قصة قصيرة: عندما يغني المطر
- حسين السنونة

- 10 نوفمبر 2025
- 3 دقيقة قراءة

منذ طفولتي كانت لي أمنية، أن أقف وسط الطريق تحت السماء والمطر يجلد الأرض بما فيها وعليها، الرعد يزمجر بصوته ويجعل العجوز تنام مبكرًا، البرق يشع أضواءه، مما يجعل المسؤولين يهربون الى قصورهم المحصنة، الرياح تصفر للجميع ،والطيور تحمي نفسها بأوراق الشجر، العجائز تحكي قصصًا تفوق الخيال لأحفادهم، الفقراء يبحثون عن مأوى، المساجين يلوحون بأيديهم من وراء قضبان الحديد لتدغدغهم حبات المطر، لعل الغد يكون أجمل. كنت جبانًا، أخاف من البرد، أصاب بالرعب من البرق والرعد فأصلي كثيرًا ،وأرتل القرآن ،واقرأ الدعاء. أكره الرياح التي تجعلني اطأطأ رأسي، فأنا كعربي؛ لا يوجد في قاموسي طأطأة الرأس. المطر ينهمر، وابلاً وانا أقف أنظر إليه من النافدة ... ما شاء الله ؛ المطر اليوم قوي بعد غياب طويل عن البشر والحجر .. نعم يا زوجتي كما قلتِ.
خلعت ملابسي، اتجهت الى الخارج. وزوجتي تصرخ، ماذا تفعل يا رجل ؟ أتريد أن تمرض، أو يراك الأولاد والجيران والحيوانات وأنت عارٍ الا من تحت سرك ... خرجت ... توقفت وسط الطريق ؛ رفعت يدي ورأسي استقبل تلك الحبات، ضربت جسدي، قبلت رأسي، أدخلت آذناي وتحولت الى قطعة كبيرة من المطر. البرق .. الرعد يشاركاني الفرحة، الرياح تحاول أن تسقطني أرضًا، وبالفعل سقطت في بركة مائية مصبوغة بالوحل، لا أعلم .. ضحكت، صرخت، نزعت ما تبقى من ملابسي، أصبح وجهي مصبوغًا بالوحل الممزوج بطعم حبات المطر. يارب ها أنا عارٍ تمامًا كما خلقتني، زوجتي ..جيراني ، أيها الناس .. يا عالم اخرجوا، الله هنا ..الخالق هنا ؛ وليس بين جدران البيوت، وشاشات التلفزيون، والثرثرة عن أنواع الطعام، أو الموضات التكنولوجية. المطر يغسل ما في الصدور، يطهر القلوب، يجعلكم في أعلى لحظات الرومانسية، أيها البشر المطر نقي يشبه دموعنا النقية، أشم رائحة المطر، المطر هو عطر الشتاء.
أيها البشر ابشركم أن الله راضٍ عنكم، فالمدينة التي يغرقها المطر يعني أن الله أرسل له رسل الرضا ... اخرجوا ؛ اخلعوا الخوف من قلوبكم، انزعوا ملابسكم وقفوا عند الغيوم الكبيرة السوداء الثملة بالمطر، سيذكركم بالبراءة براءة الطفولة، اللعب وسط المطر والشرب منه وتجميعها في الأواني لصنع قدح من الشاي والهرولة والجري والضحك، حتى تشرق الشمس، ثم السعال طوال الليل أثناء النوم وترقد أمهاتنا بجانبنا حتى الصباح.... زوجتي تعالي.. اقتربي؛ قبلة فقط ؛وما بينها حبات المطر التي ستختلط برحيقنا، المطر هو عطر الشتاء، عانقيني بقوة حتى أسمع أضلاعي تتكسر.. يقال القبلة من الزوج الى زوجته في المطر تطيل العمر، وتقبيل الزوجة الى زوجها في المطر تجلب الرزق، اذن إطالة العمر.. نسافر بالقروض، ونشتري بالدين، ويجلب الرزق، نسدد الديون ونشتري بيتًا كبيرًا، نبني في داخله مدرسة ومسبحًا ومسجدًا ومجمعًا غدائيًا .. زوجتي ألم تحدثينني كثيرًا بأنك تتمنين أنثي صغيرة تشع في البيت مع الطفلين. زوجتي العزيزة تعالي .. كوني قوية؛ تقمصي الجنون، اخلعي نعليك فانتِ في وادي عشقي.. لماذا أنت متردد وخائف من أهل الأرض، لا عليك منهم، السماء سماء الله ؛والمطر مطر الله ،والفرح فرح الله.
- أبي : ماذا تفعل ؟!.
- بني ..تعال؛ أرسم لك ذكريات عندما تكبر.. اركل بركة المطر، افتح فمك لتشربه، انظر الى لأعلى السماء، وتحدث مع الخالق، قل له ما تشاء؛ الآن الدعاء مستجاب ،هكذا سمعت وأنا مؤمن بذلك.
- أبي سوف تمرض !! .
- هههه .. ومن قال لك ؟ أنا هناك ، من هو في الأرض ليس بدون مرض، لو كانوا بدون مرض لخرجوا يكتبون الشعر عن المطر، يرسمون ...
- ماذا تفعل ؟ ألا تخاف الله .. عريانًا ، ستموت، ستمرض، ستفقد صحتك واحترام الناس.
- جاري العزيز : أعلم أنك لا تحبني، ولا تعجبك طريقة حياتي، ودائما تشتكي مني ومن أبنائي، ولكني سوف أقول لك: أنت في الحقيقة لا تحب تصرفاتي وليس شخصي.
تعال اخلع الماديات قف هنا ،وارفع يديك الى السماء وركز في سمعك لصوت الرعد، وقوي نظرك لرؤية البرق، لا تخف ليس هناك ضريبة على الوقوف، أو غرامات على الاستمتاع بهذه الأجواء الخيالية !! اخرجوا يا بشر، لا أعلم لماذا تزعلون على خسارة المنتخب في كأس العالم، ولا تفرحوا برحمة الله، تبكون لموت ممثلٍ، ولا تبكون لموت أرواحنا وضمائرنا. اخرجوا جميعا عراة، وسيلبسكم المطر أرواحًا طاهرة، الله ليس بين الجدران، الله في كل مكان، هو نور السماوات والأرض، في حبات المطر ..الريح .. الرعد ..البرق .. الهواء... أينما تولوا فثم وجه الله.
.png)



تعليقات