ومضات السرد السعودي: قراءة في كتاب القصة القصيرة جدًا في الأدب السعودي لجمال الحميد
- أحمد المطلق

- 16 أكتوبر 2025
- 5 دقيقة قراءة

يأتي كتاب «القصة القصيرة جدًا في الأدب السعودي» للباحث جمال غالي الحميد الصادر عن دار رشم (2024) بوصفه أحد أهم الإصدارات النقدية الحديثة في المشهد السردي السعودي، حيث يضع هذا الفن المكثّف تحت مجهر بحثي دقيق، جامعًا بين النظرية والتطبيق، وبين التتبع التاريخي والتحليل الجمالي. لا يكتفي المؤلف بتأريخ النشأة ومسار النوع، بل يؤسس لما يسميه المنهج الميكروسردي، منهجًا نقديًا يتعامل مع القصة القصيرة جدًا بوصفها نصًا صغير الحجم عظيم البنية، قادرًا على احتواء العالم في ومضة لغوية واحدة. يفتتح الحميد دراسته بمقدمة تستحضر المعنى الإنساني العميق لفعل القص، وكيف انتقل من المشافهة إلى الكتابة مرورًا بتحولات تقنية وثقافية متتابعة، ليصل في عصر السرعة إلى هذا الشكل الأدبي شديد الإيجاز. ويرى أن القصة القصيرة جدًا ليست مجرّد نزعة إلى الاختصار، بل استجابة حضارية لعصر يتسارع فيه الإيقاع ويضيق فيه الوقت، فكان لابد للسرد أن يختزل العالم في جملة أو سطر، وأن يحافظ رغم ذلك على التخييل والدهشة والمعنى.
من الإيجاز إلى الميكروسرد
ينطلق الحميد من جذورٍ إنسانية قديمة لما يسميه “الأشكال الوجيزة”، مستعرضًا الأمثال والحكم والأقوال الشائعة والنادر والأحاجي بوصفها أشكالًا سردية مصغّرة وفاعلة منذ فجر الكتابة، تعلّم الإنسان أن يقول الكثير بالقليل. ويرى أن القصة القصيرة جدًا تنتمي إلى هذا النسب العريق، لكنها تكتسب ملامحها الحديثة عبر التماس مع الأشكال الشعرية الوجيزة في العالم مثل السوناتا الأوروبية والهايكو اليابانية وقصيدة الومضة العربية الحديثة. ثم ينتقل إلى السياق العربي، فيرصد النقاش الذي دار حول شرعية هذا النوع: فريقٌ عدّه وافدًا غربياً لا يستوفي شروط السرد، وفريقٌ رأى أنه امتداد طبيعي للموروث العربي في بلاغته وإيجازه. وبين هذين الموقفين يقدّم الحميد رؤيته المتوازنة: فالقصة القصيرة جدًا وُلدت في فضاء عالمي حديث، لكنها وجدت في الذاكرة العربية تراثًا من الإيجاز والحكمة مكّنها من التجذّر والانطلاق. ومن هنا يبلور الباحث ما يسميه المنهج الميكروسردي، مستلهمًا بعض أدوات البنيوية ومطوّرًا إياها لتناسب النصوص القصيرة جدًا. هذا المنهج، كما يصفه، يقوم على أربع ركائز: تفكيك البنية الداخلية للقصة القصيرة جدًا، وقياس مدى انحرافها عن الأنواع السردية التقليدية، وتحليل مستويات التخييل والترميز فيها، ثم النظر إليها من زاوية التلقي و«زمن القراءة». وبذلك يصبح الميكروسرد أداة لفهم الأدب الوجيز من الداخل والخارج معًا، متجاوزًا حدود النقد البنيوي المغلق إلى نقدٍ يدمج القارئ في العملية الإبداعية.
القصة القصيرة جدًا في السعودية: من البواكير إلى النضج
يتتبع الكتاب نشأة القصة القصيرة جدًا في المملكة العربية السعودية بوصفها جزءًا من التحوّل السردي العربي العام. ويربط بداياتها المبكرة بدور الصحافة الثقافية في النصف الثاني من القرن العشرين، حين كانت المجلات والصحف — مثل المنهل واليمامة وصوت الحجاز والمدينة المنورة والجزيرة — تنشر القصص القصيرة وتحتفي بها. في تلك المساحة الصحفية تدرّب السارد السعودي على الإيجاز، وتكوّنت لديه الحساسية اللازمة للّمح والمفارقة، مما مهّد لولادة الشكل الأوجز لاحقًا. يؤرّخ الحميد لانطلاقة هذا الفن في السعودية مشيرًا إلى تجربة جبير المليحان الذي نشر عام 1976 إحدى عشرة قصة قصيرة جدًا في ملحق ثقافي بصحيفة اليوم، تلاها ظهور مجموعة محمد علوان (الخبز والصمت، 1977)، التي ضمّت أربع قصص قصيرة جدًا. أما التحول الحقيقي فقد حدث حين أصدر عبد العزيز الصقعبي مجموعته «فراغات» بوصفها أول مجموعة سعودية تحمل على غلافها عبارة “قصص قصيرة جدًا”، لتدشّن بذلك الاعتراف الرسمي بالنوع في المشهد السردي المحلي. بعد هذه البدايات تأتي المرحلة التي ركّز عليها المؤلف في دراسته التطبيقية، محددًا إطارها الزمني بين 2011 و2016، وهي مرحلة ازدهار ووعي وازدياد في عدد الإصدارات، إذ صدرت خلالها سبع وأربعون مجموعة قصصية قصيرة جدًا، اختار منها الباحث ثماني عشرة مجموعة تمثّل التجارب الأبرز والأكثر نضجًا في هذا الفن.
وتشمل مدوّنة الدراسة الأسماء التالية:
أحمد القاضي (قناديل زيتها أغنية)، جبير المليحان (ج ي م)، جمعان الكرت (بوارق)، حسن علي البطران (ناهدات ديسمبر)، حسن فرحان الفيفي (حلم، وردي)، زكية محمد العتيبي (أنثى الغمام)، سعد العتيق (كؤوس فارغة)، شيمة الشمري (أقواس ونوافذ، خلف السياج)، عبد الحفيظ الشمري (وعدك.. رجاء ترمّد)، عبد الرحمن الجاسر (حياد)، عبده خال (شقشقات)، محمد المزيني (شهوات)، محمد المنصور الشقحاء (تداعيات أنثى تصالحت مع جسدها)، مفرج المجفل (على شفا شفرة، وخز)، ومنيرة الأزيمع (ما ينقصك!).
هذه المدوّنة تمثّل الطيف الجغرافي والفني للقصة القصيرة جدًا في السعودية، وتتيح للباحث فحص البنية والأسلوب والتجنيس ضمن سياق متكامل، إذ تضم كتابًا مكرّسين خاضوا التجربة أكثر من مرة، وتنوّعت رؤاهم بين الواقعي والرمزي والسريالي واليومي.
اللغة والبنية والبياض
يحلّل الحميد في فصلٍ مطوّل خصائص البنية في القصة القصيرة جدًا من خلال قراءة العتبات النصية — العناوين، الإهداءات، الأغلفة، والعبارات الأجناسية — باعتبارها إشارات توجيهية تشكّل أول علاقة بين النص والقارئ. بعض الكتّاب يصرّح بعبارة «قصص قصيرة جدًا» على الغلاف، معلنًا وعيه بالنوع واستقراره، فيما يفضّل آخرون الغموض والاكتفاء بكلمة «قصص» أو بتعبيرات رمزية مثل «مكعبات من القصص يمكنك وضعها في فنجان قهوتك» كما فعلت منيرة الأزيمع، أو العنوان المخاتل الذي استخدمه عبده خال في مجموعته شقشقات حين وصفها بأنها «نصوص من عش الطائر الأزرق»، في إشارة إلى فضاء النشر الرقمي. ويمتد التحليل إلى الشكل الطباعي بوصفه مكوّنًا دلاليًا، إذ رصد الباحث هيمنة الكتابة العمودية وتوزيع البياض والسواد على الصفحة كأحد أساليب بناء المعنى. ففي بعض المجموعات مثل حياد لعبد الرحمن الجاسر وخلف السياج لشيمة الشمري خصّصت كل قصة صفحة واحدة تقابلها صفحة بيضاء، مما يمنح القارئ مسافة تأمل صامتة. بينما لجأ آخرون مثل مفرج المجفل في على شفا شفرة إلى اللعب البصري، محولين الصفحة إلى مساحة سردية قائمة بذاتها. هذا الحس البصري، كما يرى الحميد، يوازي الاقتصاد اللغوي، إذ أصبح البياض جزءًا من البنية لا فراغًا حولها، والقفلة القصيرة صدى للبياض الذي يسبقها ويلحقها. في النص السعودي الوجيز، إذن، تتقاطع المعمارية اللغوية مع التشكيل الطباعي، ليصبح القصر أسلوبًا جماليًا لا مجرّد قياس كمي.
التخييل والمدارات الدلالية
في مستويات التخييل يبرز وعي الكتّاب السعوديين بقدرة الرموز والإيحاءات على توليد معنى يتجاوز المباشر. القصة القصيرة جدًا، كما يصوّرها الحميد، فنّ «الاقتصاد والدلالة» في آنٍ واحد: لغة زاهدة بالتفصيل لكنها مُثقلة بالإيحاء، تتخلى عن الشرح وتترك للمتلقي مهمة الاكتمال. وتتنوع المدارات التي تتحرك فيها القصص بين الواقعي والإحالي، حيث يُستعاض عن الحدث اليومي العابر بصورة رمزية خاطفة تكشف عن هشاشة الإنسان المعاصر ومفارقات الحياة الاجتماعية. في هذا السياق تتخذ القصة القصيرة جدًا في السعودية طابعًا واقعيًا مجازيًا أكثر منه وثائقيًا، فتومئ ولا تصرّح، وتفتح باب التأويل بدلًا من أن تغلقه.
جماليات التلقي وأفق الانتظار
في القسم الثالث من الكتاب، يدمج المؤلف نظرية التلقي ضمن رؤيته الميكروسردية، معتمدًا على تصورات هانس روبرت ياوس وفولفغانغ إيزر، ليرى أن القارئ في هذا النوع السردي ليس متلقّيًا سلبيًا بل شريكًا في البناء الجمالي. فالنص الوجيز، بسبب فراغاته وكثافته، يحتاج إلى قارئٍ نشط يملأ الثغرات ويفكّك الإيحاءات ويعيد تركيب الدلالات. وهنا يتحوّل «زمن القراءة» القصير إلى تجربة تأويلية طويلة تمتد بعد انتهاء النص. ويرى الحميد أن القصة القصيرة جدًا غيّرت مفهوم المقروئية في السعودية، إذ انتقلت الذائقة من البحث عن القصص المكتملة إلى التفاعل مع نصوص تكتفي بالإيماءة. فالقارئ بات يواجه نصوصًا تقاوم الاكتمال وتدعوه إلى إعادة القراءة مرارًا، وهو ما يوسّع من آفاق التلقي ويجعل النصّ حيًا ومتحركًا في وعي المتلقين.
النتائج والرؤية المستقبلية
ينتهي الكتاب إلى مجموعة من النتائج التي تُبرز وعي الكاتب السعودي بخصائص هذا الفن: فقد تجاوزت القصة القصيرة جدًا مرحلة التجريب الأولى إلى مرحلة النضج والاستقرار ثم التجديد، وأصبحت تمتلك معمارًا واضحًا يعتمد على التلميح والقفلة والإيحاء والبياض. كما أثبتت الدراسة أن هذا الفن لم يكن نزوة فردية، بل استجابة لظروف حضارية وثقافية فرضت على السرد أن يختصر الزمن ويكثّف اللغة، دون أن يتخلى عن فنيته وجماله. ويؤكد الحميد أن المبدعين السعوديين نجحوا في تشكيل علاقة تكاملية بين الفاتحة النصية والقفلة الدلالية، وخلقوا توازناً بين البنية والدهشة، مما جعل القصة القصيرة جدًا حقلاً خصبًا للتجريب السردي. كما يدعو في ختام دراسته إلى مزيدٍ من القراءات النقدية المتخصصة التي تُتابع هذا النتاج وتكشف عن تحوّلاته الموضوعية والجمالية، لأن الإبداع السعودي في هذا المجال سبق — في كثير من الأحيان — النقد المصاحب له.
خاتمة
بأسلوبٍ علميٍّ أنيق، يقدّم جمال غالي الحميد في هذا الكتاب خريطة شاملة لفنّ القصة القصيرة جدًا في الأدب السعودي، تجمع بين التأصيل التاريخي والتحليل الجمالي والمقاربة البنيوية والتلقيّة. والنتيجة عملٌ نقديّ متكامل يضيء جانبًا ظلّ غامضًا في السرد السعودي، ويبرهن أن القصير جدًا قد يكون أوسع مدى من الطويل حين يُحسن الكاتب استخدام الإشارة والإيحاء والبياض. إنها نصوص صغيرة، لكنها تفتح أبوابًا واسعة على أسئلة الإنسان واللغة والدهشة — سطور قليلة تتّسع لعالمٍ كامل.
.png)



تعليقات