الملف الأدبي: فاطمة القرني
- أحمد المطلق

- 28 سبتمبر 2025
- 11 دقيقة قراءة

المكان لا يأخذ عندي حيزاً مؤقتاً ثم ينتهي… انعكس على شعري كثيراً حتى وصفني بعضهم بـ"شاعرة الأماكن".
الهوية الأدبية والفنية
الدكتورة فاطمة بنت محمد بن محسن القرني، أستاذة الأدب والنقد العربي الحديث بجامعة الأميرة نورة بنت عبد الرحمن بالرياض، وحاصلة بامتياز على درجة دكتوراه الفلسفة في الآداب في تخصص الأدب والنقد العربي الحديث. ولدت في محافظة بالقرن في منطقة عسير ونشأت في تبوك التي ارتبطت بها وجدانياً وشكلت جانباً من شخصيتها الأدبية، قبل أن تنتقل لاحقاً إلى الرياض حيث تقيم فيها منذ عام 2006م. نالت جائزة تبوك للتفوق العلمي لحملة البكالوريوس، وحصلت على عدة جوائز أكاديمية وأدبية، كما كرمتها مجلة فوربس عام 2014 ضمن قائمة أقوى 200 امرأة عربية تأثيراً. شغلت عضوية مجلس الشورى لدورتين متتاليتين (2013-2020)، وتولت منصب نائب رئيس لجنة الثقافة والإعلام والسياحة والآثار ، ومثلت المملكة في عدد من لجان الصداقة البرلمانية خلال عضويتها بالمجلس. وهي عضو مؤسس في مجلس أمناء أكاديمية الشعر العربي، وعضو مجلس أمناء جائزة الأديب عبد الله بن إدريس الشعرية، وعضو الجمعية العمومية لمؤسسة اليمامة الصحفية.
دورها في المشهد الأدبي والثقافي
تكتب الدكتورة فاطمة القرني الشعر العمودي وشعر التفعيلة وتكتب كذلك قصيدة النثر التي تفضل نشر كتاباتها فيها تحت عنوان "نصوص نثرية" أو "من نثرياتي"، كما تكتب المقالة بمختلف تنويعاتها، بما في ذلك المقال الساخر الهادف، وتملك زاوية أسبوعية ثابتة بعنوان (إذا قلتُ مابي) في مجلة اليمامة منذ عام 1990، نشرت فيها ما يُقارب الخمسمائة قصيدة وما يتجاوز أربعمائة مقالة ؛ إضافة إلى أن لها مساهمات شعرية ونقدية منشورة في مجلات وصحف محلية وعربية. تتميز نصوصها بحس موسيقي واضح وارتباط بالمكان، إذ وصفها بعض النقاد بـ" شاعرة الأماكن" لالتقاطها البعد الجغرافي والوجداني في القصيدة. كما تتسم مقالاتها وكتاباتها النقدية بالتنوع بين القضايا الأدبية والاجتماعية والإنسانية، إلى جانب بروز حسها المسؤول (شعراً ونثراً عند التعبير عن قضايانا الوطنية الملحة.
مارست دوراً مؤثراً في المشهد الثقافي السعودي عبر عضويتها في اللجان الأكاديمية والمؤسسات الثقافية، ومشاركتها في صياغة الاستراتيجيات الثقافية الوطنية، وإسهامها في رعاية المواهب الواعدة، وتحكيم المسابقات الأدبية والأبحاث العلمية، وشاركت في تعزيز صورة المثقف السعودي في المحافل الدولية من خلال العمل البرلماني والثقافي. أصدرت في النقد كتاب الشعر العراقي في المنفى : السماوي نموذجاً (2008)، وفي الشعر دواوين : عندما غنّى الجنوب (2008)، مطر (2009)، احتفال (2009)، وأنا.. أم غيابي ؟ (2024)، إضافة إلى أن لها تحت الطبع خمسة دواوين شعرية ، وكتابين نثريين جمعت فيهما أبرز مانُشر لها من مقالات معنية بالشأن الاجتماعي والإنساني في زاويتها (إذا قلتُ مابي ) ، وثلاثة كتب في مجال النقد الأدبي.
درست تجربتها الشعرية في كتب نقدية ورسائل أكاديمية ، وتُرجمت بعض نصوصها إلى الإنجليزية والألمانية والبرتغالية، كما ستصدر قريباً ترجمة إنجليزية لديوانها : (عندما غنى الجنوب ! ) عن دار ( رامينا ) بلندن ؛ ضمن إصدارات مبادرة ( ترجم ) إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة بوزارة الثقافة. لفتت تجربتها نظر كثيرين من مبدعينا البارزين في مجالي الشعر والنقد منذ بدايات نشرها لنصوصها الشعرية والنثرية ؛ ولعلنا نكتفي بذكر شواهد موجزة من إشاداتهم حيث تلقف الشاعر د غازي القصيبي بعض مانشر لها في بدايات رحلتها في مسارات الإبداع معلقاً بقوله : ( تكشف قصائد فاطمة القرني عن موهبة متمكنة وتجربة تستحق الاحتفاء ؛ ولم تلفتني تجربة سبقتها في ميدان الشعر السعودي إلا ما قرأته قبل سنوات لشاعرة برزت لفترة ثم توارت ، نُشرت نصوصها باسم مستعار هو "غيداء المنفى").
ويُشيد الأديب عزيز ضياء بموهبتها .. وهي شهادة نُشرت في بداياتها أيضاً، وذلك عقب اطلاعه على مجموعة من قصائدها عن طريق ابنته الإعلامية "دلال" التي أجرت مع د. فاطمة لقاء إذاعياً حيث يقول : لقد كان لقاء ابنتي بالشاعرة فاطمة القرني مفاجأة أذهلتها ؛ ليس على مستوى تميزها الشعري اللافت فحسب ؛ وإنما على قدرتها على الحوار والمناقشة بلغة يندر فيها التعثر والخطأ؛ وأعني بها "الفصحى" المتقنة والعفوية في نفس الوقت ، إن ما بين يدي من قصائد الشاعرة شاهد على أن المبدعة السعودية قادرة على أن تحمل السلة من اللؤلؤ تجمع أصدافها من نثير الزمرد والفيروز في رمال الصحاري والقفار وتحمل حزمة الفل من حدائق تبوك يستنشق أريجها شباب وشابات في أوروبا مع ما تصدره تبوك إليهم من ورود جنائنها .. إن ما اطلعت عليه من قصائد جدير بأن نراه منشوراً في ديوان لا شك في أنه سيرجح عن كثير مما نستقبل من دواوين الشعر والشعراء).
ويتوقف الكاتب مشعل السديري متناولاً إحدى قصائدها بالقول : (فاطمة القرني من أجمل الأصوات الشعرية في ساحتنا الثقافية وإلى جمال الصوت هناك خيط من الأسى مدروز في ثنايا الكلمات؛ هناك صور متعاقبة ومتداخلة بل ومشتبكة مع بعضها البعض من الرومانسية إلى الوجودية إلى الواقعية، وهي في قصائدها ذات نفس واحد يكاد لا ينقطع حتى وإن تجزأت القصيدة عندها إلى عدة أجزاء). ويحتفي الشاعر معيض البخيتان بعمق ارتباطها بالمكان فيقول : (الشاعرة فاطمة القرني ذات الصوت الذي تحس فيه بإيقاعات الجبل وبعد المنحدر وعراقة المكان؛ هذه الشاعرة التي كلما قرأت لها شيئاً تذكرت السراة بعضاتها وشعافها وفتيق ما تدفعه في الروح والوجدان ، شاعرتنا واحدة - إن لم تكن في الطليعة - من شاعرات هذا الوطن اللواتي مهرن الفصاحة بالوجد والتلقائية المبدعة ، لم تكن من ذوات المهيع الفئوي أو المتشبثين بنمط دون غيره وإنما دخلت الى دنيا الكلمة بلونها وبتراب أهلها الأخاد ، لقد قراتها وهي تلوح للغيوم وتركل القابع وتدلل على أن الحياة ايمان لا يتأثر ولا يتغير كما قراتها إنساناً لها مناطها بالأرض والحنين والتوق المنطلق). ويتنبه الناقد محمد العباس إلى ملامح يصطبغ بها محتوى زاويتها: "إذا قلت مابي" قائلاً : ( تتسم كتابات فاطمه القرني باسترواحيتها التأملية التي لا تخلو من إشارة نقدية ولو مستترة، ورغم اعتمادها على الأدب كركيزة لمقالتها إلا أنها - في استقلاليتها - تختلف عن عدد من الكاتبات اللواتي يوظفن خمائر المعلومة الأدبية في مسارات أقرب إلى الهمس منها إلى الجدل ممن تأثرن بأسلوب عبدالله الجفري في الكتابة). ولا تتردد الناقدة د/ فاطمة الوهيبي في التأكيد على ( إن التحام النص بالإنسان عند فاطمه القرني واضح لا تخطئه العين، والتفكير الرومانسي الذي طالما جعل انبثاق الفن من الداخل ضوءاً أو مصباحاً أو نوراً أو حقيقة شبه كاملة - بالنسبة إلى الشاعر على الأقل - ملائم تماماً للخلفيات التي تنطلق منها في صنع النص؛ حيث مرحلة الخلق هي مرحلة مرآة تعي فيها الذات نفسها كموضوع وتعي ذاتها كذات خالقة فاعلة ، ومع المرأة الشاعرة سنلمح البعد الأنثوي الذي سيربط المسالة برمتها بقضايا الجسد الأنثوي الحميم، الرحم والحمل والولادة وعناء المخاض ولهفة استقبال الجنين، وهذه الولادة ليست انسلاخاً ولكنها امتداد للذات وللكينونة التي تجد فيها المرأة نفسها وتتمرأى فيها هوية وحلماً واستمراراً).
لقاءاتها ومقولاتها
امتدت مشاركاتها الإعلامية إلى القنوات المرئية والمسموعة والمقروءة، حيث ناقشت هموم المواطن السعودي ذات الأولوية لديها وفي مقدمتها : قضايا الإسكان والصحة والبطالة والإعلام بمختلف تنويعاته ومنافذ بثه ؛ هذا بصفة عامة .. أما في ميادين الأدب والشعر فبالنظر لما احتوته لقاءات إعلامية منوعة مع الدكتورة فاطمة القرني نقف على إشارتها لميلاد حرفها في ميدان الكتابة الإبداعية حيث تذكر أنها بدأت النشر في أواخر المرحلة المتوسطة باسم مستعار قبل التصريح باسمها الحقيقي عام 1990، وأن تنقلاتها بين المناطق السعودية، خاصة إقامتها في تبوك، صقلت وجدانها وأثرت في شعرها حيث ترى أن المكان ليس مجرد إطار زمني عابر، بل عنصر راسخ وكينونة متجذرة في قصيدتها. ويبرز في لقاءاتها أيضاً موقفها من عدد من مثارات الجدل في الساحة الأدبية المتخصصة وكذلك الثقافية بصفة عامة ؛ لعل من أهمها :
1 - قصيدة النثر :
ترى الدكتورة فاطمة القرني أن "قصيدة النثر" فن بديع لا يجيد الكتابة فيه إلا قلة نادرة من المبدعين السعوديين بل والعرب عامة ، وقد أخذ هذا الفن من مُميَّز الشعر وأصيله ما فيه من جمال الإيجاز وحدة التكثيف وإشراقة الرمز إلا أنه مع ذلك يظل نثراً، وتتساءل الدكتورة فاطمة : (ما الذي يُضير المتحمسين له في نسبته الى النثر ، لماذا نستلبه نسباً شرعياً أصيلاً ومكفولاً ونلصقه ظلماً وادعاء بغير منبته؟!). وترى إن الجدال الذي دار ولم يزل في ميدان التنازع حول تجنيس هذا الفن قد استهلك طاقة كثير من النقاد والمبدعين وألهاهم عن الجهد الذي كان حقه أن يبذل في سبيل استكناه طبيعته بما هو فن نثري تفوقُ بعض نصوصه في جمالها وعمق تناولها قصائد مطولة عمودية الشكل أم تفعيلية، وتجد د/ فاطمة أن من أقرب الصور لتجسيد رأيها في هذا الفن ومدى قربه أو بعده عن الانتساب للشعر المقارنة التي يمكن أن نعقدها بين "الصورة الفوتوغرافية" وبين "المقطع السينمائي المتحرك" فكلاهما مذهل في ذاته لكن لكل منهما سمته واشتراطاته الخاصة التي يتميز بها عن الآخر ، ثم إن افتقار الشعر للموسيقى قديمةً أو جديدة يُفقده خاصية من أهم الخصائص التي تُحسب له في امتاع المتلقي وهي خَلق ردة الفعل الشَّجِنة الطربة التي تعبرها القصيدة جسراً للتعاطي مع فكره قبل وجدانه وبمراحل؛ وهي تؤكد على هذا استدراكاً قبل أن يظن السائل أن "الترقيص" في ذاته هو غاية الشعر عندها فالشعر عُمق وتفرد.. هو تناول صادم ومشاكس .. أجل .. ولكن لا يمكن أن يتخلق كونه المزلزل هذا متجاوزاً شفيف أرواحنا إن خلا من الموسيقى؛ وأيُّ أرواح تلك التي تنتبه بلا دندنة أو تَغْنَى وَجْداً ووجداناً بلا تطريب؟.!
2 - المرأة والشعر .. بين الحضور والـ " تغييب" ! :
تستنكر الدكتورة فاطمة بعض الآراء النقدية التي تصدر من حين إلى حين جازمةً بعدم وجود المرأة الشاعرة المبدعة للشعر الكلاسيكي العمودي الذي يجمع ما بين أصالة القالب الموسيقي وحداثة اللغة والصورة الفنية التي تتمثل فيه، وذلك بالمقارنة مع الوجود الغزير للشعراء المجيدين لهذا الفن في العصر الحديث ؛ وترى أن هذا الرأي لا يعدو كونه شاهداً على تراخي أولئك الذين أطلقوه وقصور اطلاعهم وتتبعهم لما ينتج في الساحة الأدبية من قصائد ودواوين شعر تتضمن نماذج عمودية لافتة كتبتها وأبدعتها شاعرات ينتمين لأكثر من بلد عربي، وعن تجربتها الخاصة فهي تؤكد أن شعرها يتقاسم فيه الشعر (العمودي) و (شعر التفعيلة) المساحة التي يتخلق منها وفيها صوتها الشعري بدرجة متوازنة عدداً وعتاداً دون أن تتعمد هي السعي ومن ثم بلوغ نتيجة المناصفة هذه ؛ فالقصيدة تكتب نفسها – إن صح التعبير - يسوقها باعث كتابتها إلى وجهة التَّغنّي الأنسب المعبرة بصدق وعمق عما تريد البوح به ؛ يقول الدكتور صالح زيّاد : ( تقلب الشاعرة د/ فاطمة القرني معادلة العلاقة بين المرأة وما شاعت تسميته بالشعر العمودي الى علاقة إيجاب وحضور وإثبات فهي تكتب القصيدة بإتقان في قالب الأوزان العروضية الموروثة والمقفاة مخالفة بذلك ما كاد يستقر في وعينا من صفة تنافٍ في تلك العلاقة برهانها قلة الشاعرات السعوديات المجيدات اللاتي يكتبن الشعر الموزون المقفى ، وفي ديوانها "مطر" تواصل حفاوتها بالقصيدة العمودية وافتتانها في تشييد قالبها الذي يشير إلى عمق تراثي مكين وإلى استيعاب للغة ، يحذق - من زاوية نحوية وبلاغية ومعجمية ـ تأليف جملها وتركيبها في نظام البحور والقوافي الذي يبدو من زاوية المعاصرة وكأنه امتحان للمعرفة باللغة ).
3- الشعر والتقنية .. تنازع "الأنسنة" و "الاصطناع" :
توجز د/ فاطمة رؤيتها فيما يتصل بالعلاقة التبادلية بين الشعر والتقنية فيما يلي من مواقف تتباين تقبلاً ورفضاً وفق تَبايُن سُبُل إفادة كل منهما من الآخر: أولها .. ما برز من آليات تعاط بين الطرفين في بداية توظيف تقنيات الحاسب لخدمة الشعر منذ زمن ليس باليسير، إذ توقفت حينئذ عند منعطف لافت منها تمثل في الزعم بأن تغذية ذاكرة الحاسب بسمات أدب شاعر ما وما عرف عنه من خصائص أسلوبية وتصويرية وموسيقية كفيل بأن يتمكن الحاسب من إتمام أي عمل عالق لهذا الشاعر مات دون أن يتمه أو انصرف عن إتمامه وهو على قيد الحياة لأي سبب! ، وهي إذ لا تتفق مع من جزم بنجاح هذا الإجراء تبرر لردة فعلها بأننا - ولو سلمنا مكرهين بقدرة الحاسب على ممارسة إبداعية كهذه - يجب أن نتذكر أن الشاعر نفسه لا يكون "هو" ذاته و "هو" صوته في كل "الأحوال" التي ينطلق منها في تعبيره عن تجاربه وعن تمثل تجارب الآخرين وإن تكررت هذه أو تلك ؛ حيث تتداخل عوامل كثيرة تجعل تطابق تعبير الشاعر عن أحاسيسه تجاه باعث كتابة القصيدة ضرب من المحال وإن تكرر ذلك الباعث بالحدة والحميمية نفسها في أكثر من لحظة ميلاد لقصيدة .. حيث يظل (مزاجه) النفسي والفني سيّد اللحظة الذي ينتهي به إلى هذا الاتجاه أو ذاك .. ساكناً أو راقصاً .. باكياً أو ضاحكاً جذلان.! أما ثانى مواقفها .. فهو ترحابها وتقديرها لما تصفه بـ "العلاقة التفاعلية التكاملية" بين الطرفين ، والتي من أبسط صورها ما تعالجه تقنيات الذكاء الاصطناعي في تجسيدها لمعاني القصيدة في انعكاس فنّي تُجلّيها فيه (لوحةً تشكيلية) أو (معزوفة موسيقية) أو فيلماً مصوراً نابضاً بالحياة .. أو ماعدا ذلك من فنون خلّاقة تضيف للشعر بقدر ما تستلهمه وتستقي منه؛ وهي آلية لاتمس أصل النص الشعري وإنما تغتني به وتُغنيه على حد سواء. وينتهي ثالث المواقف بالدكتورة فاطمة إلى عصفٍ من المشاعر التي تصف أظهرها احتداماً بشعور "الخيبة" والتوجس من قادمٍ يحول فيه الشاعر "الإنسان" إلى وجود زائد لا قيمة لإبداعه ولا تأثير ! ؛ وتاتي هذه النظرة التشاؤمية من قبلها نتيجةً لما تصفه بالسعي الحثيث من القائلين بنجاح (أدوات الذكاء الاصطناعي / الآلة) في إنتاج القصيدة المميزة بدرجات تفوق إبداع (الشاعر / الإنسان) ، بل إن منهم من ينادي بضرورة العمل على سن القوانين التي تضمن حماية النص المولد من تقنيات الذكاء الاصطناعي من انتقاصها من قبل المبدعين البشر أو ادعاء هامشيتها وإخفاقها وعدم جدواها !!، وهذه - حسب توصيف د/ فاطمة - كارثة حقيقية تكاد تتقدم كل ما استهدف به الإبداع الشعري من تحديات وتعديات على امتداد عصورنا الأدبية وعلى فرادة تنوع منتجنا الشعري الإنساني فيها. وتعلل لذلك بفداحة الخسائر التي سيقودنا إليها حراك غاو مضلل كهذا خاصة بالنسبة للأصوات الواعدة التي نسعد ببروزها بين الحين والحين الآخر ، والتي من حقها أن تُرعَى مواهبها بالتلقي والمراجعات التي تصقلها وتمكنها من أن تتطور وتصل بنصوصها إلى درجة الكمال المنشود لغةً وخيالاً وموسيقى وكينونة مكتنزة بالعمق الوجداني والعاطفة الموارة التي لا يمكن أن تعوض عنها مدخلات معلوماتية تؤلف فيما بينها وتعمل على إعادة انتاجها آلة صماء بليدة؛ ولنا أن نتوقع جازمين كم من شاعر موهوب جذبه هذا الحل السهل .. ومن ثم انصرف للاعتماد عليه في إتمام ما استعصى عليه من نصوص أو خلق نصوص مستقلة ينسبها لنفسه مما لم يكن له تدخل في كتابته من لحظة نشوئه فكرةً وتصوراً ومن ثم صياغة نهائية ... !!.. كم سنفقد من قدرات إبداعية أصيلة الموهبة نتيجة لهذا التوجه ؛ بل كم من أسماء دخيلة سنبتلى ببروزها في ساحة إبداعنا الشعري ممن لا تتجاوز صلتهم به جهد النقر على لوحة مفاتيح الكومبيوتر وحشر اشتراطات مايرغبون في كتابته ومن ثم تلقيه واعلانه والزهو به تجربةً زائفة ولحناً نشازاً ؟ .!!
4- الشعر الساخر .. "هَزَلُ الجادين " ! :
يلاحظ المتابع لشعر د / فاطمة وجود النصوص التي كتبتها في فن "الشعر الساخر" بدرجة لافتة؛ وأنها – بخلاف كثير من أمثالها من الشعراء المتمكنين - لم تتهيب من الإقدام على نشره ، سواءً في زاويتها ( إذا قلت مابي) أو في دواوينها .. حيث لا يكاد يخلو كل ديوان منها من قصائد تتصف بالحس الساخر ، وقد توقف عدد من النقاد عند هذا الملمح في شعرها ، ومن ذلك تعليق الدكتور صالح زياد على إحدى قصائد ديوانها ( عندما غنى الجنوب ) يقول : ( واذا كانت الدكتورة فاطمة تبرهن باتساعها في استخدام اللغة على القوة فإن السخرية لديها دلالة حيوية وحركة وحرية وانتقاد وشجاعة، وهي دلالة تمنح مزيداً من شعور القوة والتفوق؛ فالسخرية تعبير عن شعور الانتصار .. وعلماء النفس يقرنون اتساع الحس الساخر بارتفاع نسبه الذكاء، لكن سخرية الدكتورة ليست للهو والفكاهة وإن توسلتهما .. فهي ممارسة جادة لتعرية الواقع ..). وترى الدكتورة فاطمة القرني أن الكتابة في هذا الفن تُحسب للشاعر لا عليه .. وتعبر عن تميز ملكته الشعرية، ورغم أن ما شاع منه يبرز في مجال النقد الاجتماعي إلا أنه قابل لاستيعاب كل مواطن التناول الأخرى بكل تنويعاتها ـ وهو ما عمدت إليه في شعرها – إذ عبرت من خلاله عن الكثير من رؤاها ومواقفها متيقنة من كون هذه الآلية تؤتي ثمارها وتوصل رسائلها المؤثرة للمتلقي بعمق وفعالية في الآن نفسه.
5- الشعر العامي أو شعر اللهجة المحكية :
وهي التسميتان التي تراهما أصوب من تسميته بـ (الشعر النبطي) ، حيث تؤكد د/ فاطمة على دوره المهم في حفظ موروثنا الثقافي الثري المنوع وفي التعبير عن تجارب الشعراء بعفوية وحميمية وبراعة تنازع ما تفوق من الشعر الفصيح مكاناً ومكانة ؛ غير أنها ترى أن على شعرائها الواعدين منهم على وجه الخصوص أن يتأملوا في منجز الأصوات المبدعة التي قدمت نتاجاً استثنائياً في هذا المجال ويقتدوا بها على مستوى القالب وعلى مستوى الصورة ومن ثم ينطلقوا مما انتهت إليه من إبداع لافت متفرّد ؛ مُحذِّرة في الوقت نفسه من أن يطغى اهتمام المؤسسات الثقافية به على الجهد الذي يجب أن يُبذل في العناية بالشعر الفصيح، ولقد وردت آراؤها هذه في أكثر من لقاء ، وحظي أحدها بتعليق مُحتفٍ من سمو الأمير الشاعر بدر بن عبدالمحسن في زاويته بمجلة المختلف / العدد (66) يناير 1997م تحت عنوان (الرسايل..) إِذْ خَاطَبَها قائلاً : ( الأخت الشاعرة فاطمة القرني : قرأت لك لقاءً في "جريدة عكاظ" ، ولقد ورد في اللقاء رأي جميل في الشعر الذي أكتبه .. لو أن من عادتي أن أحمل قصاصات جرائد في جيبي لحملت لقاءكِ هذا ؛ أعتز بك شاعرةً وأديبة ، وأعتز برأيك في شخصياً.. شكراً على تلك القناعة الشجاعة الغالية). وقد يُفاجأ كثير من متابعي د/ فاطمة بأن لها نتاجها العامي المميز المكتوب باللهجة المحكية ، العمودي منه والتفعيلي .. نُشر في عدة مطبوعات معنية بهذا الفن تحت اسم مستعار هو (حانية)؛ وظفر بإشادة عدد من شعرائه المبدعين .. من بينها تعليق الشاعر صالح الشادي في "مجلة مشاعر" - عدد مارس 1997م إثر اطلاعه على إحدى قصائدها التفعيلية المنشورة في المجلة حيث قال : ( ... ياااالله !!.. هذي الشاعرة تكتب بطريقة لا يتقنها سوى خمسة أو ستة من أبدع الشعراء الذين يكتبون القصيدة الحديثة). لكنها رغم هذا التلقي المحتفي لم تستمر في نشر قصائدها العامية على كثرة ما كتبت في هذا الفن ممالم يزل مخطوطاً حتى الآن.
.png)



تعليقات