top of page

هل الإبداع ينبع من الذات؟


قبل أيام، أعدتُ مشاهدة فيلم بعنوان ”الكل حقيقي“، ويحكي الفيلم جانبًا من حياة وليم شكسبير وعلاقاته بعائلته. بدت أحداث الفيلم وكأنها مغموسة في المناظر الطبيعية إلى درجة لم تخلُ لقطة واحدة من ألوان الطبيعة الزاهية والمياه الجارية بين الأشجار. أعجبني الفيلم فنيًا وموضوعًا.


توقفت عند هذا الحوار اللطيف بين شكسبير وأحد الأشخاص:

  • أريد أن أسألك، كيف عرفت؟

  • شكسبير: عرفت ماذا؟

  • كل شيء. لا توجد زاوية في هذا العالم لم تستكشفها، ولا معالم في النفس البشرية تعجز عن الإبحار فيها. كيف؟ كيف تعرف، وأنت لم تسافر حول العالم، وربما لم تخرج من إنجلترا؟

  • شكسبير: ما أعرفه هو من نسيج خيالي.

  • نسجت خيالك من ماذا؟

  • شكسبير: من نفسي. لو أردت أن تصبح كاتبًا، وتتحدث مع الآخرين وعن الآخرين، فتحدث مع نفسك أولًا. ابحث في ذاتك، ولو كنت صادقًا مع نفسك، فإن ما تكتبه كله حقيقي.


لكن ما المقصود بالذات؟

الذات، بالإضافة إلى الصفات الجسدية والنفسية للشخص، تشمل ما تحتويه الشخصية من ذكريات وأفكار وصور ومعلومات معرفية وثقافية عن المكان والزمان والأشخاص والتاريخ. كل هذه تُغرس في العقل والنفس وتتحول إلى صيغ اجتماعية وثقافية وفنية مختلفة، يستحضرها كل إنسان من ذاته بناءً على صفات خاصة به، تجعل من هذا شاعرًا، ومن ذاك قاصًّا، ومن آخر مؤلفًا مسرحيًا… إلخ.


ومن المقطع المنسوب لشكسبير في الفيلم، يبدو أن الصدق مع الذات هو عنصر مهم وأساس في عملية الإبداع. ويبدو لي أن هذا الصدق لا يحدث في يوم وليلة؛ فهناك دائمًا مبارزة حادة داخل العقل والنفس لدى كل إنسان تتعلق بذاته أو علاقاته بأسرته أو بالآخرين من حبٍّ وكرهٍ وغير ذلك.

ولكي يصل المرء إلى هذه اللحظة، فعليه أن يمارس النقد الذاتي لتصرفاته وأفكاره وأحاسيسه، ويحاول معرفة دقائق الأمور: لماذا يشعر بهذا الشعور تجاه هذا الشخص أو ذاك؟ عليه أن يبحث بصدق وعمق عمّا أثار هذه المشاعر في داخله. حين يصل إلى نقطة الصفاء أو النضج، يبلغ مرحلة التوازن التي تمكنه من استبطان النفوس والعقول، أي ما وراء الظاهر. يشعر بها كوميض يمر بسرعة في نفسه وخياله، وحين يتمكن من التقاطه يتحول إلى نص فني أو فكرة مميزة.


ولهذا نجد كثيرًا من المبدعين الروائيين مثل ديستويفسكي، وغوركي، وجاك لندن، وهمنغواي، يصرّحون بأن ما يكتبونه نابع من تجاربهم الذاتية في السجون أو الحروب أو غيرها، دون محاولة لإخراج أنفسهم من قانون التجربة الإنسانية، كما يفعل بعض الكتّاب الذين يحاولون الادعاء بأن ما يكتبونه يأتي بوحيٍ خارجيٍّ لا يعرفون مصدره، ولا إرادة لهم فيه.

وربما هم صادقون، ولكن لو كانوا أكثر صدقًا لبحثوا في أعماق ذواتهم فسيجدون الإجابات صريحة وواضحة. الفارق هو في تمثل التجارب؛ فكل شخص يستقبلها ويعبّر عنها بطريقة مختلفة قد تصل إلى حدٍّ يخدع فيه الإنسانُ عقلَه ونفسَه، فيظن أن ما يكتبه وحيٌ خارجيٌّ موجهٌ إليه.


ختامًا، أنا أتفق مع العظيم شكسبير على أن الإبداع ليس هبة خارقة تأتي من الخارج، بل هو لحظة مصالحة عميقة مع الذات، حين يتوقف المرء عن التمثيل ويبدأ في الإصغاء لما في داخله من فوضى وصدق وذاكرة

تعليقات


bottom of page