ما بين التفاهة والرداءة: الغذّامي يفكك المصطلح ويعيد تعريف الثقافة
- أحمد المطلق

- 15 أكتوبر 2025
- 3 دقيقة قراءة

انطلق اللقاء الذي نظمته دار مضامين ضمن مبادرة «الشريك الأدبي»، وأداره أحمد المخيدش، من سؤال مباشر: ما التفاهة؟ وهل يصح أن نصف بها ثقافة كاملة؟ قبل الدخول في النقاش، قدّم المخيدش مدخلًا لمسيرة الدكتور عبدالله الغذّامي النقدية والفكرية منذ «الخطيئة والتكفير» مرورًا بالحداثة والنقد الثقافي إلى اشتغالاته الراهنة على تحولات الذائقة الاجتماعية. هذا التمهيد وضع الجمهور أمام أطروحة مفصلية: هل «التفاهة» مفهوم نقدي يمكن أن يُبنى عليه حكم معرفي، أم أنها مجرّد وصمة أخلاقية تُلقى على ما لا نحبّ؟
التفاهة ليست مفهومًا معرفيًا
يرى الغذّامي أن «التفاهة» ليست مصطلحًا قابلاً للضبط والتحليل مثل «الجودة» و«الرداءة»، بل هي حكم إنشائي متسرّع. وعليه، فإن عبارة «ثقافة التفاهة» ملتبسة من أصلها؛ لأنها تخلط بين توصيف ظاهرة موضوعية وبين شحنة ازدراء أخلاقية. المعيار النقدي الأجدى هو اختبار الأعمال بمعايير جمالية وعقلية محدّدة، لا وصمها بصفةٍ عائمة لا تُقاس ولا تُبرهَن.
«الرداءة» بديلٌ منهجيّ عن «التفاهة»
يقترح الغذّامي استبدال «التفاهة» بـ«الرداءة»، لأن الرداءة قابلة للتعليل: عمل لا يبلغ شرط الكينونة الجمالية أو العقلانية. بهذا التحويل من وصمٍ أخلاقي إلى قياسٍ نقدي، يصبح ممكنًا بيان مواضع الخلل والحُجّة عليها. أمّا «التفاهة» فتبقى حكمًا عاطفيًا لا يصلح أساسًا للتقويم.
الجمهور والذائقة: من الإدانة إلى الفهم
ينبّه الغذّامي إلى عادة شائعة: ربط «الجماهيري» بالهبوط. هذا الربط يختصر التعقيد الاجتماعي ويعفي الناقد من مهمته الأساسية: تفسير الجاذبية. في سياق المنصات الرقمية، ثمة أرقام حقيقية وأخرى مصطنعة؛ البحث الرصين يميّز بينهما أولًا. فإذا ثبت الإقبال الحقيقي، وجب الانتقال من سؤال «لماذا هذا تافه؟» إلى سؤال «ما الذي يجذب الناس فيه؟ وكيف تتبدّل الذائقة؟». الذكاء النقدي، كما يوضح مثال أم كلثوم حين استجابت لتحولات الموسيقى، يقوم على الإصغاء للتحول لا معاقبته.
ثنائية «الخاصة» و«العامة»: تاريخ وسياق لا قانون
يعيد الغذّامي ثنائية «الخاصة/العامة» إلى عصور الأمّية المعمّمة وتكوّن نخَب معرفية مغلقة. مع تعميم التعليم وتوسّع المجال العمومي، تفقد الثنائية صلاحيتها التفسيرية إن استُخدمت بوصفها قانونًا ثابتًا. درجة من النخبوية قد تتسلّل إلى الخطاب الفلسفي والتعليمي حتى اليوم، لكنها ليست قدرًا محتومًا؛ بل أثرٌ تاريخي ينبغي تفكيكه.
المرأة واللغة: تأنيث الضمير وتحديث المكان
ينطلق الغذّامي من أطروحة «المرأة واللغة» ليؤكد أن اللغة العربية الحديثة ما زالت مثقلة بضميرٍ مذكّر يُقصي المرأة من مركز القول. تأنيث الضمير ليس ترفًا لغويًا؛ إنه شرط لتمكين الفاعلية الأنثوية في المجال العام. ومع التحولات الاجتماعية في السعودية، تغيّرت خرائط المكان والحضور، وانعكس ذلك على لغة الخطاب وسلوكياته بوصفه «قوة ناعمة» تهذّب المجال العمومي وتزيده رقيًا.
النخبوية كعدوى سلوكية
يشبّه الغذّامي النخبوية بعدوى: من يُصب بها يميل لاحتقار الجمهور ومطالبتهم «بالقدوم إليه»، بدل أن يذهب هو إليهم بلغة وسيطة وحيّة. النقد الحيّ ليس حراسة لبرجٍ عاجي، بل قدرة على الوساطة بين القيمة والجمهور، وعلى صناعة لغة تُحافظ على المعيار وتوسّع دائرة التلقي في آن.
حدود النقد: حين يخرج الفعل من الثقافة إلى القانون
يفصل الغذّامي بين اختلافٍ ثقافي مشروع وممارساتٍ منظّمة تستهدف غسل العقول أو التلاعب الصحي/التجاري عبر المنصات. هذه الأخيرة ليست موضوعًا جماليًا بل شأنٌ قانوني وأخلاقي يجب الإبلاغ عنه ومكافحته، ولا يجوز اختزاله في «تفاهة» أو «رقيّ».
الإبداع والكمال الناقص
الإبداع عند الغذّامي لا يساوي الإتقان الميكانيكي التام؛ فـ«الكمال الصقيل» قد يقتل الومضة. في تاريخ البلاغة والنقد أمثلة على «العيب المحمود» الذي يمنح العمل فرادته ويؤكد تلقائيته. هنا يتأسّس معيارٌ مهمّ: الجيد يشفع لما دونه عند العباقرة، واللمعة لا تُصنع بالمسطرة.
الذكاء الاصطناعي: أداة مساعدة لا بديلًا عن الشرارة
يضع الغذّامي الذكاء الاصطناعي في سياق الأدوات: يُلخّص ويصوغ ويؤتمت، لكنه لا يخلق «العيب الجميل» ولا الوجْد الإنساني الذي تصدر عنه الأعمال الأصيلة. ما ينتجه ذكاءٌ إحصائي قد يكون «متكاملًا» شكليًا، لكنه يفتقر غالبًا إلى النقص الخلّاق الذي يوقظ الحسّ الجمالي.
أسئلة الجمهور: نحو معيارٍ للشجاعة والحكمة
دارت المداخلات حول «تفاهة الثقافة»، وحدود الجماهيرية، ووظائف الأجناس الشعبية كالفانتازيا، ودور المرأة، ومعنى الشجاعة والحكمة في النقد. خلص الغذّامي إلى أن الناقد مدعوّ إلى شجاعةٍ تقول رأيًا واضحًا، وحكمةٍ تضع ضوابط للأذى؛ وإلى أن الأجناس الجماهيرية تؤدي وظيفة إدخالية عظيمة لعادات القراءة، وعلى النقد أن يطوّر لغة وسيطة («فصحى محكية») لا أن ينغلق على مصطلحاته.
خلاصة اللقاء: تحويل اللوم إلى فهم
ينتهي اللقاء إلى ثلاث خلاصات عملية: الأولى، استبدال قاموس الإدانة (التفاهة) بقاموس القياس (الجودة/الرداءة). الثانية، تحوّل دور الناقد من إطلاق الأحكام إلى تفسير التحولات وصناعة لغة عبور بين القيمة والجمهور. الثالثة، ترسيخ أن تحديث اللغة والمكان—ومن ضمنه تأنيث الضمير وحضور المرأة—ليس زينة خطابية بل شرطٌ لجمالٍ عامٍ أرقى. بهذه المبادئ يغادر الحضور المصطلح الملغوم نحو نقدٍ يفهم قبل أن يحكم، ويُصغي قبل أن يصنّف.
.png)



تعليقات