top of page

الملف الأدبي: حصّة المفرّح

تاريخ التحديث: 17 أكتوبر 2025

تتحرّك الدكتورة حصّة بنت زيد المفرّح في المشهد الأدبي والثقافي السعودي بثقة العالم ودهشة المبدع، فهي أستاذة الأدب والنقد في جامعة الملك سعود، وناقدة عميقة تنتمي إلى جيلٍ نقديٍّ سعوديٍّ جديد يربط الأدب بالفنون، والتقنية بالهوية، والمكان بالمعنى. لا تنغلق في الأكاديمية، بل تحمل خطابها إلى المقهى، والصالون، والمعرض، حيث يتحوّل الدرس الجامعي إلى حوارٍ مفتوح بين النقد والحياة. في لقاءاتها الأربعة التي حللناها على "يوتيوب" – «تأملات في سرد ما بعد الإنسانيّة»، «عتبات النص الروائي»، «ذاكرة النص – توظيف التراث الأدبي»، و«الأدب والعمارة» – رسمت المفرّح خريطة فكرية نادرة، تجمع بين وعي المستقبل وحنين الذاكرة، وتقدّم مشروعًا نقديًا سعوديًا يؤمن بأن الأدب ليس فقط مرآة الإنسان، بل مختبر تحوّلاته.


تأمّلات في سرد ما بعد الإنسانيّة

في مقهى «الرحا» الأدبي بالمدينة المنوّرة، فتحت المفرّح نافذة جديدة على النقد العربي حين تحدثت عن أدب ما بعد الإنسان. بهدوء الباحثة، بدأت حديثها قائلة:


«لم نكن نلتفت إلى مثل هذه الموضوعات، كنا نركّز دائمًا على الظواهر الإنسانية. أمّا اليوم، فالعالم يزحزح الإنسان من مركزيته.»

رأت أن هذا الاتجاه لا يقتصر على الفلسفة أو العلوم، بل أصبح يخترق السرد العربي الحديث، حيث يتجاور الإنسان مع الروبوت، ويتقاطع الجسد الطبيعي مع الجسد الاصطناعي. تناولت أربع روايات نموذجية:

  • رفّ اليوم: ما لم يستطع السيد الحصول عليه (نجوى العتيبي)،

  • الرحلة رقم 370 (وليد عودة)،

  • حرب الكلب الثانية (إبراهيم نصر الله)،

  • متنزّه الغائبين (ميثم الخزرجي).

في قراءتها لهذه الأعمال رأت أن الرواية الحديثة لم تعد تحكي «قصة إنسان»، بل «تسجّل مرحلة الانتقال من الإنسان إلى ما بعده». فالطبّ أصبح وسيلة للتحكّم في الجسد، والذكاء الاصطناعي صار يحكم منطق السرد، واللغة نفسها فقدت حرارتها الإنسانية. تقول:

«السرد ما بعد الإنساني لا يكتب عن الحاضر، بل يستشرف عوالم قادمة. اللغة فيه تميل إلى الجمود، وكأنها عقل آلي يراقب العالم دون عاطفة.»

وتضيف أن أهمّ ما يميّز هذا الأدب هو تحوّل الراوي من إنسانٍ إلى خوارزمية أو موجةٍ صوتية، مما يغيّر طبيعة الحكاية كلها. وتختم اللقاء بجملة مكثّفة صارت شعارًا لقراءتها:

«ما بعد الإنسانيّة ليست نهاية الإنسان، بل اختبارٌ لحدود إنسانيته.»

*صدر لها كتاب جديد في أغسطس 2025 بعنوان تخوم الإنسان: سرديات عربية من عوالم مابعد الإنسانية.


عتبات النص الروائي بين الحضور والغياب

في ندوة كرسي د. غازي القصيبي للدراسات الثقافية، قدّمت المفرّح واحدة من أكثر قراءاتها نضجًا بعنوان «عتبات النص الروائي بين الحضور والغياب: تجربة عبده خال أنموذجًا». استندت فيها إلى منهج جيرار جينيت في تحليل العتبات (العنوان، الإهداء، التصدير، الهوامش)، لكنها أعادت توطينه داخل السياق العربي والسعودي. تقول في مستهل اللقاء:

«العتبة ليست زينة على باب النص، إنها الباب نفسه. من دونها لا يدخل القارئ ولا يخرج النص.»

ترى أن عبده خال هو أحد الروائيين الذين يدركون وظيفة العتبة إدراكًا عميقًا؛ فهي عنده تُنتج المعنى لا تزيّنه. حلّلت عناوين مثل الموت يمر من هنا، مشيرة إلى أن ثنائية الموت والحركة في العنوان تفتح كل دلالات الرواية. كما تناولت الإهداءات الساخرة في نباح، والهوامش التخييلية في ترمي بشرر التي تتحوّل فيها الحاشية إلى صوتٍ سرديٍّ آخر. وتقول:

«العتبات في نصوص عبده خال تعمل كشبكة كهربائية تُضيء المتن من أطرافه. لا يمكن قراءة الرواية من الداخل فقط، لأن معناها يتولّد في الحدود.»

ثم تذهب إلى مفهوم «الحضور والغياب»، موضحة أن بعض العتبات تغيب لتُغوي القارئ بالبحث عنها، وأن حذف التصدير أو الإهداء أحيانًا فعلٌ جماليّ واعٍ يخلق فراغًا دلاليًا. وختمت اللقاء بعبارة أصبحت مرجعًا في حديثها عن النقد الجديد:

«احذروا العتبات… فهي أحيانًا تخفي النص أكثر مما تكشفه.»

ذاكرة النص - توظيف التراث الأدبي في القصة القصيرة

في حوارٍ مطوّل بمناسبة صدور كتابها ذاكرة النص، تناولت المفرّح علاقة الأدب بالتراث من زاوية مختلفة؛ لا بوصف التراث ماضيًا منتهيًا، بل ذاكرةً فاعلةً داخل النص الحديث. بدأت بتحديد المفهوم قائلة:

«عندما أقول ذاكرة النص، فأنا أبحث عن ذلك الأثر القديم الذي يسكن النص الحديث. النص لا ينسى ماضيه، بل يعيد تأويله.»

فرّقت بين التأثر والتوظيف: فالأول محاكاة تقليدية، والثاني استثمارٌ جمالي.

ثم شرحت أن توظيف التراث الأدبي يعني إعادة استخدام العناصر التراثية (المثل، الحكمة، الحكاية، الشخصية التاريخية) داخل بناءٍ معاصر يغيّر معناها ووظيفتها. قدّمت أمثلة من القصة القصيرة في السعودية والخليج واليمن:


  • توظيف «قصص المعراج الصوفي» في نصوص بحرينية وعُمانية.

  • استلهام الأمثال الشعبية عند عبدالعزيز مشري، والحكاية الشعبية عند حسن النعمي.

  • إعادة رسم «المرأة الأسطورية» في قصص سلمى مطر سيف الإماراتية.


وعن حدود التراث الشعبي والتاريخي قالت:

«لا أستطيع أن أفصل بين التراث الأدبي والتاريخي. فالحجاج والمعتمد بن عباد مثلاً شخصيات أدبية بقدر ما هي تاريخية، لأن الذاكرة هي التي تكتب سيرتهم.»

كما ناقشت مفهوم «الأدب الرقمي» قائلة:

«ليس كل ما يُكتب على تويتر أدبًا رقميًا. الأدب الرقمي يبدأ حين تُنزع الوسائط فينهار النص.»

وفي ختام اللقاء تحدثت عن ضرورة أن يضع القارئ خطة قرائية واعية في معارض الكتب، ثم فاجأت الحضور بترشيحٍ جميل قالت فيه:

«هناك اسم شاب لفت نظري… كتاباته رائعة، وأتوقّع له مستقبلًا واعدًا، هو الكاتب ماجد سليمان.»

وختمت حديثها بعبارة تعبّر عن جوهر مشروعها:

«التراث بحر، لكن قيمته اليوم في وظيفته داخل النص الحديث.»

الأدب والعمارة – النص بوصفه بناءً والعمران بوصفه سردًا

في لقاء فريد من نوعه، فتحت د. حصّة حوارًا بين الأدب والعمارة، معتبرةً أن كليهما فنّ للبناء؛ الأدب يبني بالمعنى، والعمارة تبني بالمكان. بدأت بتشبيه لافت:

«النص الجيّد لا يُشيَّد بالكلمات فقط، بل بالأبواب التي تفتحها تلك الكلمات في وعي القارئ.»

تشرح أن الكاتب والمعماري يبدآن بالطريقة نفسها: تصوّر – تصميم – تنفيذ – تأويل. فالرواية مثل البيت: تحتاج إلى أساسٍ لغويٍّ متين، وجدرانٍ سردية، ونوافذ دلالية تُطلّ على الضوء. وتضيف:

«العمارة سردٌ صامت، والأدب عمارةٌ ناطقة.»

تناولت تجليات العمارة في الرواية السعودية، خاصة في أعمال رجاء عالم التي حوّلت مكة إلى معمارٍ روحيٍّ قائمٍ على الصعود والانفتاح، كما تحدثت عن الأدب الذي يصوغ المدن الجديدة بوصفها كائنات سردية. وفي المقابل، أشارت إلى أن بعض المعماريين المعاصرين يبنون مباني تُقرأ كما تُقرأ الروايات؛ المتحف، المقهى الأدبي، المكتبة العامة، كلها أصبحت نصوصًا مادية تروي تاريخ الإنسان. وختمت اللقاء بدعوة جريئة لتأسيس حقل نقدي سعودي جديد:

«نحتاج إلى (سيميائيات المكان المعماري في الأدب)، لنقرأ المبنى والنص كحكايتين متوازيتين ترويان الإنسان في المكان.»

خلاصة فكرها ومشروعها النقدي

في كل هذه اللقاءات، تتّضح ملامح مشروعٍ متكامل للدكتورة حصّة المفرّح:

مشروع يرى الأدب كائناً حيًّا يتنقّل بين التراث والتقنية، بين الورق والمدينة، بين الإنسان وما بعده. تجمع بين حسٍّ نقدي صارم وذائقة إنسانية عالية، وتضع القارئ أمام أسئلةٍ كبرى عن الكتابة، الذاكرة، والمستقبل.

«النقد لا يعيش في الظل، بل يضيء مسارات الإبداع.»
«كل بيتٍ في الأدب يحمل روح ساكنيه، كما تحمل كل روايةٍ مخطّطها المعماري الداخلي.»
«حين تفقد النصوص عتباتها، تفقد بوصلتها الجمالية.»

بهذا الصوت الواثق، وبحضورٍ علميٍّ آسر، تكرّس د. حصّة المفرّح موقعها كأحد أعمدة النقد السعودي المعاصر، تجمع بين عمق الدرس الأكاديمي ودفء الروح الثقافية، وتمنح النقد العربي نَفَسًا جديدًا يعبر من ذاكرة التراث إلى سرد المستقبل.

تعليقات


bottom of page