العلمنة كأزمة: سعد البازعي يروي لحظات التحول في الوعي الأوروبي
- أحمد المطلق

- 21 أكتوبر 2025
- 3 دقيقة قراءة

في لقاء أقامه نادي سمو الحرف ضمن مبادرة الشريك الأدبي في مكتبة صوفيا بالرياض، تحدث الدكتور سعد البازعي في الجزء الثاني من سلسلة ”أزمة الحضارة الغربية“ وسط حضور نوعي من المثقفين والمهتمين، أوضح البازعي منذ البداية أن الأزمة التي يتحدث عنها لا تعني المشكلات العابرة، بل هي لحظات حرجة تمر بها الحضارات حين لا تدري إلى أين تتجه. قال:
«الأزمة لحظة لا يُعرف فيها المصير، كما ينتظر الأطباء مصير المريض في غرفة العناية، لا يدرون هل سيُشفى أم لا».
بهذه الصورة قدّم مفهومه للـ«أزمة» الحضارية، قبل أن ينتقل إلى صلب موضوعه: الأزمة الدينية في الغرب، التي اعتبرها مدخلًا لفهم أزمة الذات الغربية كلها.
من المسيحية إلى العصور الوسطى
استعاد البازعي المشهد التاريخي من بدايات دخول المسيحية إلى أوروبا، وكيف تحولت من دين مضطهد إلى دين رسمي في عهد الإمبراطور قسطنطين. ثم أوضح أن أوروبا عاشت لحظات طويلة من السكون حتى القرن الثالث عشر، حين بدأت الأزمات تتفجر من الداخل مع تطور الفكر وظهور الأسئلة حول الإيمان والعقل، مشيرًا إلى أن:
«العصور الوسطى ليست هي عصور الظلام كما يُخلط أحيانًا، فالظلام امتد حتى القرن العاشر، أما العصور الوسطى فشهدت بدايات الفكر والعلم، ومنها بدأت الأزمة الفكرية».
ويليام الأوكامي وبداية الانشقاق العقلي
ركز البازعي حديثه على شخصية القس الإنجليزي William of Ockham، الذي رأى أنه أول من أحدث تصدعًا حقيقيًا في جدار الفكر الكنسي، قائلاً عنه:
«هو من وضع أول لبنة في مسار العلمنة حين فصل بين الإيمان والعقل، وقال إن الإيمان وحده يقود إلى العالم الآخر، أما هذا العالم فلا يُفهم إلا بالعقل».
وأشار إلى أن أوكهام، رغم كونه قسيسًا، نقل المعرفة من السماء إلى الأرض، بمعنى أن المعرفة في العصور الدينية كانت تُعتبر وحيًا سماويًا مصدره الله، وتخضع لتفسير رجال الدين والكنيسة، أما بعد ظهور المفكرين فقد بدأت أوروبا تؤمن بأن العقل البشري قادر على تفسير العالم دون الاعتماد على النصوص المقدسة، ويليام أوف أوكهام أسهم في ما سُمي لاحقًا بـالعَلمَنة، موضحًا أن:
«العلمانية ليست من العلم بل من العالم، أي الدنيوية، وهي التي جعلت أوروبا تنظر إلى الإنسان والعقل بوصفهما مصدرًا للمعرفة».
جون وكلف وترجمة النص المقدس
انتقل البازعي إلى محطة أخرى من الأزمة، حين ظهر جون وكلف في إنجلترا وبدأ بترجمة الكتاب المقدس إلى الإنجليزية، كاسرًا احتكار الكنيسة للمعرفة الدينية. قال البازعي:
«كانت تلك لحظة ديمقراطية أربكت السلطة الدينية، حين صار النص المقدس في متناول الناس لا رجال الدين وحدهم».
هذه الحركة، كما يرى، مهدت لانشقاق إنجلترا عن روما، وفتحت الباب للإصلاح الديني الذي سيقوده بعد ذلك مارتن لوثر.
مارتن لوثر والانقسام الأعظم
توقف البازعي عند لحظة الانقسام الكبرى في تاريخ أوروبا، حين علّق لوثر احتجاجه الشهير على باب الكنيسة، رافضًا بيع صكوك الغفران واستغلال الناس باسم الدين، وقال:
«منذ لوثر صار الغرب يقيس تاريخه بما قبل لوثر وما بعده، فقد بدأت معه مرحلة جديدة جعلت الإنسان في مواجهة الكنيسة، والضمير في مواجهة السلطة».
وأوضح أن لوثر، إلى جانب المفكر الهولندي إيراسموس، أسسا لنزعة جديدة تضع الإنسان في مركز الكون، لا بوصفه تابعًا للعقيدة، بل باعتباره غاية الوجود.
سبينوزا ونقد النص المقدس
في نهاية اللقاء، تناول البازعي مرحلة الفيلسوف باروخ سبينوزا، الذي وصفه بأنه "الانفجار الأكبر في تاريخ النقد الغربي"، وقال:
«سبينوزا أدخل النص المقدس إلى مختبر العقل، وقال يجب أن نقرأه كما نقرأ أي نص آخر، لا لأننا نكفر به، بل لأنه نص إنساني».
وأضاف أن سبينوزا «فتح الباب أمام النقد الأدبي الحديث والعلوم الإنسانية، حين ألغى القداسة المطلقة عن النص وأخضعه للتحليل». وأشار إلى أن فكر سبينوزا بلغ ذروته في كتابه الأخلاق حيث طرح فكرة وحدة الوجود، وقال:
«اعتبر أن الله والطبيعة شيء واحد، وأن الفصل بين الخالق والمخلوق خطأ في الفهم، فالله حالّ في الكون لا منفصل عنه».
من أزمة الذات إلى أزمة الآخر
اختتم البازعي حديثه مؤكداً أن ما عرضه في هذا الجزء هو «أزمة الذات» في الغرب، أي أزمته الداخلية مع نفسه ودينه، وأن اللقاء القادم سيُخصص لـ**«أزمة الآخر»**، أي علاقة الغرب بالثقافات والأديان الأخرى. وقال في ختام كلمته:
«ربما مواجهة الذات هي مواجهة الآخر، والعكس صحيح، لكن الفصل بينهما ضروري لفهم المسار التاريخي للحضارة».
كان اللقاء ثريًا بالنقاشات والمداخلات، وجاء في أجواء فكرية هادئة داخل مكتبة صوفيا، حيث اجتمع الحضور حول طاولة الفكر ليستمعوا إلى تحليل عميق لتاريخ طويل من القلق والأسئلة، بينما بدا الدكتور سعد البازعي، كعادته، هادئًا في نبرة صوته، صارمًا في منطقه، ومفتونًا بسؤال الحضارة الذي لم يزل يبحث له عن جواب.
.png)



تعليقات