الصور النمطية. في هذا اللقاء تحدّث عن هيمنة ما أسماه «العقل الجاهلي» (عقل ما قبل الإسلام) على كثير من تصوراتنا الحالية، وانتقد النظرة المثالية للتاريخ الديني والاجتماعي التي تتجاهل أخطاء البشر. كما تناول الحوار قضايا النفاق الأكاديمي وغياب صوت المثقف المستقل، منتقدًا تحوّل بعض الأكاديميين إلى السعي وراء المناصب على حساب قيم البحث العلمي. وقد تميّز أسلوبه في هذا الحوار بالصراحة والعمق، مما أكسبه احترام القراء.إعلاميًا أيضًا، استضافته قناة MBC في برنامج «بالمختصر» (أكتوبر 2021) ليسرد قصة كفاحه الشخصية نحو الدكتوراه. كشف خلال اللقاء جوانب مؤثرة من حياته: كيف اضطر للعمل والدراسة معًا، وكيف كان راتبه الضئيل يجبره أحيانًا على النوم في المسجد والاكتفاء بوجبة خفيفة في اليوم لتوفير المال. هذه الصراحة في عرض التجربة لامست قلوب المشاهدين وقدّمت نموذجًا ملهمًا للشباب في المثابرة وتحقيق الطموح.وعبر منصات التواصل الاجتماعي، يتفاعل الدكتور العنزي على تويتر (X) بشكل دوري من خلال حسابه الشخصي، حيث يطرح خواطر وأفكارًا نقدية لمتابعيه الذين تجاوزوا الآلاف. يعرف عن نفسه هناك باهتمامه بقضايا التطرّف والمهمّشين، ويناقش موضوعات متنوعة من نقد الشعر والأدب إلى قضايا اجتماعية راهنة بلغة أدبية راقية. كما ينشر روابط لمقالاته وأخبار مشاركاته، مما جعل حساباته مصدرًا لإثراء المتابعين ونافذة للتواصل معه مباشرة.أما على منصة يوتيوب، فتنتشر عدة مقاطع لمحاضراته وندواته، سواء تلك التي نظمها النادي الأدبي وبثها على قناته، أو لقاءاته التلفزيونية المسجلة. الجمهور المهتم بالأدب والنقد يجد في تلك المقاطع مادة غنية؛ إذ يظهر الدكتور العنزي فيها متحدّثًا لبقًا يمزج المعرفة الأكاديمية بحس نقدي ساخر أحيانًا لجذب انتباه المشاهدين. وقد حصدت بعض هذه المقاطع مئات التعليقات الإيجابية التي تثني على طرحه وفكره.باختصار، تمكّن الدكتور صغير العنزي عبر الإعلام المرئي والمقروء أن يبني جسورًا بين الجامعات والمجتمع، وينقل النقاشات النقدية من قاعات الدرس إلى ساحات النقاش العام، تعزيزًا لثقافة الحوار والفكر النقدي.


خلاصة من أبرز لقاءاته الصحفية

في ختام هذا الملف، نلقي الضوء على أهم ما جاء في أحد أبرز لقاءات الدكتور صغير العنزي الصحفية للتعرف على فلسفته بشكل مكثّف. نختار هنا مقتطفات من حواره مع صحيفة عكاظ عام 2020، الذي حمل عنوانًا مثيرًا للجدل: «أرى نفسي متواطئًا ضد المرأة». في هذا الحوار أوضح العنزي منهجه النقدي في قراءة المجتمع والتاريخ، ويمكن تلخيص أبرز أفكاره كالتالي:

  • هيمنة الفكر التقليدي: يؤمن العنزي بأن الكثير من التصورات الاجتماعية الحالية لا تزال رهينة عقلية قديمة ترسّبت منذ الجاهلية. ويشير إلى أن العادات والتقاليد – رغم احتوائها على جوانب نبيلة – تحوي أيضًا جوانب سلبية تُعيق التقدم، خاصة حين تُتخذ ذريعة لظلم بعض الفئات. ويضرب مثالاً بكيفية تسرب الأعراف القبلية إلى الفهم التاريخي للدين، مما شوه بعض معالم الدين الأصيلة. فالعنزي يدعو إلى تمحيص الموروث: نأخذ منه الخير الإنساني، ونرفض ما جرّح كرامة الإنسان أو صنّف الناس طبقاتٍ وشرائح.

  • قضية المرأة واعتراف التقصير: يؤكد العنزي أن قضية المرأة تقع في صميم اهتمامه النقدي، إذ يرى أن الثقافة التقليدية سلبت المرأة كثيرًا من إنسانيتها وجعلتها ضحية مظلومة. ويصف موقف الثقافة من المرأة بأنه مأساة فعلية وواحد من أبشع صور الاستعمار الفكري. لكنه يصارح القارئ بأنه لا يعتبر نفسه مدافعًا نموذجياً عن المرأة بعد؛ بل يعترف أنا أحد الجُناة في حق المرأة – كما يقول – بسبب تأخر وعيه الكامل بحجم مأساتها. هذا الاعتراف النادر من مثقف يُظهر تواضعه الفكري وحسّه النقدي تجاه ذاته. فهو يعتبر أنه بالرغم من انخراطه منذ زمن في قضايا المهمشين، لم يتفطن لقضية المرأة إلا في السنوات الأخيرة، مما يجعله يشعر بالتقصير بل وبشكل من أشكال التواطؤ غير المباشر نتيجة التنشئة والثقافة السائدة.

  • رفض التطرّف بجميع أشكاله: يوضح العنزي موقفه الوسط في كل القضايا؛ فهو يدعو لنصرة المرأة ومساندتها لاستعادة إنسانيتها وحقوقها، لكنه في الوقت نفسه يرفض الغلو في أي اتجاه. لذا يعلن صراحةً معاداته للتيار النسوي المتطرف بنفس قدر معاداته لأي تطرف آخر. إذ يرى أن الحل يكمن في الاعتدال والإنصاف: لا نقدّس العادات جميعها ولا نذمّها كلها، لا نمجّد الرجال إطلاقًا ولا ندين النساء إطلاقًا، بل نبحث عن العدالة والإنسانية. هذه النظرة المتوازنة تجعل طرحه قريبًا للعقلاء من كافة الأطراف.

  • دور المثقف الحقيقي: في ثنايا اللقاء، يطرح العنزي رؤيته للمثقف الذي يثق به: وهو المثقف المشاغب الإيجابي لا المثقف المساير. إنه ذاك الذي يقول كلمته بجرأة دون أن يستجدي التصفيق أو يخشى سخط الجمهور. فبرأيه استبداد الجمهور بالرأي لا يقل خطورة عن استبداد الحاكم، لذا فالمثقف الحرّ قد يجد نفسه وحيدًا مقابل القطيع، لكن قيمة مبادئه أهم من شعبية زائفة. ويؤكد أن كثيرًا من الأكاديميين وقعوا في فخ النفاق العلمي طلبًا للمناصب أو إرضاء للمسؤولين، ما أفقد الجامعات روحها النقدية. الحل عنده أن يستعيد المثقف رسالته النبيلة ويعتبر شهادته مسؤولية تجاه الحقيقة لا مجرد ورق حبر على ورق.

في المجمل، يرسم هذا اللقاء صورة مثقف واعٍ يمتلك شجاعة مراجعة الذات قبل نقد المجتمع. طرح الدكتور صغير العنزي فيه خلاصات فكره: دعوة للتحرر من أوهام الماضي دون تنكّر للقيم الجميلة، ونقدٌ بناء لأجل مستقبل أكثر إنسانية وانفتاحًا. هذه الخلاصة تعكس أهم ما يميّز مشروع العنزي الفكري: الصدق مع الذات، والجرأة في التشخيص، والسعي للإصلاح الثقافي بخطى واثقة ومتزنة. وهو بذلك يؤكد مكانته كصوتٍ فكريٍّ بارزٍ في المشهد الأدبي السعودي الحديث.


المصادر: اعتمد إعداد هذا الملف على فيديوهات ولقاءات مصورة وصحفية وأخبار ومقالات من مصادر مثل صحيفة عكاظ، صحيفة الرياض، صحيفة الجزيرة، قاعدة المنظومة لسجلات أبحاث د. صغير العنزي.

تعليقات


bottom of page