الملف الأدبي: يحيى مفرح زريقان
- أحمد المطلق

- 16 أبريل
- 5 دقيقة قراءة

يعد يحيى مفرح زريقان ظاهرة ثقافية وإعلامية تتجاوز في أبعادها مجرد العمل الصحفي العابر، إذ يمثل جسراً معرفياً يربط بين أصالة الموروث الفني السعودي وبين الحداثة الإعلامية المعاصرة. وُلد زريقان في قلب مدينة جازان عام 1383هـ (1963م)، وهي المنطقة التي عُرفت تاريخياً بكونها خزان الإبداع الشعري والفني في المملكة العربية السعودية. هذا المنبت الجغرافي لم يكن مجرد مكان للولادة، بل كان مختبراً أولياً لتشكيل ذائقة نقدية واعية، حيث نشأ زريقان في بيئة تكابد وتصنع هويتها من خلال الفنون والآداب، وهو ما انعكس لاحقاً في أطروحاته التي تربط بين البيئة والمنتج الإبداعي. إن الانتقال الجذري في حياة زريقان تمثل في انتقاله إلى الرياض في سن الحادية عشرة، مما أتاح له المزاوجة بين ثقافة "المنبع" في الجنوب وبين ثقافة "المؤسسة" في العاصمة، وهو ما أهله ليكون أحد أبرز المؤرخين والتحليليين للمشهد الثقافي السعودي في الدولة السعودية الثالثة.
التكوين الأكاديمي والتحولات المهنية المبكرة
إن المسيرة المهنية ليحيى مفرح زريقان لم تبدأ من فراغ، بل استندت إلى خلفية أكاديمية متخصصة، حيث نال درجة البكالوريوس من قسم الإعلام بجامعة الملك سعود، وهي المؤسسة التي كانت في تلك الفترة تشكل وعي الأجيال الإعلامية الصاعدة. هذا التخصص العلمي منحه الأدوات المنهجية لممارسة العمل الصحفي باحترافية، إلا أن المثير في مسيرته هو بدايته في المجال الرياضي، الذي استمر فيه لمدة تقارب العشر سنوات. هذا المرور بالصحافة الرياضية أكسبه مهارات "الاشتباك" مع الرأي العام، والقدرة على التحليل السريع، وهي سمات نقلها معه لاحقاً إلى النقد الفني والأدبي.
الهوية النقدية: فلسفة النقد كعلم ومسؤولية
تتشكل الهوية النقدية ليحيى مفرح زريقان من قناعة راسخة بأن النقد ليس مجرد انطباعات ذاتية أو مديح عابر، بل هو "علم يُدرس" وله متطلبات ومواصفات أكاديمية دقيقة. يرى زريقان أن الناقد الحقيقي هو الذي يمتلك القدرة على "تعليق الأجراس"، وهو مصطلح استخدمه للدلالة على الدور التنبيهي والتصحيحي الذي يجب أن يلعبه الناقد في مواجهة الترهل الفني أو المؤسسي. بالنسبة له، الثقافة هي المصدر الحقيقي والوحيد للناقد الناجح؛ فبدون حصيلة معرفية تمكنه من "تشريح" العمل الفني وإبراز أهدافه وأدواته، يظل الناقد مجرد مراسل أو كاتب مقال بسيط.
النقد بين الموضوعية والعاطفة
يشخص زريقان أزمة النقد في المجتمع العربي بكونها أزمة "ميل للعاطفة على حساب العقل". هذا التحليل يشير إلى تحدٍ كبير واجهه زريقان في مسيرته، حيث إن مهنة الناقد الموضوعي غالباً ما تثير نفور المحيطين به، خاصة في الوسط الفني الذي قد يتحاشى أفراده الناقد الذي يكشف السلبيات بنفس القدر الذي يبرز فيه الإيجابيات. ومن هنا، اتسم نهج زريقان بالحيادية والمصداقية والبعد عن "هواة النفس"، معتبراً أن النقد هو ظاهرة صحية ضرورية لنمو الأمم والمجتمعات. لقد مارس زريقان هذا الدور لأكثر من 25 عاماً، مما جعله "أيقونة" في جماليات الأدب والنقد الفني.
الدور الريادي في توثيق الفن السعودي
أحد أهم منجزات يحيى مفرح زريقان هو دوره كمؤرخ للفن السعودي. في زمن كان فيه التوثيق الفني يعتمد على المجهودات الفردية المبعثرة، برز زريقان كصوت مؤسسي يدوّن الذاكرة اللحنية والغنائية للمملكة. لم يكتفِ برصد الحاضر، بل غاص في أعماق التاريخ الفني للدولة السعودية الثالثة، محللاً الحالة الفنية في الحجاز وتطورها منذ عهد الملك عبد العزيز، رابطاً إياها بالتراكم الحضاري والسمات المجتمعية.
تحليل الرموز الفنية في رؤية زريقان
قدم زريقان قراءات نقدية وتاريخية معمقة لشخصيات فنية محورية، معتبراً إياهم أعمدة للحضارة الوطنية:
غازي علي: يصفه زريقان بأنه "المواطن السعودي الثاني الذي درس الموسيقى بأصولها وفروعها"، مشيداً بجمعه بين مهارة التاليف الموسيقي وعلم الصوت، ومعتبراً إياه تجربة فنيه متكاملة (مؤلف وملحن وشاعر) ظهرت في وقت مبكر جداً.
سراج عمر: يبرز زريقان دور سراج عمر في تطوير النشيد الوطني السعودي، موضحاً كيف أضاف "موازير ولزم" موسيقية تجاوزت العرف التقليدي، مما أدى لنسب اللحن له ومنحه وسام الاستحقاق من الدرجة الأولى.
ناصر الصالح: يصفه زريقان بـ "منقذ الأغنية" في توقيت معين بعد رحيل عمالقة التلحين، معتبراً إياه شعلة استلمت الرسالة لتصل بكافة الأصوات في المملكة والخليج إلى مستوى مميز.
الإسهام الإذاعي والتلفزيوني: من الكلمة المكتوبة إلى الفضاء السمع بصري
انعكست هوية زريقان النقدية والتوثيقية في برامج إذاعية وتلفزيونية نوعية، حيث عمل معداً ومقدماً لبرامج لم تكن مجرد مواد ترفيهية، بل كانت وثائق تاريخية متحركة. في التلفزيون السعودي، شارك في إعداد برامج جماهيرية مثل "سباق المشاهدين" و"أحلى الليالي"، لكن بصمته الحقيقية ظهرت في البرامج المتخصصة مثل حكاية أغنية وكلمة ونغم على القناة الثقافية وبرامج إذاعية في إذاعات مثل مونت كارلو، إذاعة جدة، إذاعة روتانا اف ام، إذاعة الرياض وغيرها. هذا التنوع في المنصات، من إذاعة مونت كارلو الفرنسية إلى القنوات الثقافية المحلية، يعكس قدرة زريقان على تطويع خطابه النقدي ليناسب مستويات مختلفة من التلقي، مع الحفاظ على العمق التاريخي والمعرفي.
الهوية الأدبية والشعرية: تجربة "يا طفلة"
تكتمل صورة يحيى مفرح زريقان كأديب من خلال نتاجه الشعري، الذي توج بصدور ديوانه "يا طفلة" عام 2017 عن الدار العربية للعلوم ناشرون. هذا الديوان يمثل الوجه الآخر للناقد الصارم؛ فهو فضاء للبوح الوجداني واستنطاق مشاعر الغربة والحب والجمال. يضم الديوان ثلاثين قصيدة تتنوع بين الشعر العربي الحديث والنثر، مما يظهر مرونة زريقان في استخدام القوالب الأدبية.
ملامح من ديوان "يا طفلة"
تعكس قصائد الديوان، مثل "أيا رفيقة الغربة" و"رأيت عينيك بحراً"، لغة شعرية مشحونة بالصور البصرية والعواطف الجياشة. الكلمات المختارة بعناية تعبر عن شعور "يختلج في الداخل ولم يتغير"، مما يوحي بثبات القيم الوجدانية لدى الكاتب رغم تحولات الزمن.
تضمنت عناوين القصائد في الديوان مواضيع إنسانية عميقة مثل "إلى من احتلت قلبي"، "دائماً أرتوي بكِ"، و"قرار الإنصاف"، مما يجعل من الديوان رحلة في سيكولوجية الحب والوفاء. إن صدور هذا العمل بصيغة إلكترونية وورقية عبر منصات كبرى مثل مكتبة جرير وأبجد، ساهم في وصول صوت زريقان الشعري إلى جيل جديد من القراء المهتمين بالأدب الحديث.
الفكر الاجتماعي والعمراني: فلسفة "الرصيف" كنموذج
لا تتوقف اهتمامات زريقان عند حدود الفن والنغم، بل تمتد لتشمل نقد الفضاء العام والنسيج الاجتماعي. في أطروحة لافتة نشرت في مجلة "القافلة"، تناول زريقان "الدلالات العميقة للرصيف" ثقافياً واجتماعياً في المملكة. يرى زريقان أن الرصيف ليس مجرد مساحة للمشي، بل هو "جسر نحو المعرفة" وترجمة لما يموج به الشارع المحلي. هذا الربط بين العمران وبين الثقافة يعكس شمولية الرؤية النقدية لدى زريقان، حيث يعتبر أن الاهتمام بالتفاصيل البيئية هو مؤشر على رقي الحضارة وتماسك النسيج الاجتماعي.
دعم المواهب الشابة والاستمرارية الثقافية
اشتهر يحيى مفرح زريقان بكونه "صانع نجوم" ومكتشفاً للمواهب في مجالي الإعلام والفن. قدم العديد من العناصر الشابة من صحفيين، ومذيعين، وملحنين، وفنانين، مؤمناً بأن استدامة المشهد الثقافي تعتمد على نقل الخبرات للأجيال الصاعدة. هذا الدور لم يكن مجرد نصيحة عابرة، بل كان دعماً مؤسسياً من خلال برامجه ومنصاته الصحفية، مما جعله شخصية محبوبة ومحترمة في الأوساط الشبابية المبدعة.
اللقاءات الإعلامية والمشاركات الدولية
شارك زريقان في العديد من المحطات التلفزيونية والإذاعية الدولية كخبير ومحلل للشأن الفني العربي، منها الـ BBC البريطانية، والقناة الثانية الفرنسية، وقناة العربية. هذه المشاركات كانت تهدف دائماً إلى تقديم صورة مشرفة وحقيقية عن الفن السعودي، بعيداً عن الصور النمطية. كما شارك بفاعلية في الندوات التابعة للأندية الأدبية في الرياض، وجازان، وتبوك، والدمام، مما عزز من حضور الفن في الخطاب الأدبي الرسمي.
إن قراءة مسيرة يحيى مفرح زريقان تفضي إلى عدة استنتاجات حول دوره في المشهد الثقافي منها مأسسة الذاكرة حيث استطاع زريقان تحويل التوثيق الفني من "هواية" إلى "مشروع وطني" يحفظ حقوق الرواد ويؤصل للأجيال الجديدة. كذلك ساهم في نقل النقد الفني من دائرة "الاستحسان" إلى دائرة "التحليل العلمي"، مؤكداً على ضرورة توفر الحصيلة المعرفية للناقد. كما أثبت من خلال تجربته أن الكاتب يمكن أن يكون ناقداً ومؤرخاً وشاعراً ومعداً برامجياً في آن واحد، شريطة امتلاك الأدوات الصحيحة والشغف الحقيقي.
.png)



تعليقات