صالح زيّاد يعيد نقد المفاهيم الأدبية الكبرى
- أحمد المطلق

- 8 نوفمبر 2025
- 4 دقيقة قراءة

في زمنٍ تتسارع فيه المنصات وتغيب فيه المساحات الفكرية العميقة، يطلّ الدكتور صالح زيّاد عبر قناته في يوتيوب ببرنامجٍ نوعي بعنوان «ومن الكلام ما يضيء»، ليعيد للكلمة وظيفتها الأولى: التفكير. يقدّم البرنامج سلسلة من الحلقات التأملية التي تتناول مفاهيم محورية في الخطاب الأدبي العربي مثل الحداثة والعالمية والأصالة، لا بوصفها مصطلحات نقدية جامدة، بل بوصفها أسئلة ثقافية حيّة تتقاطع فيها المعرفة بالتاريخ والهوية بالوعي. يمثل هذا البرنامج نموذجًا نادرًا لما يمكن أن تؤديه المنصات الرقمية حين تتحول من فضاءٍ ترفيهي إلى منبرٍ للنقاش النقدي والتنوير الفكري، إذ يربط بين عمق الدرس الأكاديمي وسلاسة الخطاب الإعلامي، ويقدّم للمشاهد تجربة فكرية تُنير المفاهيم بدل أن تكررها.
قيمة الحداثة: من الجدة إلى الإيديولوجيا
في الحلقة الأولى، يرى الدكتور صالح زياد أن الحديث عن الحداثة في الأدب كثيرًا ما ينتقل من وصفٍ محايد إلى حكمٍ تقويمي؛ فحين نصف شاعرًا بأنه «حداثي» وآخر بأنه «تقليدي»، فنحن في الواقع لا نصف بل نحكم ونُضفي قيمة: نرفع الأول وننقص من الثاني. ومن هنا ينطلق السؤال:
هل الحداثة قيمة في ذاتها، أم أنها تستمد قيمتها من منظورٍ تاريخي وثقافي معيّن؟
يؤكد أن قيمة الحداثة ليست مطلقة، بل نسبية ومنظورية، تتولد من المفاضلة مع نقيضها (التقليد). وبما أن هذه القيمة تنشأ من منظور لا من جوهر، فهي أداة أو وسيلة، لا غاية نهائية. ثم يبيّن أن الثنائيات الحادة (حداثة/تقليد، جديد/قديم، تقدمي/رجعي) تُنتج وهم التجانس داخل كل طرف، وتغفل التنوع والاختلاف داخل كل حقل. فالشعراء الحداثيون أنفسهم يختلفون جذريًا (نازك الملائكة وبدر شاكر السياب ليسا أدونيس ومحمد العلي)، كما أن القدامى أيضًا ليسوا كتلة واحدة (زهير لا يشبه امرأ القيس). وعند هذه النقطة ينتقل إلى سؤال جوهري:
هل يمكن أن توجد قيمة غير أيديولوجية؟
ويجيب بأن القيمة دائمًا وليدة سياق ثقافي وتاريخي، لكنها تقترب من الحياد في أربع حالات:
حين ندرك أن القيمة منظور لا جوهر، ونتساءل عن مصدرها وأثرها لا عن مطلقيتها.
حين تنبع القيمة من داخل التجربة الأدبية نفسها، لا من قوالب أو تصنيفات خارجية.
حين تُفهم القيمة ضمن تعدد مفتوح لا في ثنائية إقصائية.
حين تُرى القيم بوصفها متفاعلة ومتعددة لا واحدة مهيمنة.
ويختم بأن الحداثة ليست جوهرًا ثابتًا ولا مبدأً كليًا، بل خطابٌ تشكّل في ظروف تاريخية محددة، وكل نقد حقيقي هو وعي بهذه المحدودية واستعداد لمساءلتها باستمرار. اللقاء يعكس منهجًا تفكيكيًا نقديًا يقترب من فكر مدرسة التأويل الثقافي ونقد الخطاب الحداثي. فالدكتور زياد لا ينقض الحداثة ولا يمجدها، بل يمارس نقدًا للكيفية التي تُنتج بها القيمة داخل الحقل الأدبي. تحليله يتسم بالصرامة المفهومية، وهو يستدعي تقاليد فلسفية ضمنية (من نيتشه إلى غادامير وليوتار) دون تصريح، مما يعكس تكوينًا نقديًا فلسفيًا عميقًا. قيمة النص تكمن في تحويل النقاش من سؤال «من مع الحداثة ومن ضدها؟» إلى سؤال «كيف ننتج القيم في خطابنا النقدي؟».
العالمية تحت المجهر: من الحلم الإنساني إلى الهيمنة الثقافية
في الحلقة الثانية، يروي الدكتور زيّاد قصة رابندرانات طاغور عام 1907 حين رفض مصطلح الأدب المقارن وفضّل تسميته الأدب العالمي بلغته البنغالية. كان موقفه سياسيًا وثقافيًا في آنٍ واحد، إذ رأى أن الأدب المقارن يُكرّس الانقسام بين اللغات، بينما الأدب العالمي يُوحّد التجربة الإنسانية في مواجهة الاستعمار والتقسيمات القومية الضيقة. قال طاغور:
يجب أن نرى كل عمل أدبي بوصفه جزءًا من الإبداع الشامل للإنسان.
هذا المشهد يفتح النقاش حول العلاقة بين الإنساني والاستعماري في صياغة مفهوم الأدب العالمي. ثم يرجع الدكتور زيّاد إلى القرن التاسع عشر، حيث صاغ غوته مفهوم Weltliteratur (الأدب العالمي) داعيًا إلى تلاقي الآداب القومية وتجاوز الحدود. كانت الرؤية آنذاك مثالية وإنسانوية، قائمة على البحث عن المشترك الإنساني، تتبّع التأثير والتأثر بين الآداب، الإيمان بمعايير جمالية كونية، الاعتماد على الترجمة جسراً للعبور نحو «العالم». لكن هذه الرؤية كانت تحلم بعالم أدبي موحد من دون وعيٍ كافٍ بعلاقات القوة والمعرفة التي تحكم هذا العالم.
مع ظهور دراسات ما بعد الاستعمار، انقلبت الصورة. لم يعد الأدب العالمي فضاءً بريئًا لتبادل المعاني، بل بناءً أيديولوجيًا يُنتَج من مراكز القوة الثقافية.
فهناك من يقرر ما هو عالمي، ومن يُقصى ويُهمّش، وفق منطق السوق والنشر والتمثيل لا وفق القيمة الفنية وحدها. ما بعد الكولونيالية لا ترفض الأدب العالمي، لكنها تعيد تعريفه من موقع الجنوب، لتصبح العالمية نتاج تعدد حقيقي، لا مركزًا واحدًا يملي معاييره. ينقل الدكتور زيّاد عن الباحثة ديبجني جانجولي قولها إن الأدب العالمي «يبقى مفهومًا ملتبسًا». فهو تارة سجلٌّ من الروائع الكلاسيكية، وتارة وسيلة للتبادل الثقافي، وتارة أداة للاستعمار الثقافي، وقد يكون في أفضل صوره أفقًا نقديًا لتفكيك الهيمنة من داخلها. من هنا يغدو الأدب العالمي فضاءً للتفاوض والتفاعل، لا قائمة نهائية من النصوص الكبرى.
الحلقة تكشف تحول المفهوم من الكوني إلى العلائقي، من البحث عن المشترك الإنساني إلى الوعي بالشبكات التي تصنع هذا المشترك. هي ليست رفضًا للعالمية بل نقدٌ لخطابها المهيمن الذي يجعل من المركز الأوروبي مقياسًا للكوني. الخطاب الذي يقدمه الدكتور زيّاد يجمع بين الوعي الفلسفي البنيوي والتحليل الثقافي ما بعد الكولونيالي. فهو يزاوج بين الحس التاريخي (تتبع النشأة والتطور) والرؤية الإبستمولوجية (تحليل آليات التمركز والإقصاء).
الأصالة بين الوعي والتكلّس
يبدأ الدكتور زيّاد من ملاحظة دقيقة؛ مفهوم الأصالة لم يكن يعني في التراث العربي ما يعنيه اليوم. ففي المعاجم، الأصالة تقارب الإبداع والابتكار، لكنها بعد صدمة الحداثة الغربية أصبحت نقيض الحداثة: القديم مقابل الجديد، الثابت مقابل المتحوّل. هكذا غدت الأصالة ملاذًا نفسيًا وهوياتيًا في مواجهة هيمنة الغرب، أكثر من كونها مفهومًا معرفيًا أو جماليًا. يرصد د. صالح تحوّل معنى الأصالة منذ عصر النهضة (القرن 19):
النهضويون (الأفغاني، محمد عبده، الطهطاوي، خير الدين التونسي) رأوا الأصالة في جوهر الدين والعقل والاجتهاد، لا في تكرار الماضي.
كانوا يدافعون عن الإسلام ليعيدوا فتح أبواب الحداثة أمام المسلمين.
لاحقًا ظهرت موجات محافظة حوّلت الأصالة إلى حصن مغلق وسيف على المختلف، أفرغت المفهوم من حيويته التاريخية وجعلته ذريعة للهيمنة الحزبية والدينية.
هكذا فقدت الأصالة معناها الإبداعي وتحولت إلى شعار يُرفع للدفاع عن الذات لا لتجديدها. كما يُميز الدكتور زيّاد بين الإسلام والتراث من جهة وتأويل الإنسان لهما من جهة أخرى:
القرآن لا ينطق، وإنما ينطق به الرجال.
الخطأ إذن ليس في الدين ولا في التراث، بل في من يحتكر تفسيرهما باسم الأصالة. الأصالة لا تتكلم إلا عبر الإنسان، فهي فعل بشري تاريخي، تتغيّر بتغيّره ووعيه. من يتعامل معها كجوهر ثابت يجمّدها، ومن يدركها كحركة مستمرة يحييها. الأصالة ليست عذرًا للتخلف ولا حجة ضد التقدم، بل سؤال مفتوح لا إجابة جاهزة، وعي نقدي لا موقف دوغمائي، مساءلة للذات لا تبرير لها. هي لا تُورث، بل تُختبر في كل عصر وتُصاغ في كل فكرة. أن تكون أصيلاً لا يعني أن تكرر ما قيل، بل أن تُعيد إنتاج المعنى بما يُنير حاضرك.
الحلقة تمثل انعطافة تأملية داخلية في فكر الدكتور زيّاد، حيث ينتقل من مساءلة المفاهيم الوافدة إلى تفكيك المفاهيم التي نصنعها نحن لمواجهة الوافد. منهجه هنا تأويلي-أنثروبولوجي: الأصالة تُفهم بوصفها خطابًا ثقافيًا يتغير حسب الموقع والزمان لا بوصفها حقيقة ميتافيزيقية. الطرح قريب من مفاهيم محمد أركون، نصر حامد أبو زيد، ومحمد عابد الجابري، لكنه أكثر توازنًا من حيث تجنّب القطيعة مع الموروث، إذ يضع المسؤولية على الوعي الإنساني لا النص ذاته.
.png)



تعليقات