top of page

ملخص لقاء: أزمة الفلسفة بين العلمنة والعلموية



في اللقاء الخامس والتسعين لنادي سمو الحرف في مكتبة صوفيا – الرياض، واصل د. سعد البازعي مشروعه المفتوح حول ”الأزمة في الحضارة الغربية“، متوقفاً هذه المرة عند أزمة الفلسفة الحديثة كما تتبدى عبر ثلاثة محاور متداخلة: العلمنة، العلموية، وحضور الآخر. منذ الافتتاح، شدّد البازعي على أن هذه السلسلة ليست تأريخاً تقليدياً، بل قراءة في “الجانب التأزّمي” للحضارة: تلك اللحظات الحرجة التي تقود المفكرين إلى مفترق طرق، حيث تتصارع المسارات وتتجاور اليقينات مع الشكوك. ينطلق البازعي من أطروحة بسيطة وعميقة معاً: الأزمة ليست حادثة طارئة؛ إنها آلية اشتغال حضاري. ومن ثمّ فإن أزمة الفلسفة الغربية —بقدر ما هي أوروبية المنشأ— هي من أزمات عالمنا المعاصر أيضاً، لأن أثر الحضارة الغربية اليوم كونيّ، حتى حين نحاول “تحييدها” وفهمها داخل ظروفها التاريخية الخاصة.


نيتشه: بين زرادشت وسقراط


يضع البازعي نيتشه في قلب المشهد بوصفه ”مهندس الحداثة الفلسفية“. إعلان ”موت الإله“ عند نيتشه ليس مجرد صدمة لغوية، بل ذروة مسار علمنة طويل. غير أن انتباه المحاضر يتجه إلى أزمة ”الآخر“: لماذا اختار نيتشه زرادشت (الحكيم الفارسي) قناعاً لفلسفته بدل سقراط اليوناني؟ يرى البازعي أن الاختيار صفعة رمزية للموروث اليوناني المهيمن، ومحاولة لتدشين انقطاع راديكالي. لكن نيتشه يعود في نصوص أخرى لتمجيد ”الروح الأوروبية“ وتهميش الشرق والمسلمين، فنقرأ تأرجحاً حاداً بين الانفتاح والانسحاب؛ بين الحاجة إلى الآخر ونفيه. حتى العلم —كما يعترف نيتشه— لا يخلو من إيمان ميتافيزيقي متوارٍ، ما يعني أن القداسة لا تزول بل تُعاد توطينها في صور جديدة.


هوسرل: أزمة العلوم الأوروبية


عند هوسرل، تتخذ الأزمة صيغة عنوان صريح: ”أزمة العلوم الأوروبية“. هيمنة العلم الطبيعي التجريبي ضيّقت أفق المعنى وحصرت المعرفة في المحسوس، فهبطت الفلسفة من مقامها التأملي. يقترح هوسرل خلاصاً بمنهج الظاهراتية لردّ الأشياء إلى بداهاتها المؤسسة. غير أن خطاب ”الروح الأوروبية/اليونانية الخالصة“ يكشف مأزقاً هوياتياً: نزعة تعالٍ تُقصي الثقافات غير الأوروبية وتتنكّر لما أدّته الحضارات الوسيطة —ومنها العربية الإسلامية— من أدوار تأسيسية في نقل الفلسفة وتحويرها.


هايدغر: لا ينقذنا إلا… إله؟


أما هايدغر فيقرأ الأزمة على أنها انقطاع عن الوجود نفسه، والحلّ لديه: عودة جذرية إلى اليونان. هنا أيضاً يُقصى الدور العربي-الإسلامي في حركة الترجمة والتأسيس الوسيط. الأكثر إثارة أن هايدغر، الذي فكّك ”ميتافيزيقا الحضور“ وهاجم وثوقيات الحداثة التقنية، ختم حواره الشهير بتصريح مربك: ”لا ينقذنا إلا إله“. بين من يقرأ العبارة مجازاً (قداسة الوجود) ومن يلمح احتمال معناها الديني، تتجلى قمة التأزّم: حين تبحث الفلسفة عن معنى خارج أدواتها المألوفة.


خلاصة


يرسم اللقاء خريطة أزمة لا تُختزل في ثنائية إيمان/لا إيمان، ولا في علم/لا علم. إنها حركة إعادة توزيع للمقدّس: العلم، الفن، الحرية، العقل — ”آلهة“ صغيرة تحلّ محل الإله الغائب. في هذا الأفق، لا يكون الحوار ترفاً بل شرطاً للمعرفة؛ ولذلك كان البازعي واضحاً: المشروع لم يكتمل، وهو بحاجة إلى جدل الحضور الذي يُنبه إلى مناطق غفل عنها النص، ويعيد فتح المفترقات من جديد.

تعليقات


bottom of page