top of page

الملف الأدبي: ياسر مدخلي

ياسر مدخلي

يعد ياسر بن يحيى مدخلي واحداً من أبرز الوجوه التي شكلت ملامح المشهد المسرحي السعودي في مرحلة ما بعد الألفية، ممثلاً ما يمكن وصفه بـ "الجيل الثالث" الذي عمل على نقل الممارسة المسرحية من إطار الهواية والاجتهادات الفردية إلى فضاء المؤسسية والمنهجية العلمية. يتناول هذا التقرير البحثي الموسع، الممتد عبر عدة محاور تحليلية، التجربة الكاملة لمدخلي، بدءاً من تكوينه المعرفي المزدوج الذي جمع بين الأدب وعلم الاجتماع، مروراً بمشروعه الرائد "مسرح كيف"، وصولاً إلى منجزه النصي والنقدي الذي حاز على تقدير إقليمي ودولي. يستند التقرير إلى تحليل دقيق للمواد الأرشيفية، المقالات النقدية، السجلات الوظيفية، واللقاءات الإعلامية، مقدماً قراءة معمقة للدور الذي لعبه مدخلي في إعادة تعريف العلاقة بين "الخشبة" و"المجتمع" في المملكة العربية السعودية.


الجذور والبدايات: من المحاكاة إلى الاحتراف

بدأت علاقة ياسر مدخلي بالفن المسرحي في سن مبكرة، وتحديداً في عام 1997م، عبر بوابة المسرح المدرسي في ثانوية الأبناء بالدفاع الجوي بجدة. كانت الانطلاقة عبر مسرحية "بين الماضي والحاضر"، إلا أن اللحظة المفصلية في تشكيل وعيه الفني تمثلت في لقائه بالفنان السعودي الراحل بكر الشدي. كان مدخلي يقلد شخصية الشدي، وحين التقاه، وجهه الشدي نصيحة كانت بمثابة البوصلة التي وجهت مساره المستقبلي: "الاستفادة من المسرح الجامعي والتأكيد على أهميته". هذه النصيحة نقلت اهتمام مدخلي من مجرد الشغف التمثيلي إلى البحث عن "المعرفة الأكاديمية" داخل أروقة الجامعة، ليشكل المسرح الجامعي في جامعة الملك عبدالعزيز المختبر الأول الذي صقل أدواته.


الازدواجية الأكاديمية: الأديب والأخصائي الاجتماعي

تشكل الخلفية الأكاديمية لمدخلي مفتاحاً أساسياً لفهم نصوصه ومشاريعه. فهو حاصل على بكالوريوس اللغة العربية وآدابها، مما منحه القوة اللغوية والقدرة على تطويع الفصحى، وهو ما يظهر جلياً في نصوصه التي وصفت بأنها ذات "حوارات برقية كالرصاص". بيد أن التحول النوعي في مسيرته جاء عبر دراساته العليا؛ حيث حصل على الدبلوم العالي في البحث الاجتماعي، ثم درجة الماجستير في "الدفاع الاجتماعي وحقوق الإنسان".هذا التخصص النادر في الوسط الفني جعل مدخلي ينظر للمسرح ليس كترفيه، بل كأداة "دفاع اجتماعي" ووسيلة لتمكين الفئات المهمشة. وقد انعكس ذلك في عناوين أبحاثه مثل "دور الأخصائي الاجتماعي في تمكين الأحداث من حقوقهم" و"المسرح بين الأهمية والأثر". هذه المنهجية جعلت من مسرحه "مسرحاً حقوقياً" بامتياز، يسعى لترميم المجتمع عبر الدراما.


المسار المهني: جدلية الرقابة والإنتاج

تظهر السيرة الوظيفية لمدخلي مفارقة مثيرة للاهتمام ساهمت في نضجه الإداري والفني. فقد عمل في بداية حياته محرراً صحفياً (2000-2005)، ثم معلماً للغة العربية، قبل أن ينتقل للعمل في وزارة الإعلام بوظيفة "مراقب مطبوعات" (2009-2020).إن عمل المبدع في وظيفة "رقابية" منحه فهماً عميقاً للخطوط الحمراء، ولقوانين النشر، ولسيكولوجية السلطة والجمهور. هذه الخبرة مكنته لاحقاً من إدارة المحتوى بذكاء في مشاريع كبرى، حيث انتقل من "الرقيب" إلى "صانع المحتوى" عندما تولى منصب المشرف على المحتوى في مبادرة "مسرح السعودية" (2017-2019)، ثم مديراً للكتابة (Writing Manager) في شركة "صلة" (Sela) منذ 2020. هذا الانتقال يمثل تحولاً من البيروقراطية الحكومية إلى قلب صناعة الترفيه في السعودية الجديدة.


مشروع "مسرح كيف".. فلسفة المنهج والمأسسة

لم يكتفِ مدخلي بكونه كاتباً أو مخرجاً، بل أسس مشروعاً متكاملاً تحت مسمى "مسرح كيف"، الذي يعد الحالة الأبرز للعمل المؤسسي في المسرح السعودي المستقل. تأسس المشروع عام 2006م، في فترة وصفها مدخلي بأنها كانت تعاني من "تخبط وتدنٍ في المستوى العام" وسيطرة "المقاولين" على المشهد. جاء اسم "كيف" ليطرح سؤال الجودة والنوعية (Quality) في مواجهة الكم (Quantity) والاستهلاك التجاري. يوضح مدخلي أن "كيف" هو سؤال عن المنهجية، وعن الطريقة التي يتم بها بناء العرض المسرحي. يقوم "مسرح كيف" على نظرية علمية طورها مدخلي تسمى "منطقة التجربة". وفقاً لهذه النظرية، فإن المسرح ليس مجرد عرض (Performance Area) وجمهور (Audience Area)، بل هو التفاعل الكيميائي الذي يحدث بينهما. يعرف مدخلي "منطقة التجربة" بأنها: "الحيز الممتلئ بالمشاعر المتبادلة والتفاعلات بين الأداء والجمهور". ويركز على رصد "ردة الفعل" (Reaction) كجزء أصيل من العملية المسرحية، معتبراً أن العرض المسرحي "فن آني خالد" (Art of the Moment)، يجب دراسته أثناء حدوثه. هذه النظرية تؤكد تأثره بعلم الاجتماع، حيث يتعامل مع المسرح كظاهرة سلوكية تخضع للملاحظة والقياس.

مر مشروع "كيف" بعدة مراحل:

  1. مرحلة التأسيس (2006): كفرقة هواة تحت اسم "فرقة كيف للفنون المسرحية".

  2. مرحلة الاحتراف: تطورت إلى "محترف كيف"، مؤسسة تعمل بآليات بحثية.

  3. مرحلة المأسسة (2021): صدر قرار وزاري بتحويلها إلى "جمعية مسرح كيف التعاونية".

يعد هذا التحول إنجازاً استراتيجياً، حيث أصبحت "كيف" أول جمعية تعاونية مسرحية في السعودية. يرى مدخلي في هذا النموذج حلاً لمعضلة التمويل والاستدامة، حيث يتيح للفنانين أن يكونوا شركاء ومساهمين، وينقل المسرح من "الرعاية" (Sponsorship) إلى "الاستثمار الاجتماعي".


الهوية الأدبية والمنجز النصي

يتسم المشروع الأدبي لياسر مدخلي بالغزارة والتنوع، محاولاً سد الفجوة الكبيرة في المكتبة المسرحية السعودية التي عانت طويلاً من شح النصوص المحلية. في كتابه التنظيري المبكر "أزمة الأدب المسرحي" (2007)، شخص مدخلي الواقع المسرحي بجرأة، معتبراً أن "المكتبة خالية من الأدب المسرحي العصري". طرح في هذا الكتاب إشكالية "الخطاب اللغوي المؤجل"، وعالج جدلية الفصحى والعامية، داعياً إلى أسلوب "نموذجي" يجمع بين الوضوح، القوة، والجمال. لاحقاً، طور مفهوماً أسماه "الدراماتورجيا الجديدة" داخل معمل "مسرح كيف". يرى مدخلي أن الدراماتورج يجب أن يعود ليكون "عيناً عليا" على العمل، مراقباً ومحللاً ومشاركاً في صناعة العرض منذ اللحظة الأولى، منتقداً سيطرة المخرجين والسينوغراف على حساب النص. كما تتنوع أعمال مدخلي بين المسرح الذهني، والمسرح الاجتماعي، والمسرح الملحمي، مع نزعة واضحة نحو التجريب. مسرحية "عزف اليمام" تعتبر من أهم نصوصه، وقد صدرت في كتاب مطبوع عام 2019. كذلك مسرحية "أسطورة عقيستاء" (2009) التي تعد تجربة فريدة في "صناعة الأسطورة". أيضاً مسرحية "الانتصار أو الموت أو كلاهما" (2018) هذا النص هو الذي منح مدخلي جائزة الشارقة للتأليف المسرحي 2018 (المركز الأول). تم اعتماد هذا النص ضمن منهج "دبلوم اللغة العربية" في منظمة البكالوريا الدولية (IB) في هولندا، مما يؤكد جودته الأدبية وملاءمته للمعايير العالمية.


دوره في المشهد الأدبي والثقافي

لعب ياسر مدخلي دور "المثقف العضوي" الذي لا يكتفي بالإبداع الفردي، بل يسعى لخلق بيئة ثقافية حاضنة. ساهم في تأسيس المنصات النقدية والإعلامية مثل منتدى المسرح في نادي جدة الأدبي حيث أسس مدخلي هذا المنتدى ليكون حاضنة للنقد المسرحي، في وقت كانت فيه الأندية الأدبية تبتعد عن المسرح. أطلق من خلاله "مسابقة النقد المسرحي العربي"، وهي مبادرة ذكية لربط النقاد العرب بالنص السعودي.  كما سهم بتأسيس مجلة "المحترف" ويعتبر رئيس تحرير أول دورية فصلية متخصصة في الفنون المسرحية في السعودية، موفراً منصة للتوثيق والدراسات.   كما أسس "فريق كيف للعرائس"، وهو أول فريق متخصص في مسرح العرائس في السعودية، كما أسس الفرقة الاستعراضية "افتح يا سمسم" في الكويت، مما يظهر اهتمامه بالتنشئة المسرحية للأجيال الجديدة. وأيضاً أشرف على المحتوى في مبادرة "مسرح السعودية" (التي عرضت على MBC)، ساهم مدخلي في تقديم المسرح السعودي لجمهور التلفزيون العريض، محاولاً الموازنة بين الجودة الفنية والجماهيرية، ومنقحاً النصوص لتناسب الذائقة العامة والمعايير الاجتماعية الى جانب عمله على ملتقى المنظمات المسرحية الذي يستضيف عددا من المسـرحيين والمتخصصين في العمل غير الربحي من خلال ورش عمل ودراسات وفعاليات تحقق أهداف الحوكمة والاستدامة للمنظمات المسرحية.


كذلك يشغل ياسر مدخلي دورًا محوريًا في المشهد الأدبي السعودي من خلال عضويته في لجنة تحكيم جائزة القلم الذهبي، وهي إحدى المبادرات الثقافية الرائدة التي أطلقت لتعزيز الأدب العربي وربطه بصناعة السينما والتلفزيون. تسهم الجائزة في تحفيز حركة النشر والتأليف، وتمنح قيمة خاصة للنصوص المكتوبة باللغة العربية، ما يجعلها نقطة جذب للكتّاب من مختلف الدول للمشاركة بطروحاتهم داخل السعودية. كما يُعتبر مدخلي الرئيس التنفيذي لديوانية القلم الذهبي، التي أُسسها معالي المستشار تركي آل الشيخ كمساحة أدبية مفتوحة في قلب الرياض، وتستقطب المثقفين من مختلف مناطق المملكة. تحتوي الديوانية على مكتبة تضم أكثر من 2000 كتاب، وخلوات مخصصة للقراءة والكتابة، وضيافة يومية، ما يجعلها بيئة حاضنة للمواهب ومحفزة على الإبداع.


حضوره الإعلامي

في لقاء قدمه في برنامج ليالي العربية في رمضان 2025، عبّر ياسر مدخلي عن مجموعة من الأفكار التي تعكس رؤيته العميقة لمستقبل المسرح والثقافة في المملكة. يؤمن بأن المسرح ليس مجرد وسيلة ترفيه، بل هو قوة ناعمة مؤثرة يجب أن تكون جزءًا من مشروع وطني ثقافي شامل، يشمل التشريعات، والبنية التحتية، وتمكين المواهب. شدد على أهمية الانتقال من الأماني الفردية إلى الأهداف الاستراتيجية، مؤكدًا أن الاستدامة في العمل المسرحي لا تتحقق إلا بوجود سوق حقيقي، وإدارات واعية، ودعم حكومي قوي. يرى أن الجودة يجب أن تسبق الكم، وأن الكاتب هو أساس أي عمل ناجح، رافضًا تهميشه في عمليات الإنتاج. كما دعا إلى إعادة بناء علاقة ناضجة بين النقد والمبدعين، تقوم على الاحتواء والتوجيه لا الهجوم والإقصاء. ويحلم بمسرح سعودي قادر على المنافسة عالميًا، يعكس هوية المملكة، ويواكب نهضتها الحضارية الشاملة. أيضاً من خلال تحليل لقاءاته الإعلامية (مثل ظهوره في برنامج "ياهلا" على روتانا خليجية) ومقالاته الصحفية (في صحف الرياض، عكاظ، الوطن)، يمكن استخلاص مواقفه الفكرية تجاه قضايا المسرح والمجتمع.


في مقالته "أسئلة في المسرح"، يطرح مدخلي رؤية تاريخية عميقة، مشيراً إلى أن المسرح واجه صراعات مع المؤسسات الدينية في الغرب (العصور الوسطى) والشرق. لكنه يجادل بأن المسرح في السعودية له خصوصية؛ حيث نشأ في كنف الدولة (منذ عهد الملك عبدالعزيز) ولم يكن نتاجاً استعمارياً أو ثورياً، مما يجعله أكثر قابلية للتوافق مع القيم الاجتماعية إذا ما تم توظيفه بشكل صحيح. يرفض فكرة أن المسرح "دخيل" على الثقافة العربية، مؤكداً قدرة العرب على "تبيئة" الفنون. يتبنى مدخلي موقفاً نقدياً صارماً تجاه ما يسميه "مسرح المقاولات". في حواره مع صحيفة عكاظ، يهاجم المنتجين الذين يتعاملون مع المسرح كسلعة تجارية خالية من المضمون، مؤكداً أن دور المسرح هو تعزيز قيم "التعايش، الولاء، والتكاتف"، وليس مجرد الضحك الرخيص. يرى أن "فهم الجمهور" لا يعني الانحدار لمستوى الغرائز، بل الارتقاء بذائقتهم عبر دراسة علمية لاحتياجاتهم. طرح مدخلي تساؤلات مبكرة حول "من يحكم قطاع المسرح؟" قبل تأسيس هيئة المسرح والفنون الأدائية. دعا إلى تنظيم العلاقة بين الفرق المسرحية (القطاع الثالث) والجهات الرسمية، وهو ما تحقق لاحقاً عبر تأسيس الجمعيات المهنية التي أصبح عضواً فاعلاً فيها. أيضاً في لقاء متلفز، قدم تعريفاً شاعرياً ووظيفياً للمسرح قائلاً: "مسرح الخشبة هو الحياة الموازية التي نتمناها ونبحث عنها ونصلح فيها ما نعجز عن إصلاحه في الحياة". هذه المقولة تختصر مشروعه: المسرح كأداة إصلاح وتجميل للواقع.


التقدير المحلي والدولي لياسر مدخلي

تجاوز تأثير ياسر مدخلي الحدود المحلية، ليحجز مكاناً للمسرح السعودي في المحافل الدولية. على الجانب المحلي فاز بأرفع جائزة ثقافية تقدمها وزارة الثقافة وهي "الجوائز الثقافية الوطنية" حيث حقق جائزة المسرح والفنون الأدائية لعام 2021. كما يعد فوزه بجائزة الشارقة للتأليف المسرحي مرتين دليلاً على علو كعبه في الكتابة المسرحية فاز في الدورة 21 (2018) بالمركز الأول عن مسرحية "الانتصار أو الموت أو كلاهما". تنافس فيها مع كتاب من مصر، المغرب، والعراق، مما يثبت قدرة النص السعودي على التفوق عربياً. كذلك في الدورة 25 (2022): فاز بالمركز الثالث عن مسرحية "أسطورة المقام". كذلك كان له حضور دولي في معرض براغ الرباعي (Prague Quadrennial 2019) حيث تم اختيار تصميم السينوغرافيا لمسرحيته "جبا ياهوه" للعرض في هذا المحفل العالمي بالتشيك، وهو إنجاز تقني وفني نادر للمسرح السعودي. أما على جانب الأبحاث الأكاديمية فقد تحولت نصوصه إلى مادة للدراسة في جامعات عالمية، مثل جامعة جنوب سريلانكا (بحث ماجستير عن مسرحية "إخوان الشياطين")، واعتماد نصوصه في مناهج البكالوريا الدولية.


ختاماً يمثل ياسر مدخلي في المشهد الثقافي السعودي نموذجاً لـ "المثقف المؤسس" الذي لا يكتفي بإنتاج الجمال، بل يصنع الأوعية التي تحتضنه. من خلال الدمج بين "علم الاجتماع" و"الأدب"، وبين "الفرقة الفنية" و"الجمعية التعاونية"، قدم مدخلي وصفة نجاح مستدامة للمسرح السعودي. إن مشروعه "مسرح كيف" ليس مجرد فرقة، بل هو مدرسة فكرية تؤمن بأن المسرح علم، وصناعة، ورسالة مجتمعية، وأن الإجابة على تحديات المستقبل تكمن دائماً في السؤال: كيف؟.


المراجع: تم إعداد هذا التقرير استناداً إلى مسح شامل للوثائق والمصادر المتاحة حول الكاتب، مع الالتزام بالدقة التوثيقية والتحليل الموضوعي.

تعليقات


bottom of page